بشار الأسد يستدين من الشعب.. هل ينجح في كبح نزيف الليرة وانهيار الاقتصاد؟

اقتصاد || أورينت نت- يحيى الحاج نعسان 2022-08-11 17:36:29

بشار الأسد يستدين من الشعب السوري
بشار الأسد يستدين من الشعب السوري

للمرة الثانية تطرح وزارة المالية في حكومة بشار الأسد سندات الخزينة العامة للبيع، في محاولة "يائسة" فيما يبدو لوقف الانهيار الاقتصادي وكبح نزيف الليرة السورية الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق بعد تجاوز عتبة الـ4 آلاف ليرة أمام الدولار الواحد.

وأعلنت أمس جريدة الوطن الموالية أن وزارة مالية أسد أنهت إجراءات المزاد الثاني للأوراق المالية الحكومية لعام 2022، للاكتتاب على سندات خزينة، بأجل سنتين، وبنطاق إصدار مستهدف بقيمة 300 مليار ليرة سورية، حيث تم المزاد يوم الإثنين 8/8/2022، بمشاركة 9 عارضين للاكتتاب على هذه السندات، من خلال تقديم 23 عرضاً.

وتلجأ الدول عادة لبيع سندات الخزينة أو ما يسمى الاستدانة الداخلية، لأحد سببين أو لكليهما معاً، إما من أجل تمويل مشاريع تنموية أو جمع كميات نقدية من العملة المحلية، من أجل تخفيض المعروض في الأسواق وبالتالي تحقيق نوع من الاستقرار في سعر الصرف.

ولكن أجمع العديد من الباحثين وخبراء الاقتصاد السوريين أن النظام لن يحقق أياً من الأمرين، وأن الاستدانة الداخلية التي طرحها، لا تعدو أن تكون محاولة يائسة لضبط الانهيار الاقتصادي أو وقف نزيف الليرة، هذا إذا كان يهدف بالأصل لذلك، وهو ما شكك به الخبراء وكشفوا عن أهداف أخرى أكثر واقعية تتناسب وعقلية النظام وظروفه المحلية والدولية.

خطوة فاشلة لكبح انهيار الاقتصاد والليرة

من وجهة نظر الباحث "خالد تركاوي" فإنه لا يمكن للنظام تحقيق أيّ من الأمرين المذكورين سابقاً لثلاثة أسباب، الأول يعود إلى أن المبلغ الذي تم جمعه هو 227 مليار ليرة سورية، (نحو 60 مليون دولار)، هو مبلغ لا يُغني ولا يُسمن من جوع بالنسبة لدولة، حتى إنه لا يشتري طائرة أو سفينة ولا يمكن أن يساهم بأي مشروع اقتصادي تنموي يكون له عائدات ذات تأثير واضح على الاقتصاد.

أما السبب الثاني فهو أن العروض المقدمة لشراء سندات الخزينة تُعَدّ قليلة جداً (23 عرضاً فقط)، ما يعني إحجاماً من قبل الشركات والمصارف الخاصة على الشراء، وهو ما وجدناه فعلاً، حيث إن الشراء رسا فقط على أربعة مصارف حكومية ومصرفين خاصين، وهما بشكل أو بآخر تابعان لحكومة أسد، أي إن الأموال التي طلبها نظام أسد أخذها فعلياً من نفسه، أي كمن نقل المال من جيبه الأيمن إلى جيبه الأيسر!.

ولا يفسِّر السبب الثالث، الذي ذكره تركاوي في اتصال هاتفي مع أورينت نت، وهو نسبة الفائدة المتدنّية على الاستدانة البالغة 8.4%، فشل النظام فقط في كبح جماح انهيار الليرة والاقتصاد، وإنما يكشف عن أن أهداف النظام ليست التنمية أو حتى المحافظة على استقرار الليرة، إذ كيف تكون الفائدة السنوية 8.4% على الأموال المجموعة بينما التضخم الشهري لدى نظام أسد أكثر من ذلك بكثير، ما يعني أن أحداً ما لن يشتري تلك السندات إن لم يُجبَر عليها.

قتل الشعب وليس تحسين معيشته

ويتفق الخبير الاقتصادي “فراس شعبو” مع معظم النقاط التي ذكرها تركاوي، مضيفاً أن النظام لجأ لهذه الخطوة وهو ما يسمّى “الاستدانة الداخلية” لتغطية العجز المالي الكبير لديه، ولعدم إمكانية الاستدانة الخارجية في ظل الظروف الحالية.

ويؤكد شعبو في تصريح لأورينت نت، أن إحجام أصحاب المصارف الخاصة والأفراد عن شراء سندات الحكومة هو بسبب الفائدة المتدنية، ويَعتقد أنه تم إجبار المصارف الستة (4 حكومية ، 2 خاصان) الذين رسا عليهم المزاد كما زعمت الصحيفة الموالية، على الشراء، ولولا ذلك لما كانوا أقدموا عليه.

ويشير شعبو  إلى أن الأهداف التي يسعى إليها النظام من وراء هذه الاستدانة ليس التنمية والإنتاج لأن المبالغ المجموعة قليلة نسبياً، وإنما يمكن أن تَصلُح لتمويل عمليات الأسد العسكرية ضد شعبه وقد تؤمّن رواتب المؤسسات الحكومية بالحدّ الأدنى، ما يعني أن الأموال المجموعة لن يكون لها أي انعكاس إيجابي على التنمية أو سعر الصرف.

إتاوة وليست استدانة

أما الدكتور "أسامة القاضي" فاعتبر أن مسألة طرح سندات الخزينة للبيع ليس من باب الاستدانة، وإنما هي إتاوة تُجبِر من خلالها ميليشيا أسد من تريد على الدفع، لسد العجز المالي الكبير، وأنها لن تعود على من يشتري السندات بالنفع كما يدّعي النظام بل بالعكس ستكون وبالاً عليه.

وهو ما عبّر عنه بشكل ساخر عبر منشور على صفحته في فيسبوك حين كتب: "مصرف سوريا المركزي" يعرض صفقة تاريخية! سندات الخزينة لمدة عامين... لنفرض صغَرت عقلك -حاشاك- واشتريت سند بمليار ليرة في (أغسطس2020) قيمتها 446 ألف دولار... تصبح قيمتها في (أغسطس 2022) وقت الاستحقاق 234 ألف دولار وهيك بتكون خسرت فقط 212 ألف دولار... العوض بسلامتك! حقاً فرصة لا تعوّض! طبعاً إنت وحظك ممكن تخسر أكثر".

وأضاف: "طبعاً سيلزموا البنوك الخاصة بشراء هذه السندات "المعجزة" مثل "الطفل المعجزة" فكل بنك بيخسر 200 ألف دولار كإتاوة للسماح له بالعمل في سوريا....أنا سوري...آه يا نيالي!".

حكومة أسد تعترف

وكان رئيس حكومة حكومة أسد حسين عرنوس اعترف قبل أيام بالحجم الحقيقي للأزمة الاقتصادية التي تعصف بنظام أسد ومناطق سيطرته، في وقت يعجز فيه النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون عن استدراك التدهور المستمر، خاصة مع خسارته لأهم الموارد الاقتصادية الأساسية للنفط والقمح.

وقال عرنوس في معرض رده على مداخلة فراس إبراهيم في ورشة (صناعة الدراما السورية): “كان عنا 385 ألف برميل باليوم، (ويقصد بـ"كان" قبل الثورة) وحالياً ما عنّا غير 18 ألف برميل، بينما احتياج سوريا 250 ألف برميل كنا نستهلكهم والباقي يدخل في الموازنة، لكن اليوم كامل الاحتياج نستورده بالقطع الأجنبي.. وليتر المازوت بكلّف حوالي 5 آلاف ليرة وعم نبيعه بـ 500 ليرة"، وكان إنتاجنا من القمح أكثر من 5 ملايين طن من القمح، واليوم رغم كل الجهود بالقسم الخاضع لسيطرتنا عنا 500 ألف طن واحتياجنا مليونين ونص طن.. في مليونين طن بدنا نستوردهم بالقطع الأجنبي، وكان سابقاً عنا 9500 ميغا كهربا، واليوم وصلنا لـ 2300 ميغا، شلون ما بدو يكون عنا مشكلة كهرباء؟".

ويعاني السوريون في مناطق سيطرة الأسد أزمات معيشية غير مسبوقة حيث تشهد جميع المواد الغذائية والتموينية والحاجيات الرئيسية للعيش ندرةً وغلاءً فاحشاً، ويأتي في مقدمة ذلك الخبز والنفط ومشتقاته والكهرباء، وسط مخاوف من مجاعة تضرب تلك المناطق بسبب الغلاء الجنوني في الأسعار وتفشي البطالة والتضخم الاقتصادي المرتبط بانهيار العملة المحلية، التي سجّلت اليوم 4.280 ليرة سورية أمام الدولار الواحد.

ويقابل نظام أسد وحكومته عواصف الغضب الشعبي وسيل الأزمات المتفاقمة بتصريحات “جوفاء” باتت مادة للسخرية من قبل الموالين على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما تصريحات زعيم الميليشيا بشار أسد الذي وعد مواليه في خطابه الأخير في حزيران الماضي "بمستقل أفضل" من خلال انتهاء جميع الأزمات وخاصة الكهرباء. 

لكن تلك التصريحات تُرجمت عكس ذلك على الواقع المعيشي وزيادة نسبة الأزمات وانكشاف كذب المسؤولين، في ظل فلتان أمني وارتفاع ملحوظ لمعدل الجرائم والسرقات وكذلك الفساد الحكومي، الأمر الذي دفع عشرات الآلاف للهجرة بكافة الوسائل هرباً من جحيم العيش في تلك المناطق.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات