مشواري مع الثورة والأدب-5 تجربة التعليم في المخيم والرجل الغامض يهددني بالمخابرات!

أورينت نت- ابتسام شاكوش 2022-04-26 06:59:34

مشواري مع الثورة والأدب

رجعتُ إلى تركيا. رجعت إلى المخيم، صارت لي خيمة مستقلة أضع فيها أشيائي. وما هي أشيائي؟ حقيبة صغيرة مثل حقائب تلاميذ المدارس تحتوي ملابسي ودفاتري وجهاز اللابتوب.

أنا ما اشتغلت في التعليم كثيراً، لكني عشتُ المرحلة الابتدائية قبل عصر الطلائع والشبيبة، أنا من جيل لم يعرف الصفقة الطلائعية، ولا هتف بالروح والدم لفداء أحد.  كان ذلك في مدينة حماة. كانت مدارسنا تختلف بكل شيء عما شاهدناه من بعد ما سمي بالحركة التصحيحية وأضافوا لها صفة (المجيدة)، تختلف في طرق التدريس وفي الإدارة، في العلاقة بين المعلمين والتلاميذ، بين التلاميذ مع بعضهم بإشراف الإدارة، بالطريقة التي يُنتخب فيها من كان يسمى بعريف الصف أو النائب. جئت إلى المخيم وفي ذهني صورة شديدة الوضوح عن تلك المرحلة، جئت لأحاول استعادتها وتفعيلها هنا على أرض المخيم.

في المخيم فريق مؤلف من عدد من المعلمات والمعلمين, كلهم أصحاب خبرات رائعة في مجال التعليم, كلهم من حملة الشهادات الجامعية, لديهم حس وطني رائع, ورغبة في النهوض بمستوى تعليم  الطلاب في المخيم, لكنهم لا يملكون الوسيلة، فلا يوجد كتب ولا قرطاسية إلا ما جلبه بعض النازحين في رحلتهم تلك. وهنالك أشخاص لا علاقة لهم بالتعليم، اشتغلوا به أملاً في الحصول على وظيفة, أو لتزجية أوقات الفراغ, أو... لإشباع ميلهم إلى السيطرة والقيادة، بينما زهد الكثيرون من حملة الشهادات والخبرات في العمل, لغياب الأجور.

الكل يبحث عن الحلول!

اجتمعت معهم في المدارس، وفي خيمتي وفي خيام بعضهم. الكل يبحث عن حلول، والكل يثنيه الوضع المالي المزري, إذ لا يملك معظمهم أجرة سيارة توصله إلى (رأس العين) البلدة الأقرب. اتفقنا على تشكيل هيئة تعمل بمثابة مديرية التربية في المخيم, الهيئة تشكلت من ستة أشخاص من حملة الشهادات الجامعية، ذوي خبرة في التعليم وفي الإدارة. اثنان من معلمي المدارس الابتدائية, واثنان من الإعدادية, واثنان من الثانوية, وأنا الشخص السابع, وبدأنا العمل.

كانت أولى المهمات هي ضبط الفوضى في المدارس التي تشكلت عشوائياً، بين هذا العدد الهائل من البشر القادمين من كل الشرائح السكانية في سورية؛ إذ قارب العدد ثلاثين ألف نسمة، من سكان المدن والقرى والعشوائيات ومن البدو أيضاً. المخيم مقسم إلى ثلاثة عشر من الأحياء، في كل حي مدرسة، ولكل مدرسة قوانينها الذي يفرضها المدير مع من يعملون معه.

مهمة الهيئة كانت إنشاء قاعدة بيانات للمدارس، وضبط الفوضى في العلاقات مع الإدارة التركية, لتنحصر العلاقة مع الإدارة بهذه الهيئة, ومتابعة أعمال المدارس والتفتيش على الصفوف، وتقدير كفاءة المعلمين من أجل استبعاد المزوِّرين للشهادات، ومن لا يحملون أية شهادة بل اشتغلوا في التعليم على أمل أن يجري (تثبيتهم) مثلما كان يحصل في سورية ما قبل الثورة، وهذا ما أشعل حروباً ضدنا.

اتحاد الكتاب الأحرار في الكويت يُنجدنا! 

حين كنت في القاهرة حضرت مؤتمراً لاتحاد الكتاب السوريين الأحرار, كان مقره الكويت, ومعظم مؤسسيه وأعضائه من المقيمين في الكويت، كانت الثورة في أكثر أيامها حرارة، وكان الجميع يعملون بإخلاص واثقين من النصر. عينهم على ما حصل في تونس وليبيا ومصر واليمن أيضاً، من سرعة زوال الطغاة بما يعطي الأمل بأننا سنكون مثلهم ونتخلص قريباً من الطاغية.

المعلمون في المخيم يعملون تطوعاً، معظمهم بليت ملابسهم، بليت أحذيتهم، رأيت البعض منهم يلبس برجله (شحاطة) إسفنجية كتلك التي تُستخدم في الحمامات, وقد انقطع جزء منها وصار يمشي بنصف قدم على الأرض.

أرسلتُ إلى اتحاد الكتاب الأحرار رسالة أعرض فيها الوضع, فسارعوا بجمع مبلغ من الأعضاء وحوّلوه لي. أخذتُ ثلاثة من المعلمين وذهبنا معاً إلى البنك, استلمنا المبلغ ووزعناه كاملاً على كل المعلمين والمستخدَمين في المدارس بالتساوي, كان هذا أول مبلغ يصل لأيدي المعلمين هناك, تلته مبالغ أخرى من هيئة علم، ومن الحكومة المؤقتة.

عرس انتخابي

كنا في الخمسين سنة الماضية نسمع بالعرس الانتخابي, نشاهد الزينات والأعلام, وصور المرشحين تملأ الجدران تعلوها صور الأب القائد أبو مئة اسم ولقب, فهو المعلم والعسكري والحداد والنجار وال... الأول طبعاً، ثم صرنا نجد صور الوريث في نفس مكان صور المورِّث, وكذلك نشهد عطلات في المدارس حيث ينشغل الطلاب بالدبكة والهتافات ومنهم من ينشغل في دوران حول المراكز الانتخابية حاملاً لأوراق فيها اسم من كلفه, أو قائمة (الجبهة الوطنية التقدمية) الفائزة طبعاً. لم يتغير أي شيء، وكنا نجد بموازاتها احتقاراً واستخفافاً من أفراد الشعب، ونفوراً من هذه الكذبة السمجة المكشوفة، أما حين يكون الانتخاب لـ (تجديد البيعة) فالأمر أدهى وأكثر مرارة.

في المخيم حصلت مشكلة تخص إدارة المدرسة الإعدادية.. استُبعد بنتيجتها المدير، وتوجّب علينا اختيار مدير جديد. الصورة واضحة في مخيلتي, لا يعرفها زملائي وهم جميعاً أصغر مني سناً, اقترحت عليهم إجراء انتخاب كذلك الذي كنا نجريه في المدرسة الابتدائية لاختيار عريف الصف. شرحت لهم التفاصيل فوافقوا على الفور, شكلت اللجنة الانتخابية من ثلاثة أشخاص, اجتمع  المعلمون, وطلبنا ممن يرشح نفسه للإدارة أن يكتب اسمه على اللوح, وزعنا أوراقاً صغيرة, فليكتب كل واحد منكم الاسم الذي يراه مناسباً للإدارة,  جُمعت الأوراق, وعلى اللوح شخص رابع يكتب الأصوات التي حصل عليها كل اسم, وشخص يقرأ الأوراق الصغيرة تحت مراقبة شخصين آخرين, ثم يرميها في العلبة أمامه... وهكذا.. من حصل على أعلى الأصوات صار مديراً, الثاني صار نائباً له, انتهى الانتخاب ولم نجد اعتراضاً من أحد.

تواصلنا مع هيئة علم، ومع وزارة التربية في الحكومة المؤقتة، فأرسلوا لنا مشكورين كميات من الكتب تكاد تغطي احتياجنا، كما أرسلوا مبالغ صغيرة من المال وزعوها على المعلمين  بالتساوي. تنبهت الإدارة التركية للمخيم فراحت ترسل بالدفاتر والأقلام للمدارس، عبر منظمة الهلال الأحمر التركي واليونيسيف.

مدير مدرسة برتبة مخبر!

من طرائف ما حصل معنا، مدير المدرسة الإعدادية عرّف عن نفسه بأنه على صلة بالمخابرات.. لا ندري أية مخابرات، وقد أحاط نفسه بحاشية من أقاربه، معظمهم أمّي لا يعرف باب المدرسة. كانت مهمة أحدهم (مراقب دوام) يرتدي القميص الأبيض وربطة العنق ويحمل حقيبة السمسونايت، يمشي بها وراء السيد المدير. قبل تشكيل الهيئة لمحني أدخل المدرسة، استدعاني إلى غرفة إدارته فذهبت. تفضل ماذا تريد؟ قال: لا تظني أنك تخرجين خطوة واحدة من خيمتك إلا تحت المراقبة، أجبتُه:

"مراقبة من؟ لمن تعطي تقاريرك؟ مخابرات الأسد؟ نحن في ثورة.. نزعنا عنا الخوف ونحن في بلد تكفّل بحمايتنا، أما اذا كنت تقصد المخابرات التركية، فاعلم أن الحكومة التي  تطوعت لحمايتنا لن تخيفنا ما دمنا لا نخالف قوانينها". 

وما هو إلا وقت قصير، ولسبب ما تم إبعاده عن المدارس من قبل السلطات التركية، وتحذيره من الاقتراب من أية مدرسة.

التعليقات