الولايات المتحدة "الإسلامية" الأمريكية

الولايات المتحدة "الإسلامية" الأمريكية
بحرفية عالية، وقوة شخصية ،استطاع الملياردير الجمهوري "دونالد ترامب" أن يجذب الأنظار إليه، عبر تصريحاته العنصرية ضد المسلمين بشكل عام، دون التفريق بين مسلمٍ وآخر، وطالب بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لأنهم يشكلون خطراً على الأمن القومي الأمريكي، خاصة بعد هجمات كاليفورنيا الأخيرة، التي نفّذها زوجان يعتقد بانتمائهما لتنظيم "داعش"؛هذا الرجل، لديه حظوظ كبيرة لانتزاع ورقة ترشيح الحزب الجمهوري، لدخول سباق الرئاسة الأمريكية، بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، التي تتنبأ بتفوقه بنسبة 59% ،إلا أن انتقادات (البيت الأبيض) لتصريحاته، والانتقادات في المجتمع الأمريكي، التي وصلت إلى حدّ تضامن المؤسس والرئيس التنفيذي لموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، اليهودي الأمريكي "مارك زوكربرغ"، بالإضافة إلى تضامن "ساندر بيتشاي" الرئيس التنفيذي لشركة محرك البحث الأشهر عالميا "غوغل"؛ هذا التضامن غير المسبوق، جعل من ترامب شخصية منبوذة في المجتمعات التي تدافع عن حقوق الإنسان، وهو ما دفع بعض الشركات العربية لمقاطعة منتجات شركات ترامب، ووصلت الأمور إلى حدّ الخلاف الشديدة بين "دونالد ترامب" والأمير السعودي ورجل الأعمال "الوليد بن طلال".

على الرغم من عنصرية تصريحات دونالد ترامب، إلا أن البيت الأبيض الأمريكي اعتبر أن داعش لا تمثل الإسلام، في مسعى إلى جلب الناخب الأمريكي المسلم إلى تأييد الحزب الديمقراطي، الذي تنتمي إليه الإدارة الحالية، وتأييد المسلمين للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب من الجهة الأخرى، وهو ما سيجعل حظوظ الحزب الديمقراطي كبيرة في البقاء قائداً للولايات المتحدة، فيما لو كان المنافس الجمهوري رجلاً عنصرياً مثل ترامب،وهو ما تعمل عليه هذه الإدارة، خاصة وإن الحزب الجمهوري يحاول إبعاد هذا الرجل عن اعتماده مرشحا للحزب، إلا أن هذا لن يمنعه من دخول السباق مستقلاً، وسرقة أصوات مؤيديه ،الذين هم جمهور الحزب الجمهوري، وهذا ما سيجعل الديمقراطيين في أحسن حالاتهم.

لكن، ماذا لو كان ترامب عبارة عن  بالون اختبار للرأي العام الأمريكي، الذي بدا أنه فعلياً ليس في أفضل حالاته مع حرية الرأي، والاعتقاد الديني؟ والمتابع لسير الحملات يرى أن المرشح "جيب بوش" الذي تقول استطلاعات الرأي أن حظوظه في الفوز بورقة الترشح عن الحزب الجمهوري، تكاد تكون معدومة، غير أنه بدا من الواضح اختباء "بوش" خلف تصريحات ترامب العنصري، ليكون هو الحصان الأسود للفوز بالبيت الأبيض، والتخلص من رجل عنصري قد يبعد الحزب عنه أربع سنوات أخرى على الأقل، وهو ما يمكن تسميته بالسابقة، إذ لم يسبق أن ابتعد أي حزب من الحزبين التقليديين مدة ثلاث دورات متتالية عن البيت الأبيض، على الأقل، منذ نهاية الحرب الباردة.

يسود اعتقاد كبير بين كل المراقبين،حول تردّد إدارة أوباما للصراع الشرق أوسطي، وعدم حسم القضايا المتعددة في سوريا، والعراق، و"داعش" ومصير النظام السوري، باستثناء ملف إيران النووي الذي يعتبر إنجازاً للإدارة في دورتها الثانية، كما في دورتها الأولى، بعد القضاء على زعيم تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن"، الذي بدأت بعض التقارير تشكك في قصة مقتله أصلاً،غير أن إدارة أوباما حاولت، وبشكل كبير، الابتعاد عن الخوض في أي حرب قد تجعل أمريكا تخسر انتعاشها الاقتصادي مؤخراً، أو في أفضل الأحوال أن يتوقف. لذلك، ومنذ بداية حكم أوباما، سحب كل قواته من العراق، ومعظمها من أفغانستان، للابتعاد عن وحول الشرق الأوسط.

الجميع بات يعلم أن المسألة السورية ليست من الأولويات لدى البيت الأبيض الأمريكي، وهذا التردد الذي أصابها بسبب تضارب تقارير استخباراتية - بحسب توصيفات بعض المراقبين -واكتفت بالتصريحات السياسية وحدها، ودعم بعض الحلفاء الذين يدعمون الثورة السورية، مع وضع "فيتو"على أي توريد للأسلحة الفتاكة، التي قد تقلب الموازين، وتنتهي بانتصار المعارضة على النظام، مما قد يشكل خللاً، لا تريده في الوقت الحالي ضمن ما يسمى بـ"أمن إسرائيل"، والبحث عن بديل واقعي، توافق عليه إسرائيل. ولعلّ ظهور "داعش"، والتي يرجّح بعض المراقبين أنها صناعة أمريكية، فيما يقول البعض أنها من صنع النظام السوري، بتمويل إيراني، وتخطيط روسي، لقلب المفاهيم، واعتبار أنّ ما يحدث في سوريا هو حرب على الإرهاب، ما أجبر الولايات المتحدة على تشكيل تحالف دولي، ينفّذ ضرباتٍ جوية، مع العلم المسبق لدى الإدارة،أن هذه الضربات الجوية لن تفيد كثيراً في إنهاء داعش.

بدا واضحا أن الولايات المتحدة لا تريد أن ترسل قوات برية أمريكية، كما حدث في العراق، وأفغانستان، ضمن سياسة النأي بالنفس عن أي صراع، فكان لابد من الضغط على تركيا، ودعم عدوها اللّدود "قوات حماية الشعب الكردية"، التي تعتبرها تركيا الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنّف على أنه منظمة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة، غير أنّ طلبات تركيا كانت أكبر من الطموحات الأمريكية، ومن بينها المنطقة الآمنة، التي تعتبرها الولايات المتحدة نقطة تفوق لقوات المعارضة، لا تريدها في الوقت الحالي، ضمن سياسة الحل السلمي في سوريا، ما أعاد الولايات المتحدة إلى التصريحات السياسية، والمبادرات العديدة التي تؤكد أنها لا تريد حلاً، بقدر ما هي تريد إدارة الصراع بطريقة "الوكالة".

في لقاء تلفزيوني، جمع السيناتورين الأمريكيين "جون ماكين" المرشح السابق للرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري، و"ليندسي غراهام" أحد المرشحين للفوز بورقة ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة، على اعتباره صاحب باع طويل في مسائل الأمن القومي، والذي قال يومها صراحة، وبدون قيود القضاء على تنظيم داعش يجب أن يكون بقوات برية عربية وإسلامية "سنّية") وهو ما فسّر استبعاد الحشد الشعبي الشيعي في العراق من أي تحالف دولي بري للقضاء على داعش، وبالتالي إيصال رسالة مفادها أن إيران غير مرغوب بها لدى (ماكين - غراهام)، في الوقت ذاته كانت تصريحات وزير خارجية السعودية "عادل الجبير" المكررة حول أنه على الأسد التخلي عن السلطة، إما بالحلول السياسية آو العسكرية .

أخيراً، استطاعت المملكة العربية السعودية أن تشكل حلفاً عسكرياً لقوات برية من 34 دولة إسلامية، وباستثناء تركيا، تعتبر هذه الدول خارج أي اعتبارات في القوة العسكرية، وهو ما يمكن تسميته بالمليشيات السنّية، تحت رايات دول أعضاء في الأمم المتحدة، أي ليست كتلك المليشيات الشيعية التي تقاتل تحت رايات طائفية، ولعل هذا التحالف هو ما كان  (ماكين - غراهام) يشيران إليه في حديثهما عن قتال داعش، لتكون الحرب إسلامية – إسلامية، وتحييّد روسيا عن المشهد، بعد التصريحات عن الحرب المقدسة، واعتبارها حرباً صليبية جديدة .

نجحت إدارة أوباما  في محاربة تنظيم داعش، بعد سنوات من القتال بين التنظيم وفصائل المعارضة، واستطاعت قيادة تحالف دولي إسلامي، دون أن يراق دم أي جندي أمريكي في سوريا، أو تضطرّ إلى دفع تكاليف بشرية، ومالية كبيرة، ليكون النصر لإدارة أوباما قبل رحيلها، ودخول الرئيس الجديد الى البيت الأبيض، الذي ربما يكون جمهورياً، لأن الأدوار مقسّمة بطريقة واضحة: الرفاهية الأمريكية من صناعة الديمقراطيين، وتعزيز قوة وهيمنة الولايات المتحدة من مهمة الجمهوريين.

 بقليل من التمعّن نلاحظ أن بدء تشكيل التحالف، يأتي قبل عام تماماً من تغيير الشعار الحزبي داخل البيت الأبيض، من الحمار للفيل، أو حتى لو بقي شعار الحمار، فلن يغيّر في الإستراتيجية شيئاً، لأن المعركة قد بدأت لإعادة الشرق الأوسط من جديد للحظيرة الأمريكية، من خلال الضرب بيد من حديد، وعودة هيمنة الولايات المتحدة، بعد أن تكون روسيا قد استنفذت اقتصادها، الذي يعاني من عجز وصل إلى 3 %، بحسب تقديرات روسية رسمية، أي أن الاقتصاد الروسي بدأ يأكل نفسه، وأمريكا تقود العالم مرة أخرى، عبر قوات إسلامية لقتال "الدولة الإسلامية"، مع تأكيدها عبر وزير خارجيتها "جون كيري"، بعد لقاء الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" أن الولايات المتحدة متفقة في وجهة النظر مع روسيا، ولا تسعى لتغيير النظام في سوريا،فهل ستتحول أمريكا إلى "الولايات المتحدة الأمريكية الإسلامية"مهمتها قتال داعش؟!! وهل يعوّض "دونالد ترامب" عن خسائره الكبيرة بعد الحملة العنصرية لتثبيت التحالف الإسلامي بالقيادة الأمريكية؟!

التعليقات (4)

    KK

    ·منذ 8 سنوات 6 أشهر
    You are really good man I would say you are right

    محمد الغريبي

    ·منذ 8 سنوات 6 أشهر
    الله اكبر العزة لله وحده

    محمد الغريبي

    ·منذ 8 سنوات 6 أشهر
    الله اكبر العزة لله وحده

    محمد الغريبي

    ·منذ 8 سنوات 6 أشهر
    الله اكبر العزة لله وحده
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات