القاذفات الاستراتيجية الروسية و الدفاع الجوي للجيش الحر

 القاذفات الاستراتيجية الروسية و الدفاع الجوي للجيش الحر
خمسة أعوام من القتال ولا تزال مشكلة مضادات الطائرات هي المعضلة الأساسية للثوار، حيث شكلت هذه النقطة ورقة قوى لدى النظام الذي مُنع عن معارضيه بكافة أشكالهم الحصول على مضادات  طائرات فعالة. فبنتيجة الخبرة المكتسبة لدى طياريه ومحدودية مدى وسائط الدفاع الجوي لدى الثوار، استطاع النظام الحفاظ على طائراته فاعلة واستمر باستخدامها حتى الآن. وهي تنفذ طلعات القصف من ارتفاعات تتجاوزالأربعة كيلومترات بالنسبة للطائرات المروحية، أما النفاثة فعملت من ارتفاعات مشابهة، أو باستخدام تقنية الضربات الخاطفة، حيث تهجم الطائرة وتنقض وتضرب هدفاً واحداً ثم تهرب وهكذا دواليك. فالسيطرة الجوية  شكلت النقطة الأساسية في قوة النظام، لتأتي الطائرات روسيا و تزيد الوضع تعقيداً .

وقد طبقت الطائرات الروسية نفس أسلوب طائرات النظام، فحافظت طائراتها القاذفة على القصف من ارتفاعات أكثر من خمسة كيلومترات، وهاجمت مروحياتها من ارتفاعات لا تتجاوز المائة متر، في محاولات لتجنب أي وسائل دفاع جوي لدى الثوار. لتأتي المرحلة الأخيرة التي ظهرت فيها القاذفات الاستراتيجية الروسية الموروثة بمجملها من العهد السوفيتي، والتي زادت الأمر تعقيداً وصعوبة .

قاذفات استراتيجية <1>:

بعد قاذفاتها التكتيكية التي عاثت خراباً في المناطق المحرر أرسلت روسيا أحد أكثر أسلحتها أهمية، والذي لم يسجل له أي استخدام سابقاً .

فقاذفاتها الاستراتيجية أعدت لتدخل حرباً نووية، ولتمسح بقنابلها وصواريخها مدناً كاملة من على الخريطة، لكنها الآن تقصف القفار والجبال السورية بقنابل أقدم منها .

حتى نستوعب أهمية هذه القاذفات ودورها الاستراتيجي يجب أن نعرف أن روسيا ترسل قاذفاتها الاستراتيجية عبر طريقين، الطريق الأول يعرفه الجميع وهو مروراً بإيران فالعراق فسوريا <2>.

لكن الطريق الثاني والذي لا يمكن اعتبار إرسال هذه القاذفات عبره سوى استعراضا للعضلات، فهو يمر بالمحيط المتجمد الشمالي ثم المحيط الأطلسي بالقرب من بريطانيا ثم مضيق جبل طارق ثم البحر المتوسط ثم سوريا .

لتقطع القاذفة آلاف الكيلومترات لتقصف سفح جبل خالي من أي شكل للقوة العسكرية، وربما تسقط قنابلها الصماء بالقرب من مجموعة من الثوار لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد<3> .

فالرغبة الروسية بتحصيل نتيجة بسرعة واستعادة هيبتها عالمياً، دفعتها لتكثيف ضرباتها الجوية والزج بقاذفاتها الاستراتيجية وصواريخها الطوفة، معتمدة على العامل النفسي إضافة للعامل التدميري للقنابل والصواريخ التي تلقيها .

حيث تأتي المعضلة الناجمة عن استخدام روسيا لقاذفاتها الاستراتيجية في الارتفاع الكبير لطيرانها، فهي قادرة على إلقاء حمولاتها من ارتفاعات تصل حتى عشرة كيلومترات (بالنسبة للقنابل الغير موجهة)، ما يجعلها خارج مدى أي سلاح لدى الثوار.

عدا عن تجهيزها بمجموعة من منظومات التشويش على الصواريخ سواء الموجهة حراريا أو رادارياً .

 والتي تنبه من الإقفال الراداري على القاذفة، إضافة لتحذير الطائرة عند إطلاق الصواريخ الموجهة حرارياً تجاهها، وإطلاق الإجراءات المضادة مختلفة الأشكال، ما يعقد عملية استهدافها لحد كبير .

صواريخ محمولة على الكتف :

جميع الأسلحة المضادة للطائرات لدى الثوار ليس لديها القدرة على الوصول لهذه القاذفات خلال طيرانها، ما يجعلها غير فعالة تجاهها إطلاقاً .

 لايزال قسم كبير من السوريين يحلم "بالستنغر" الأمريكي كمخلص من طائرات روسيا، وأنه سيضع حداً لها كما فعل في افغانستان .

لكن معظم السوريين لا يعرفون أن "الستنغر" نفسه لم يسقط سوى نصف عدد الطائرات التي أسقطت في افغانستان، والباقي اشتركت فيه كل أشكال الأسلحة التي يمكن اطلاقها على الطائرات، بداية بالبنادق مروراً بالصواريخ المضادة للطائرات سوفيتية الصنع ستريلا و إيغلا، وصولاً لقواذف RPG-7 المضادة للدبابات. 

إضافة لدور البيئة الجبلية التي سمحت بإطلاق هذه الأسلحة من ارتفاعات عالية، والتي تفتقرها سوريا في الكثير من المناطق .

مشكلة "ستنغر" الأساسية هي الارتفاع الأقصى الذي يمكن أن يصيب الطائرة عليه، والذي لا يتجاوز الأربع كيلومترات، والذي غالباً ما تتجاوزه الطائرات المغيرة في سوريا على اختلاف أنواعها، فقد كانت الطائرة الروسية عندما أسقطتها تركيا على ارتفاع ست كيلومترات.

إضافة لاستحالة استخدامه في محيط القاعدة العسكرية الروسية ضد الطائرات الروسية خلال إقلاعها أو هبوطها، بسبب النطاق الأمني وطبيعة التوزع الديموغرافي الموالي بشدة للنظام حول محيط القاعدة .

ما يجعل "ستنغر" ومعظم المنظومات المضادة للطائرات المشابهة على اختلاف مصادرها غير فعالة في الحالة السورية، سواء ضد القاذفات الاستراتيجية وحتى القاذفات التكتيكية .

منظومات دفاع جوي متوسطة المدى <4>:

تواترت مؤخراً بعض التسريبات (غير المعروف مدى صحتها) عن نية السعودية وقطر كسر حالة الجمود والسيطرة الجوية لجيش النظام، عبر شراء منظومة دفاع جوي متوسطة المدى من أوكرانيا، تعتبر نسخة معدلة من "سام3- بيتشتور" المشهورة و التي تتميز بكونها قابلة للتنقل و ليست ثابتة.

بعض النظر عن صعوبة وصول مثل هذه المنظومات للثوار و العوائق الكبيرة على وصولها، وحتى الاعتراضات التي ستحصل من جميع الدول التي لديها طائرات نشطة في فوق سوريا، لكنها تعتبر ذات فائدة عظيمة جداً وقد تصل إلى حد تخفيض الطلعات الجوية للحد الأدنى أو حتى إيقافها ضد المناطق المغطاة بهذه المنظومة .

مواصفات المنظومة ككل تجعلها تحقق المتطلبات الأساسية التي يحتاجها الثوار لكسر حالة السيطرة الجوية لجيش النظام و للطائرات الروسية، وسيؤثر إسقاط عدد من الطائرات و انخفاض الدعم الجوي المقدم لقوات الأسد على قدرة قواته ومعنوياتها ويؤدي لخسارتها مناطق واسعة.

هذه المنظومة ضخمة الحجم ومكونة من عدد من العربات ويسهل تحديد موقعها وتدميرها سواء بالصواريخ المضادة للرادارات عند تشغيل راداراتها، أو بالقنابل والصواريخ الموجهة تلفزيوناً عند تحديد موقعها أو ثباتها في موقعها لعدة ساعات، بسبب كثافة طلعات الاستطلاع سواء المسيرة أو المأهولة التي تؤديها الطائرات الروسية و النظام .

لكن يمكن عند وجود أطقم ذات خبرة ومدربة بشكل جيد العمل عليها بطريقة تخفض احتمالية اكتشافها، كتخفيض عدد العربات المنشورة للحد الأدنى و الاكتفاء بعربة اطلاق صواريخ واحدة ورادار توجيه المقذوفات مموهاً للحد الأعلى واستخدام وحدة التسديد البصرية .

فبحكم وجود وحدة تتبع وتسديد بصرية عاملة باستخدام كاميرا، يمكن لهذه المنظومة أن تعمل بدون استخدام رادار الاستطلاع و التتبع ما سيخفض احتمالية الكشف للحد الأدنى .

إضافة لأسلوب الاستخدام المشابه للكمائن، الذي يفترض أن تضرب البطارية صواريخها ثم تغادر المنطقة أو تتخذ مستراً مموهاً جيداً .

المنظومة التي حدثت التسريبات حولها قد لا تكون  الأكثر فعالية للحالة السورية، لكنها تقدم الكثير خصوصاً إذا استخدمت من قبل عناصر ذوي خبرة جيدة، فهناك عدة أنواع و منظومات تستطيع تقديم أداء أفضل للثوار، وبخاصة العربات المدمجة التي تحتوي كامل أجزاء المنظومة، كعربات "بنتسير" بأنواعها .

فإضافة للمدى تعتبر القدرة على التمويه و الهرب أو الاختباء عاملاً مهماً في الحالة السورية، بحكم كثافة الطلعات الجوية الروسية ولطائرات النظام، واعتبار منظومات الدفاع الجوي هي الهدف الأكثر أهمية.

مدفعية مضادة للطائرات :

احتمالية وصول منظومات صاروخية مضادة للطائرات تكاد تكون شبه معدومة، وبخاصة أنها تشكل تهديداً لطائرات التحالف النشطة في الأجواء السورية .

لكن هناك منظومات دفاع جوي مختلفة تعود في أساسها و نشأتها للحرب العالمية الثانية لكنها لاتزال فعالة، و يمكن الحصول عليها من عدة مصادر .

 فالمدفعية المضادة للطائرات ذات العيارات التي تتجاوز 75 مم قد تكون فعالة في الحالة السورية، بمختلف أنواعها ومصادرها سواء السوفيتية أو الغربية والتي خدمت في الكثير من جيوش المنطقة، ولاتزال موجودة في الخدمة أو المستودعات للكثير من جيوش المنطقة و العالم .

مثلاً المدفع السوفيتي عيار 100 ملم المضاد للطائرات، والذي كان في الخدمة في الجيش السوري ثم نسق ثم عاد النظام لاستخدامه بدورمدفع ميداني (يمكن استخدام المدفع في الدورين ).

يمكن لهذا المدفع الرماية على أهداف تبلغ ارتفاعاتها حتى 12 إلى 15 كم (حسب نوع الصاعق )، ما يعني أنه قادر على التسبب بمضايقة كبيرة لجميع أنواع الطائرات الموجودة لدى روسيا حتى قاذفتها الاستراتيجية (عند إلقائها القنابل ) بحكم أن معظم أنواع قنابلها لا يمكن إلقائها من ارتفاعات تتجاوز 10 كم .

 

المشكلة الأساسية التي تبرز مع هذه المدافع هي الحاجة لكم كبير من الذخيرة لتحقيق إصابات فعالة بحكم الرمايات غير الموجهة وسرعة الطائرات الكبيرة، ما يضيف صعوبة كبيرة لاستخدامها وتأمين استمرارية عملها .

كلتا المنظومتين المذكورتين سابقاً لن تكون هناك مشكلة في الحصول عليهما أو حتى تسليمها للثوار، وتدريبهم عليها سهل بسبب وجود كم كبير من الضباط و العناصر المنشقين المختصين بنفس المنظومات أو منظومات مشابهة، الذين لن ينقصهم سوى وضع استراتيجية محددة وخطط تحتوي تكتيكات تتناسب مع الحالة السورية الشديدة التعقيد لاستخدام هذه المنظومات .

خلاصة <5>:

إسقاط الطائرة الروسية مؤخراً بصاروخ يعتبر من أقدم أنواع الصواريخ المضادة للطائرات المستخدمة على طائرة غربية، يكشف الكثير عن حقيقة قدرات الطائرات الروسية على التعامل مع الصواريخ المضادة للطائرات، سواء جو-جو أو أرض جو، ووصول أي منظومة دفاع جوي بمدى شاقولي يفوق العشرة كيلومترات، ومدى أفقي بحدود عشرين كيلومتر سيؤثر كثيراً على مجريات الحرب السورية بشكل جذري، فغياب الدعم الجوي عن النظام السوري في أي منطقة تعني اندحار قواته فيها وخروجها عن سيطرته.

فعلى الرغم من صعوبة الأمر وشبه استحالته، لكن قد تكون هناك رغبة من بعض الأطراف الدولية بتمرير الحد الأدنى من منظومات الدفاع الجوي ليد بعض الفصائل العسكرية، لسبب يتعلق بإحراج روسيا تقنياً وعسكرياً واستدراجها أكثر للمستنقع السوري، بإسقاط عدد من طائراتها الأحدث التي نشرتها في مطار حميميم.

هوامش :

<1> قد تغيب عن أذهاننا الحالة المرتبطة باستخدام القاذفات الاستراتيجية الروسية، فهذه القاذفات في موروثات الحرب الباردة في العقلية الأوربية سواء السياسية أو عقلية المواطن العادي مرتبطة بالحرب النووية والدمار الشامل الذي تحدثه بصواريخها النووية، لذلك يعتبر استخدامها في سوريا استعراضاً للعضلات عالي المستوى وغير مسبوق .

<2> ترسل روسيا قاذفاتها عبر الطريق الثاني مروراً بمعظم دول الناتو، وخصوصاً القاعدة البريطانية في مضيق جبل طارق وغيرها من القواعد العسكرية في استعراض للقوة، حيث سجل إلقاء قنابل (غير موجهة) وصواريخ طوافة من هذه القاذفات .

<3>من وجهة نظر عسكرية و اقتصادية الضربات الروسية الحالية بالقاذفات الاستراتيجية تعتبر هدراً للموارد، فمداها الكبير واستهلاكها العالي إضافة لضعف حمولتها من الذخائر التقليدية يجعل استخدامها عبئاً وخسارة على عدة مستويات .

 ففعلياً لا تتجاوز حمولتها حمولة طائرتين قاذفتين من المنشورة في حميميم حيث تبلغ حمولة توبول 22 بحدود 9 طن و حمولة توبول 95 بحدود 15 طناً، في حين تبلغ حمولة توبول 160 بحدود 40 طناً(هذه النوعية تستخدم أساساً لإلقاء الصواريخ الطوافة)، في حين تبلغ حمولة سوخوي 34 بحدود 12 طناً.

 لكن المدى الكبير جداً وطبيعة الدور الأساسي المتمثل بالضربة النووية سواء الأولية أو الانتقامية يميز هذه الطائرات .

<4>سام -3 :

منظومة دفاع جوي متوسطة المدى سوفيتية الصنع، استخدمت قبلاً في الكثير من الحروب، يبلغ مداها الأفقي 25 كم و مداها الشاقولي 18 كم، ما يجعلها مناسبة لاستهداف جميع الطائرات الروسية المنشورة في سوريا، و حتى القاذفات الاستراتيجية .

النسخة الأوكرانية التي تحدثت عنها التسريبات تعتبر الأحدث، و أحد أهم ميزاتها أن الصواريخ تطلق من عربة و ليس من قاعدة ثابتة .

<5>تاريخياً أُسقطت عدة قاذفات استراتيجية من نوع توبول 22، معظمها أُسقط بصواريخ جو-جو خلال الحرب العراقية الإيرانية، ويعتقد بإسقاط قاذفة ليبية بنيران مدفع مضاد للطائرات أثناء طيرانها على ارتفاع منخفض في تشاد، إضافة لإسقاط قاذفة روسية بصاروخ أرض- جو خلال حرب جورجيا 2008 .

التعليقات (1)

    مصطفى هاشم

    ·منذ 8 سنوات 4 أشهر
    ليس من باب اليأس ولكن. وما رميت ولكن الله رمى ليس لنا سوى الله. لقد تكالبت علينا الأمم وهي مكمله حتى الآخر والعلم عند الله
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات