المتطرفون السنة

تاريخ النشر: 2015-11-01 06:26
قد لا نجد موضوعا مثيراً للجدل في عصرنا هذا أكثر من مسألة التطرف والإرهاب السني تحديداً، إذ ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001، بدأ هذا الموضوع يطفو على السطح حتى بات الناظم للعديد من السياسات الحكومية والاستراتيجيات الأمنية والعسكرية والشغل الشاغل للإعلام بشتى أنواعه.

كثرت الآراء والتحليلات التي جعلت من الأمر "ظاهرة" باتت شماعة تعلق عليها ممارسات الأنظمة المستبدة بحق الشعوب، وسلاحاً بيد الدول الكبرى تلوح به في وجه من يرفض السير في فلكها وتنفيذ إملاءاتها، بل إن الأمر قد تعدى ذلك حتى بات وسيلة تزيف بها الأحداث والحقائق، فتهضم بها الحقوق وتحول المظلوم إلى ظالم والضحية إلى جلاد. 

هناك نظرة يتبناها الغرب المسيحي المتصهين وغلاة الشيعة والنصيرية الذين يدعون الإسلام شكلاً ويعادونه عقيدة ومنهجاً، فيتهمون الفكر الوهابي بالكراهية والتكفير من غير بصيرة ولا كتاب منير، فالمنصف الذي يراجع ما كتبه محمد بن عبد الوهاب لن يجد فيه ما يخالف مبادئ الاسلام السمحة الأساسية التي تدعو للتوحيد وتجنب الشرك بالله، وهو لم يأت بجديد لكنه لخص وبسط وشرح أمورا أجمع عليها عامة المسلمين.

المتتبع للأوضاع السياسية للعالم العربي ومنذ انهيار الخلافة العثمانية وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين وحتى أواخر السبعينات من القرن الماضي، سيلاحظ تنامي القومية العربية التي حيدت الإسلام وحاربت التوجهات الدينية لأنها اعتبرت الدين سبباً لتخلف الأمة وتفككها، فانعكست مبادئ التيار القومي على أغلب مظاهر الحياة في المجتمعات العربية من فن ومسرح وسينما وإعلام وصولاً إلى السياسة وأنظمة الحكم التي اعتلى سدتها القوميون العسكر، كما حدث في العراق وسورية ومصر والجزائر وغيرها.
البداية كانت من أفغانستان فقد لعب الغرب على ورقة الدين حيث أطلق العنان لأنظمة المنطقة ومؤسساتها المدنية والدينية عربية وغيرعربية، فحرضت على الجهاد المقدس ضد الشيوعية الكافرة التي تحتل بلداً إسلاميا هو أفغانستان، مما زجّ بالشباب المسلم في آتون حرب لم تكن حربهم، فقاتلوا نيابة عن الغرب الذي لم يرد الدخول في حرب مباشرة ضد السوفييت، لأنها قد تورطهم في حرب عالمية مدمرة.

 لم يكن يدور في خلد الكثير من الزعماء وهم يدعون للجهاد في أفغانستان أنهم فتحوا الباب لخلق مفهوم جديد للنضال لدى الشباب العربي المسلم الذي رضع الذل والمهانة منذ اتفاقية سايكس وبيكو وأمضى بعدها عقوداً مخدراً بشعارات قومية زائفة.
الولايات المتحدة الأمريكية التي نادت بأعلى صوتها مطالبة بتحرير الشعب الأفغاني المظلوم هي نفسها التي شنت على نفس الشعب حربا ظالمة، فألقت بآلاف الأطنان من القنابل على المجاهدين الذين كانت تدعمهم قبل عقد من الزمن وتمدهم بصواريخ ستنغر، ثم كان الإجتياح وأسر المئات منهم وإرسالهم مكبلين بالأصفاد الى معتقل غوانتنامو سيئ الصيت، ثم وبحجج كاذبة واهية أُلحقت العراق بأفغانستان، فدمرت ما بقي منه بعد عقدين من الحصار والتجويع الذي راح ضحيته مليونا عراقي نصفهم من الأطفال، لتسلمه بعد ذلك لقمة سائغة لإيران وميليشياتها الطائفية التي قتلت وسجنت وهجرت على الهوية في محاولة لتغيير ديموغرافية هذا البلد العربي المسلم وصولاً إلى فرسنته.

سلخ العراق عن محيطه العربي والإسلامي ليدخل في عباءة ملالي إيران التي شرذمته وأخرجته من معادلة القوة بين العرب والكيان الصهيوني الذي استفاد من حالة التشرذم العربي، فزاد من وتيرة عربدته ضد الفلسطينيين من خلال سلسلة حروب مدمرة ضد قطاع غزة، الذي حاصروه وجعلوه ميداناً يجربون فيه أسلحتهم الفتاكة ويدربون فيه جنودهم على خوض الحروب، ثم يخرج علينا سياسيون غربيون وآخرون عرب ليتهموا الفلسطينيين بالإرهاب ويحملونهم مسؤولية الحروب التي يشنها الكيان الغاصب.
ثم، ولكي يكتمل المشهد السوداوي، جاءت مأساة الشعب السوري المسلم على يد حاكم طائفي عنصري باع والده الجولان لليهود مقابل الكرسي ليفعل ما لم يفعله مجرم على مر التاريخ، فأهلك الحرث والنسل، قتل وهجر ودمر على مدى خمس سنين، على مرآى ومسمع العالم الذي لم يحرك ساكناً ولم يقدم الحماية للشعب السوري الأعزل، بل منع عنه السلاح وأمعن في شرذمة المعارضة والفصائل المقاتلة، فسمح للمجرم أن ينفذ شعار الأسد أو نحرق البلد، فهل هذه هي الحرية والحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتغنى بها الغرب صبح مساء؟ 

لو تأملنا التاريخ قليلاً لوجدنا أن المستعمر لم ولن يسمح بقيام أي شكل من أشكال الحكم الإسلامي ولا حتى الديمقراطي، لأن ذلك يعني خروج هذه الدول من عباءته وشقها لعصى الطاعة عنه، وشواهد التاريخ لا تزال حاضرة ماثلة للعيان من الصومال إلى الجزائر إلى البوسنة والهرسك، فألبانيا والشيشان وصولاً إلى فلسطين والجزائر والعراق واليمن ومصر وليبيا وسورية حيث تستباح دول وشعوب بأكملها وفقط لأنها شعوب مسلمة رغبت يوما بأن تحكم نفسها بنفسها وبالطريقة التي تناسبها.
لقد أصبحت أمتنا هدفا سهلاً ومشروعاً لكل من هب ودب، إذ يكفي أن يتسلح فرد أو جماعة أو دولة ما بشعار محاربة الإرهاب والتطرف لكي يستمد شرعية يمارس بها البلطجة بحق من يشاء، فهل كان المسلمون السنة ليتعرضوا لما يتعرضون له لولا ضعفهم وتشرذمهم؟، وهل كان ليستطيع إمعة علماني نصيري أن يتهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإرهاب والتطرف، ثم يجعل من أبا جهل وأبا لهب وكفار قريش حملان وديعة ذهبت ضحية إرهاب دواعش يثرب كما قال، لولا أنه قد أمن العقاب وعلم يقينا أن الحرب باتت دينية علنية مفتوحة.  

اليوم يقف المسلمون وتحديداً السنة منهم ونتيجة ضعفهم وهوانهم على مفترق طرق بعد أن وجدوا أنفسهم في مواجهة حلف عسكري إقليمي عالمي أعلنها حرباً مقدسة باركها بطارقة روسيا وآيات فارس ودعمها مرتزقة وعلمانيو العرب الذين يعيدون اكتشاف هويتهم الطائفية المقيتة وحقدهم الدفين على كل ما هو إسلامي سني.

بعد كل هذا يأتيك أحدهم ليتهم السنة بتطرف غير موجود ولا يعدو عن كونه مقاومة الضحية للجلاد.





commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
الأمن التركي يصادر أكثر من 1.5 طن من الماريجوانا المخدرة مخبأة في سفينة قبالة السواحل السورية.نظام أسد يجبر أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية الخروج بـ "مسيرات تأييد" لانتخاباته الرئاسية المزعومة .ميليشيات أسد تقتل امرأة بحلب رميا بالرصاص .قتلى وجرحى لقسد بانفجار في مدينة الطبقة جنوب الرقة.فيسبوك يحظر منشورات عدد كبير من المتعاطفين مع أحداث فلسطين.الجيش الإسرائيلي: استهدفنا منازل 5 من كبار قادة حركة حماس لاستخدامها في إدارة العمليات العسكرية.الطائرات الإسرائيلية تشن عشرات الغارات على مناطق في قطاع غزة.تلغرام وواتساب يتبادلان الانتقادات وينشر كل منهما عيوب الآخر.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en