الزبداني في السياحة والاقتصاد:درة السهل التي أقلقت نجاحاتها الأسد

الزبداني في السياحة والاقتصاد:درة السهل التي أقلقت نجاحاتها الأسد
سربت حركة (أحرار الشام) الأسبوع الماضي، تفاصيل خطيرة حول المفاوضات التي أجرتها الحركة في اسطنبول التركية مع الوفد الإيراني حول معركتي الزبداني في ريف دمشق والفوعة وكفريا في ريف إدلب، وكشفت الحركة الطلب الإيراني الوقح القاضي بإفراغ مدينة الزبداني من أهاليها ونقلهم لبلدتي الفوعة وكفريا، ونقل بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين ليصبحوا سكاناً للزبداني.

هذا الطلب الإيراني الوقح يفسر لنا تلك الهجمة الشرسة من قبل قوات (حزب الله) الإرهابي مدعوماً بقوات النظام السوري، ولكن يخطئ من يظن بأن محاولة تفريغ الزبداني من أهلها قد بدأت خلال الثورة السورية التي انطلقت شرارتها من درعا في منتصف الشهر الثالث من عام 2011، بل محاولات النظام السوري بتدمير مدينة الزبداني قد بدأت منذ سطا النظام السوري على الحكم في سوريا وتلك هي البدايات.

مدينة النور!

الزبداني أو مدينة النــور "كما يحلو لأهلها أن يطلقوا عليها"، تلك المدينة الجميلة التي تعتبر حديقة دمشق الغربية، ومقصد الدمشقيين صيفاً للهروب من لهيب الشمس نظراً لهوائها العليل واعتدال حرارتها ، ومقصدهم شتاءً للتمتع بثلوجها البيضاء التي تمنحها جمال بديع.

تقع الزبداني غربي دمشق على بعد /45/ كم على طريق دمشق بيروت الدولي وتتربع على السفوح الشرقية لسلسلة جبال لبنان الشرقية. وتحيط بها الجبال من كل الجوانب ففي الشرق هناك جبل "سنير" الذي يسمونه أهالي الزبداني بالجبل الشرقي،وتكون أقسام هذا الجبل في الشمال على شكل هضاب قليلة الإرتفاع، سهلة المسالك، مُشجَّرة في بعض أجزائها ومزروعة في أجزاء أخرى، وترتفع في الشرق لتشكل جبل الشقيف (جبل يونان) الذي يرتفع في أعلى ذروته إلى (1860متر)، وفي هذا الجبل عدة قمم بارزة منها في شمالي بلودان وشرقي سرغايا قمة أبو الحن (2364متر) وقمة عين النسور (2216متر)، وتقع في مرتفعاته عدة قرى تشكِّل مناطق اصطياف جميلة يرتادها الناس من جميع البلدان العربية، وهي من الشمال إلى الجنوب: بلودان، الفردوس، الجرجانية، بقين، مضايا.

وفي الغرب تمتد أقسام من (جبل يبوس) نسبة إلى القرى التي غربه وهي من الشمال إلى الجنوب: عطيب (عين الطيب)، ومعدر، وكفير يبوس، ويبوس، وجديدة يبوس، والذي يسميه الأهالي الجبل الغربي!

تبلغ مساحة الزبداني /393/ كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء عام 2004 /63780/ نسمة.

يعتمد أهالي الزبداني في معيشتهم على نشاطين اقتصاديين أساسيين الأول الزراعة والثاني السياحة بالإضافة لبعض الموظفين في دوائر الدولة.

وأدرك النظام السوري منذ بدايات عهده مدى ارتباط أهالي الزبداني بمدينتهم من خلال التمسك الشديد بأراضيهم الزراعية التي تقع في معظمها بسهل الزبداني والإصرار على عدم الإنتقال خارجها وحتى لو بداعي العمل فمن المعروف بأن ابن الزبداني الذي يعمل في دمشق التي تبعد 45 كم يفضل الذهاب والعودة يومياً لتلك المسافة على الإنتقال للسكن خارج مدينته.. ولذلك عمد النظام السوري على تدمير اقتصاد الزبداني المعتمد على الزراعة والسياحة مستخدماً عدة وسائل.

استهداف اقتصاد الزبداني

بالنسبة للزراعة التي تشتهر بها الزبداني وخاصة زراعة الأشجار المثمرة مثل الكرز والأجاص والدراق والسفرجل والتوت الشامي والتين والتفاح بنوعيه "الستارجن" و"الجولدن" الذي نال شهرة واسعة تحت اسم "تفاح الزبداني" ووصلت تلك الشهرة لدول الخليج التي بات مواطنها يطلب هذا النوع من التفاح بالاسم.

كما نالت خضار الزبداني مكاناً مرموقاً بالنسبة لهذا النوع من الزارعات فاشتهرت بالفول والبازلاء الذي يحرص معظم سكان دمشق بأن يستحوذوا على مؤن الشتاء من هاتين المادتين من إنتاج الزبداني، وأيضاً الملفوف الأبيض الذي يسمى الملفوف البلدي. ولا يمن أن ننسى (بطاطا) الزبداني التي تجود بها أرضها الطيبة، وهي بطاطا ذات نوعية جيدة ويعتبر مزارعي الزبداني من أول المزارعين الذين أدخلوا صنف البطاطا "سبونتا" المرغوب إلى سوريا وذلك عبر لبنان.

ويتميز مزارع الزبداني بأنه مزارع غير تقليدي أي يسعى لإدخال تقنيات الزراعة الحديثة مستفيداً من قرب الزبداني من لبنان الذي يعيش حالة اقتصاد مفتوح، على عكس الاقتصاد السوري، فنرى مزارع الزبداني قد أدخل على سبيل المثال مكننة العمل الزراعي، كما اعتمد الري بالتنقيط قبل أن تفكر حكومات النظام السوري بتطبيقه على المزارعين في كل سوريا، ولعل تجربة إدخال الزراعات البديلة مثل زراعة أزهار القطف مثل القرنفل والجلاديولس والمنثور خير دليل على تميزه.

كل تلك المميزات الزراعية للزبداني دعت النظام لتركيز جهوده على تدمير هذا القطاع، بسبب استقلاله عن الارتباط بالدولة، وعدم قدرة ناهبي الاقتصاد السوري من أبناء طائفة النظام الاستفادة منه... فبدأ بنقطتين الأولى هي تدمير الأرض الزراعية التي تُنتج هذه الُمنتجات، ولأجل ذلك شجع النظام السوري على البناء غير المرخص وأحياناً المرخص ضمن الأراضي الزراعية ولا سيما ضمن سهل الزبداني وهو العمود الفقري للزراعة في الزبداني، فبدأت الكتل الإسمنتية تظهر بوتيرة عالية ضمن السهل وبدأ تجار دمشق ورجالات النظام السوري يشيدون القصور والفيلات ضمن الأراضي الزراعية ،ولم يجد النظام السوري سوى سهل الزبداني ليقيم عليه معسكراً لتدريب عناصر حزب الله قرب نبع بردى، كما لم يحلو له إقامة فرع لمخابراته إلا على الأراضي الخصبة أيضاً قرب النبع في السهل.

أما النقطة الثانية فهي تدمير مصادر المياه التي تروي الأراضي الزراعية، ومع العلم بأن منطقة الزبداني تعتبر منطقة غنية بالمياه نظراً لاحتوائها على منبع نهر بردى ولوجود الكثير من الينابيع التي تصب بالسهل مثل نبع بقين و نبع مضايا، ولكن النظام وبحجة تزويد دمشق بمياه الشرب عمد إلى حفر الآبار العميقة حول نبع بردى مما أدى لجفاف هذا النبع وقد حاول مزارعي الزبداني نسف خط جر المياه أكثر من مرة إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل.كما سهل رجال مخابراته حفر الآبار على طول سرير نهر بردى من النبع ، ولا يمكن تفسير إقامة مشروع تربية الأسماك في سهل الزبداني الذي بات معروفاً كم من المياه يحتاجه سوى طريقة أخرى لتشديد الضغط على المياه في الزبداني وبساتينها، كل تلك الإجراءات سببت في عطش بساتين سهل الزبداني الذي يعتمد عليه مزارعي الزبداني في رزقهم.

حرب المبيدات على تفاح الزبداني

وبالإضافة لكل ذلك كان هناك أسلوب أخطر صحياً وبيئياً استخدمه النظام بالتعاون مع تجار أهالي بلدة "النبي شيت" المقابلة للزبداني وهي بلدة شيعية تعتبر مركزاً لحزب الله، (وربما كان هذا الأسلوب بتخطيط من حزب الله) ويتمثل هذا الأسلوب بضرب السمعة الجيدة للمنتجات الزراعية للزبداني، وعلى رأسها محصول التفاح الهام للزبداني وذلك عبر تشجيع التجار اللبنانيين من أهالي بلدة "النبي شيت" بتهريب المبيدات الزراعية التي تتميز بقدرتها على اختراق القشرة الخارجية للتفاح، وتوضع جزيئات المبيد السامة تحت القشرة بعدة ميلليمترات مما يضر بسمعة تفاح الزبداني التي عمل أهلها لعشرات السنين بكد ونشاط للوصول لهذه السمعة الجيدة. ولولا انتباه مزارعي الزبداني الذين يتمتعون بقدر جيد من المعرفة والثقافة لهذا المخطط لربما لم يعد تفاح الزبداني مدرجاً على لوائح الفواكه الهامة لبعض الأسواق الخارجية. وطبعاً لم تتدخل الدولة ممثلة بوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بتلك المسألة كما أنها لم تسعَ على الإطلاق لنشر المكافحة الحيوية لأشجار التفاح كما عملت بالنسبة لبساتين الحمضيات في الساحل التي حولتها بظرف عشرة سنين لمحاصيل نظيفة مئة بالمئة عبر منع استخدام المكافحة الكيميائية واستخدام المكافحة الحيوية.

وفيما يخص موضوع السياحة التي تشكل المصدر الثاني من حيث الأهمية لأهالي الزبداني فقد عمد النظام وحكوماته المتعاقبة على طمس المعالم السياحية لهذه المدينة الضاربة في القدم لآلاف السنين، وعدم إظهار تلك المعالم بشكل يليق بها، فمثلاً نبع بردى الذي يعتبر من أجمل البحيرات قام النظام بإقامة سور اسمنتي مرتفع ليحجب النظر على جماله وجعل له مدخلين فقط وتحت حماية مفرزة أمنية بحجة حمايته من التلوث، وبحيرة زرزر (وهي بحيرة مياه تجميعية)) وبحجة غرق إحدى الطالبات بسبب إهمال حكومي وعدم توفر طواقم إنقاذ على ضفاف البحيرة، فقد قامت السلطات بنصب سور معدني على كامل محيط البحيرة ومنع الدخول إليها بشكل مطلق مع العلم بأن هذه البحيرة تعتبر مكاناً يؤمه السياح سواء المحليين من أهالي دمشق، أم من الدول المجاورة ولاسيما دول الخليج.

حرب طائفية على السياحة!

وفي مجال السياحة التاريخية فالزبداني ربما تكون المدينة الأولى بالعالم التي يسجل فيها بيع قلعة أثرية لأحد المتنفذين وهذه القلعة هي "قلعة الكوكو" التي يعرفها أهل الزبداني جيداً والتي تحتوي على قبور رومانية تم طمسها لإخفاء الجريمة، ويعرف أهالي الزبداني جميعاً عالم الآثار الأوربي الذي كان يدرس القلعة التي بيعت وتم تغيير معالمها أثناء غيابه بإجازة لبلاده ليفاجئ بعد عودته بعدم السماح له بالدخول للقلعة التي يدرسها بحجة أنها أصبحت أراضٍ خاصة.

وفي هذا الصدد لم تقم وزارة السياحة على مدار حكم عائلة الأسد بطباعة أي منشور سياحي يبين الأهمية السياحية لمدينة الزبداني أسوة بالمناطق الساحلية التي تعج وزارة السياحة بمئات البروشورات التعريفية والدعائية لها.

وبالنسبة للسمعة السياحية العالية لمدينة الزبداني والتي كسبتها عبر مئات السياح العرب الخليجين الذين يفضلونها عن باقي المناطق السياحية سواء في سوريا أم في البلدان المجاورة، فكان أسلوب النظام بالتعامل مع هذه القضية بكل خبث حيث عمد النظام منذ استلامه الحكم أن لا يجري أي صيانة للبنى التحتية لمدينة الزبداني إلا خلال ذروة الموسم السياحي، ولذلك كانت الخدمات الرئيسية مثل المياه والكهرباء وشبكات الهاتف تعاني من أعطال متكررة في الموسم السياحي فمدينة الزبداني لا تعاني من انقطاع التيار الكهربائي وانقطاع مياه الشرب وشبكة الهواتف إلا بذروة الموسم السياحي، وهي طريقة مثلى لجعل السائح الخليجي الذي لم يتعود على تلك المشاكل الخدمية في بلاده، أن يتذمر ويتخذ قراره بعدم المجيء مرةً أخرى للزبداني.

مع كل تلك الإجراءات التعسفية التي اتبعها النظام السوري على مدينة الزبداني فإنه لم يفلح بجعل سكان الزبداني يفضلون الهجرة من مدينتهم، فالزبداني تعتبر من المدن السورية الأقل بنسبة هجرة سكانها، كما لم تفلح إجراءات النظام بأن تحول سكان الزبداني من مزارعين لمجرد مهربين مرتبطين برجالات النظام.. فقد ثابر أهل الزبداني على زراعاتهم وأعمالهم مفضليها عن الدخل الكبير الذي يمكن أن يؤمنه العمل في التهريب بالمشاركة مع رجال النظام.. واستطاعوا بفضل استقامتهم وحسن تعاملهم مع السيّاح والمصطافين أن بجتذبوا العائلات الخليجية والدمشقية، الذين كانوا يجدون في أماسي السهل، ونسائمه الصيفية الباردة، متعة ترفيهية تدعوهم للعودة كل عام.

وعند انطلاق الثورة السورية، لم يرضَ أهل الزبداني أن يتخلفوا عنها فهبوا نصرة لدرعا فكانت فرصة كبيرة للنظام بأن يحقق حلمه في إفراغ المدينة من سكانها فأفرغ فيها حقد طائراته ومدافعة ودباباته داعياً حزب الله الحزب الطائفي للمشاركة في هذا الحقد المجرم، إلا أن صمود ثوار الزبداني سيفشل مخططات النظام السوري كما أفشلها أهالي هؤلاء الثوار وذلك بصمودهم الأسطوري الذي تجاوز كل توقعات النظام وحلفائه.

التعليقات (4)

    المخضرم / لا تتخلوا عن مصدر رز

    ·منذ 8 سنوات 9 أشهر
    الزبداني وردة سوريا في مثل هذه الايام من كل عام تكتظ وتعج وتزدحم الزبداني بالمصطافين السعوديين والكويتيين ويعيش اهل الزبداني طوال العام مما يجنونه من السياح الخليجيين طوال للعام فؤلاء الخليجيين يستٱجرون منازل اهل الزبداني حتى انك لا تكاد تجد غرفة فارغة في الزبداني حتى المطاعم كذلك خاصة مطاعم بلودان مثل مطعم ابو زاد ومطعم جدودنا وغيرهما ولا يكاد صاحب مصلحة في الزبداني الا وبستفيد فائدة جمة يعتاش مما يجنيه طوال العام اما اهل دمشق فيٱتون صباحا ويغادرون عصرا والوحيدين المستفاد من تواجدهم السعوديين

    المنحط بشار الجحش أمله في جهنم

    ·منذ 8 سنوات 9 أشهر
    لن يكون له أمل إلا في جهنم هو والمنحط حسن نباحة والمنحط والشيطان خامنئي الملعون الله يلعنهم جميعا في جهنم وإنهم لفي جهنم يقينا والله يلعن المنحط عبد الفتاح السيسي مقاول الحروب وعايته المشهورة مسافة السكة يفندم بعد دفع الفاتورة بالرز الخليجي وليس بالمصري وداعرته الإعلامية توفيق عكاشة عباد بشار الأسد لأنه سمع أزلام بشار يقولون لا إله إلا بشار فعشق هذا اليهودي توفيق عكاشة بشار وهو عاشق لليهود ويعترف لهم علنا بحقهم في نصف المسجد الأقصى ويقول أصل العرب من مصر وأصل العرب من الأرض إبنة السماء فنعما هي

    nidal domani

    ·منذ 8 سنوات 9 أشهر
    الزبداني ستنتصر مهما كانت النتائج. ستنتصر لأنها عرت القاعدين المزاودين على الثورة السورية. ستنتصر لأنها كشفت المخططات الطائفية لإيران ومسوخها الأسد ونصر اللات. ستنتصر لأنها جميلة وتفاحها حلو مثل أهلها وماؤها عذب مثل نفوسهم.

    حكيم عربي

    ·منذ 8 سنوات 9 أشهر
    شكرا للكاتب لكن حبذا لو عولت على الكوادر الثقافيه والضباط الابطال الذين قام النظام بتصفيتهم وتجميد الاخرين منهم العميد كمد الجوكو الذي حرر مرصد جبل الشيخ عام 1973 واكثر من 300 ضابط بطل ساذكر لك ما اذكر منهم قرببا
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات