أهم الأخبار

 

رواية كردية بترجمة عربية: (مارتين السعيد) أوربا والشرق والتطرّف!

"رواية

أورينت نت - حواس محمود
يمكن اعتبار رواية (مارتن السعيد) لمؤلفه الشاعر والروائي جان دوست من أهم الروايات المعاصرة في المشهد الادبي الراهن التي تتحدث بصورة ابداعية فنية عن التطرف والارهاب اللذان انتشرا كثيرا في الآونة الأخيرة، ونعيش باثرهما مأساة الحروب والكوارث وصراع العقائد والمذاهب والأديان.

يلجأ جان دوست في روايته (المترجمة عن الكردية والصادرة عن هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة مشروع كلمة – 2015) إلى التاريخ لإسقاطه على الحاضر فنيا، وذلك بالتقاط الشذرات التاريخية المماثلة لمجريات الحاضر وتوظيفها روائياً.

تتحدث الرواية عن الشاب الألماني (مارتين) الذي يغادر مدينته الصغيرة (هيرنة) في ولاية شمال الراين شتاء عام 1699 متوجها إلى الشرق، بناء على نصيحة صاحب فندق عجوز اسمه (هانس) عاصر حرب الثلاثين عاما التي مزقت اوروبا بين عامي 1618-1648 ودمرت اسرته فأصبح بسبب ذلك ناقما على اوروبا وما فيها من مذاهب وأفكار متطرفة تفرق بين البشر، يقول هانس لمارتن " القادة العسكريون والمارشالات الذين يدفعون آلاف الدنانير للرسامين لينقشوا صورهم الملونة ويعلقوها على جدران قصورهم يبنون القصور الشاهقة كالحصون على رؤوس التلال ، ولا يتناولون طعامهم إلا بملاعق من ذهب، بينما يموت مئات الآلاف بسبب الأوبئة والمجاعات، أهذه هي نتائج الإصلاح! أيعقل أن تريق أنهارا من الدم لكي تقنع الآخر بصدق عقيدتك؟ لماذا صارت الوحشية طريقا لإقناع الآخرين بأنك على الحق؟ هناك حجج على الدوام ليتقابل البشر في ساحات القتال ويتذابحوا، حتى الذئاب والضواري لا تفعل ذلك يا مارتن"

تبدأ الرواية من اجتماع بين مندوبي الامبراطورية العثمانية ومندوبي الدول الاوروبية في بلدة (كارلوفيتز) الصربية وذلك للتوقيع على الاتفاق التاريخي الشهير "معاهدة كارلوفيتز الشهيرة" التي انهت سلسلة حروب مديدة بين اوروبا والعثمانيين وارست دعائم السلام مما فتح المجال للرحالة والمغامرين والتجار لكي يسافروا إلى بلاد العثمانيين، ومارتن هو واحد منهم، الذي يصل إلى الشرق بحثا عن كتاب "الإفادة في اكسير السعادة" بناء على وصية هانس، وينزل اولا في ميناء عكا على الساحل الفلسطيني ، ثم ينطلق من هناك إلى دمشق حتى يصل اخيرا إلى حلب ليستقر فيها ويشتغل بالتجارة ، يتعرف مارتن هناك على فتاة كردية تدعى (كوثر) ويخفق قلبه قائلا لنفسه "ترى أليست هذه كوثر الكرداغية" ويجد نفسه (وهو الذي يبحث عن كتاب الافادة في إكسير السعادة) سعيدا حين يكتشف انه يحب كوثر، وأن السعادة حياة، يتعلم مارتن اللغة العربية في حلب خلال سبعة اشهر، وكذلك اللهجة الحلبية دون ان يتخلص من اللحن واللكنة في الكلام، أما الكتابة والقراءة فقد تعلمها على يد عبد الله بن زكريا الصائغ.

ويشارك مارتن اثناء زيارته للبيوت في كل مكان يضم المسيحيين في نقاشات كبيرة تحتدم حول الكاثوليك واللوثريين والمذاهب الأخرى، ونمط العلاقات الذي يجب أن يسود بين المذاهب المختلفة بين المسلمين والمسيحيين، وكان الجدل يتركز على الحقيقة التي يمتلكها كل طرف، ويكتشف مارتن الهوة العميقة والخلافات الكبيرة بين مذاهب المسيحيين انفسهم، ولم يكن على دراية بأن تلك الخلافات موجودة لدى المسيحيين في كل العالم، وكان يظن أنها موجودة فقط عند مسيحيي الغرب المساكين.

إن البؤرة المركزية لرواية جان دوست الحالية هي التأكيد عبر بطلها "مارتن" على حقيقة أساسية هي أن السعادة الحقيقية ليست في الشرق كما هو قد حلم بها وارتحل صوبه، هذا الشرق الذي هو مهد الديانات السماوية، وأن الصراعات المذهبية للديانة المسيحية ليست مقتصرة على مسيحيي الغرب، وإنما هناك ما يماثل تلك الصراعات بين مسيحيي المشرق، كما لا تخلو بلاد المسلمين من الخلافات العقدية والمذهبية ف "مجالس المسلمين" لم تخل بدورها من النقاشات الكبرى، كانوا هم ايضا يمسكون قرون الحقيقة ويدفعون بها إلى المسلخ لينحروها بسكاكينهم الحادة.

وينجح المؤلف في الإتيان بمشهد روائي يمكن ان يكون تعبيرا اسقاطيا من ماضي المنطقة الاسلامية على حاضرها، عبر شخصية (مجاهد) الذي فوجئ به مارتين وزملاؤه اثناء تواجدهم في (بدليس) في مضافة سفر شاه بعد دعوتهم لطعام الافطار، إذ يدخل عليهم (مجاهد) وهو رجل بعمامة كبيرة ومعه ثلاثة اشخاص سبقتهم في الدخول رائحة نفاذة ظنها مارتن انها رائحة المسك، وما أن دخل الرجل ذو العمامة الكبيرة حتى نادى بصوت مرتفع "قل جاء الحق وزهق الباطل" ثم سل سيفه وتابع الكلام "فليصطف غير المسلمين في الجهة الغربية من الغرفة والمسلمون في شرقيها" وحينها بدأ بعملية القتل، تماما كما يحدث الآن في الدول العربية والاسلامية من قبل تنظيمات ارهابية ومتطرفة ، يضاف إلى ذلك الصراع السني الشيعي والذي تتوالى عمليات القتل على الهوية بين الطرفين.

يقوم الروائي بوصف شخصية مجاهد (وهنا الاسم لم يأت اعتباطا هكذا دون مداليل فكرية موحية ومعبرة) عبر هامش اجده هاما جدا لخدمة الهدف الفكري للرواية: "كان اسمه مجاهد الازدي لم يعرف احد كيف ولماذا ومن اين جاء هو ورفاقه إلى الخان، كانت عيناه مكحولتين، لحيته طويلة وصوته جهوريا، ويلف على رأسه عمامة من الكتان المصري ينسدل من تحتها ضفيرتان سوداوان على كتفيه العريضتين" وهذه هي صفات الشخصيات الداعشية والمتطرفة، ولا تحتاج إلى كبير عناء للقدرة على معرفتها في الواقع.

أخيرا يتعرف مارتين على شخصية كردية في بدليس هو "داوود يزدانيار المامزدي" وهو شيخ مسن يقدم له عدة حكم نتيجة خبرته الطويلة في الحياة ومنها :" لا يغرنك كثرة اتباع مذهب ما، ولا تجعل ذلك دليلا على صحة ذلك المذهب، فقطيع من آلاف الأغنام تسير وراء مزمار راع فاشل، قافلة من الجمال تتبع جرس جمل أجرب"، "الكثرة ليست ابدا دليل على الحقيقة"، "السعادة التي غادرت وطنك لاجل البحث عنها سراب يزيدك السعي وراءه ظمأ على ظمأ"

ويعود مارتن بعد تسع سنوات وتسعة أشهر وتسعة أيام إلى قريته "هيرنة" وقد عاد مزودا بحكم داوود المامزدي، بعد رحلته الطويلة التي انطلق اليها مزودا بنصيحة هانس للبحث عن السعادة المفقودة في بلاد الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية.

2 تعليق

  1. ابو عادل

    إذاً خذوا الحكم من داوود العامزدي... ولا تستمعوا لنصائح هانس، والتجربة اكبر برهان

    قيم هذا التعليق
    5
    4
  2. Ich

    كيف لي ان احمل هذه الرواية?

    قيم هذا التعليق
    4
    4

اضافة تعليق

يرجى الالتزام باخلاق واداب الحوار