(السوريون الأعداء) صناعة الفساد والطائفية كما هندسَها حافظ الأسد!

أورينت نت – جمال مامو 2015-05-16 20:00:00

(الإنسانية، مثل الرحمة، قصة طويلة لا رجاء منها، تصلح للغو فقط، ولا توفر الألم.)

"السوريون الأعداء " ص 26

تنفرد رواية (السوريون الأعداء) للروائي السوري فواز حداد بكونها الرواية السورية الأولى التي ترصد بشكل بانورامي حقبة سورية مديدة، تمتد بين لحظتين تاريخيتين فاصلتين في التاريخ السوري المعاصر، لحظتين ملحميتين متمايزتين تجمعان ما بين ما هو ملحمي وما هو تراجيدي، لحظتين سرديتين تحتلان مكاناً رمزياً عالياً في المظلومية السورية, وفي النضال البطولي والمرير الذي خاضه السوريون لانتزاع حريتهم وكرامتهم, منذ مجزرة حماه في أوائل ثمانينيات القرن الماضي, وصولاً إلى الثورة السورية الكبرى التي ما زالت لحظة تاريخية مفتوحة تتجدد وقائعها يومياً بالدم والألم.

بين هاتين اللحظتين، يمر الزمن السوري بشكل كابوسي عاصف بالتحولات الاجتماعية، زمن يصعد فيه الوشاة والقتلة والسماسرة سلم الثروة والسلطة، ويصنع فيه الطغيان وتنتشر عبادة القائد الملهم وتنحط مؤسسات القضاء والإعلام والتربية والفن والثقافة، زمن يتحول فيه الفساد إلى المحرك الناظم لعمل الدولة الظاهرة والباطنة التي يمسك بزمامها عالم المخابرات "الذي كان بقعة سوداء أتقنت الظلام , يختفي في داخلها البشر بلا أي مسؤولية، أو حساب " صفحة 244.

علاقة مع اللحظة التاريخية!

عبر تضاعيف السرد لا ينكر فواز حداد انحيازه للحقيقة والتاريخ والإنسان ضد "نظام لا يمكن أن يستمر إلا بالقتل " على حد تعبير الراوي في الصفحة 440 , فالكتابة الروائية في (السوريون الأعداء) حليفة وثيقة للتاريخ لا بمعناه التوثيقي المبسط بل بالمعنى الذي يطرحه النص الروائي, عبر علاقته باللحظة التاريخية التي أنتجته أولاً، ومن حيث الأسلوبية الروائية بوصفها أسلوبية سوسيولوجية ثانياً. ولهذا تبدو (السوريون الأعداء) نصاً إبداعياً بإطار تاريخي واضح المعالم والأحياز والأحداث، يستهدف وضع التاريخ في خدمة الحكاية، وجعل الحكاية كتابة موازية ومكملة للتاريخ بأدوات الخيال. إنها رواية الحقيقة التي لم تروَ, وهي الخيال الذي يكمل زوايا الصورة الناقصة حيث الباقي منها يأتي به القارئ ليملأ الفضاءات البيضاء وهي باعتبار آخر رواية "تكتب بأمل، إذ لا يحق للروائي , في هذه المنطقة من العالم أن ييأس . " على حد تعبير فواز حداد.

بنيان دولة الاستبداد!

تقود الشخصيات المحورية الثلاث في الرواية (القاضي سليم الراجي والمهندس سليمان والطبيب عدنان الراجي) مسارات حكائية منفصلة تارة ومتشابكة تارة أخرى, لتجتمع كلها في حبكة سردية كلية كاشفة عبر تقنية التسمية لعالم لوياثان دولة الاستبداد والطغيان , حيث يتولى السرد هنا عبر وظيفته في تسمية الشخصيات والأماكن وأجزاء الزمن مهمة منح النص الدرجة المرغوبة من تمثيل الواقع, عن طريق خلق ظل للمرجع الخارجي، وإنتاج الأثر الدلالي للواقع, ليغدو السرد بمثابة حفر تاريخي حقيقي في أسس بنيان دولة الاستبداد.. والذي يتمثل في ثنائية: الفساد والطائفية,

1

- صناعة الفساد:

في سياق الكشف عن الجذر العميق للخراب، تتبدى للقاضي (سليم الراجي): "صورة البلد التي انكشفت في العمق، كانت ممزقة، تتقاسمها إقطاعيات نافذة , تسعى للاستيلاء على كل ما يدر مالاً.. الصورة مرعبة، لا مكان لنا فيها، ومضادة لأي تغيير إلا في الاتجاه نفسه " صفحة 354 , لقد نجح الفساد والاستبداد في " تشكيل دولة داخل الدولة , موازية وفاعلة ,ولاؤها مجير لطموحات أفرادها , وما السجون والمعتقلات والمحاكم والجيش إلا للحفاظ على البلد ملكية خاصة " صفحة 354

عبر صدفة لقاء القاضي (سليم الراجي) الذي قتلت عائلته على يد المهندس (سليمان ) الضابط في القصر الجمهوري في حماه 1982 , وتنظيم العمل بينهما عملاً باقتراح القاضي (الأستاذ رشدي ) على ملفات الفساد , تتضح لدى كل من القاضي والأستاذ رشدي , بعد طلب القصر الجمهوري طي حملة التفتيش إثر تدخل كبار الضباط ومقابلتهم للرئيس أن "ملفات الفساد التي أسهمنا بها ستكون يوماً سيفاً مسلطاً على أصحابها لضمان عبوديتهم . أصبح القاضي سليم بعدها أكثر إيماناً بأن عجلة الفساد لو أصابها عطب لتوقفت الحياة في البلاد " صفحة 254 . لقد أصبحت العدالة ممنوعة من العمل مما دفع الأستاذ رشدي إلى الاستقالة والانزواء داخل صمته حتى موته: "فالدولة التي نعرفها أولا نعرفها، في اضمحلال لصالح مراكز القوى المتسللة في وضح النهار، حيث يستحيل على أي شخص مطلع أن يرجو شيئاً إلا نحو الأسوأ. البلد ذاهب إلى الفقدان" صفحة 354

يتبين القاضي (سليم الراجي ) مغزى الدرس الرئاسي البليغ: "فالهدف من التفتيش ليس إرباك الدولة، ولا إقالة العشرات من الضباط والمسؤولين دفعة واحدة , هذه القضايا أعدت لزمن آت، وريثما يأتي، لا تهديد بعقوبات ولا تلويح بمحاكمات، في ما بعد إذا استدعت الظروف التخلص من أحدهم ,يصرف من عمله مع فضيحة " صفحة 310. ومع بداية مرحلة التوريث ولئلا يعرقل أحد ما عزم عليه الرئيس، سلطت تلك الملفات على هؤلاء الذين قد يفكرون في معارضة التوريث، لاسيما أن الرئيس يورث ابنه دولة، غير أن المفاجأة الكبرى التي تقذف بنور الحقيقة في قلب القاضي دفعة واحدة، تتحقق في الجزء الثاني من الرواية حين يلتقي شقيقه الطبيب (عدنان الراجي ) المفرج عنه حديثاً بالمهندس (سليمان) قاتل عائلته في حماه ,في منزل القاضي سليم حين جاء المهندس (سليمان ) ليهنئ القاضي بالإفراج عن أخيه , ليكتشف القاضي أنه كان يتعاون مع قاتل عائلته بصفته المزعومة كممثل للإصلاح وحملات التفتيش، بينما لم يكن في الحقيقة سوى قاتل معدوم الضمير، يدرك القاضي حينها استحالة أي إصلاح: "فهمت لماذا لا يمكن لأي إصلاح أن يحدث، مادام المجرمون هم أنفسهم المصلحون" صفحة 419.

يكشف فواز حداد عبر هذا المحور السردي عن المعاني السياسية العميقة وراء لعبة الفساد والإفساد التي أنتهجها رأس النظام، لقد كان حافظ الأسد يسهل فساد الجميع حوله كي يضعهم في موقع الإدانة, ويقوض من ثم قدرتهم على لعب دور سياسي مستقل، كما كان يحقد على من يتعذر إفسادهم. لقد جعل الفساد أداة من أدوات تثبيت حكمه وتأبيد سيطرته، مشيداً بذلك صرح الدولة الفاسدة التي تدعي رعاية مجتمع لا يقل فساداً عنها، حيث تتحقق المعجزة السورية ظاهرياً في تحول عدد المنتفعين من الفساد إلى أكثر من عدد المتضررين منه، مما أفضى على المستوى الاجتماعي إلى سيادة تلك النسبوية الزائفة التي تروج فكرة عمومية الفساد في كل مكان من العالم, لتسوغ فسادها كحالة طبيعية وليست استثنائية. ومن هذا المنطق فإن كانت السلطة فاسدة أو متهمة بالفساد فهذا أمر يشمل الجميع بنسب متفاوتة، مما يضع الجميع تالياً في خانة الإدانة واللاشرعية على منافسة أهل السلطة على الحكم.

2- صناعة الطائفية:

بمهارة واحتراف يرصد فواز حداد عبر مشاهد الرواية آليات صناعة الطائفية, بوصفها خطة سياسية وأداة من أدوات الحكم، التي استخدمتها السلطة لإطباق سيطرتها على المجتمع، بحيث جعل هذا الاستخدام الوظيفي للطائفية تبدو كأنها انعكاسٌ لمجتمع طائفي التكوين أولاً, ومن جهة أخرى سهل هذا الاستخدام تحويل أي صراع سياسي مضاد للسلطة إلى فتنة طائفية. غير أن ما يغلب على رصد فواز حداد، لآليات تشكل الخطاب الطائفي وتمدده اجتماعياً, هو تتبعه لهذا الخطاب عند طرف واحد هو السلطة وأهلها، بوصفهم منتجين للخطاب الطائفي.. بحيث يغيب الطرف المتلقي للخطاب المساهم أيضاً في إعادة إنتاجه عبر صور نمطية عن العلويين، كريفيين قساة، أتوا من الجبل لغزو المدينة؛ إذ أن أي خطاب لا يكتمل دون وجود طرفين يساهمان في بثه وتلقيه, وإعادة إرساله محملاً بالرسائل والتضمينات الاجتماعية والثقافية عن الفوارق القائمة بين الأنا وبين الآخر المختلف. وقد يكون من الضروري هنا توضيح أن المغزى من ضرورة وجود هذا التمايز بين الخطابين لا يعني مطلقاً، توزيع المسؤولية الأخلاقية على كلا الطرفين المنتجين للخطاب، بقدر ما يعني ذلك روائياً حرمان الرواية من الثراء التعددي للأصوات بحيث بدت الشخصية العلوية المحورية (سليمان) ناطقة بخطاب أنتجه غيرها - الراوي الكلي – عنها، على الرغم من حرص فواز على تقديم رؤية متوازنة أخلاقياً لشخصية العلوي, بعيداً عن تنميطه في قالب السلطة فقط، آخذاً بالحسبان الانزياحات الفردية على ضآلتها وقلتها.

* السوريون الأعداء

* تأليف: فواز حداد

* الناشر: رياض الريس للكتب والنشر - بيروت

التعليقات