(من الانتداب إلى الانقلاب:سورية زمان نجيب الريس) التاريخ المُلهم

(من الانتداب إلى الانقلاب:سورية زمان نجيب الريس) التاريخ المُلهم
أورينت نت - سالم الأخرس
تاريخ النشر: 2015-03-18 22:00 بتوقيت دمشق

عندما تنتهي من قراءة كتاب (من الانتداب الى الانقلاب ـ سورية زمان نجيب الريس) الذي صدر حديثا عن دار رياض الريس ببيروت للصحفية سعاد جروس. وترغب بالقول عنه وعن ما فيه, تجد نفسك حيّارا محتارا: هل تكتب عن نجيب الريس أم تكتب عن كتاب سعاد جروس؟
وتزداد الحيرة حيرة عندما تصل الى فكرة, أنه يجب الكتابة عن سورية في تلك المرحلة, لأن سورية هي الحاضن الأساس لأحداثها وأهلها وأرضها, وهي من أنجبت نجيب وربّت سعاد.



"رجعية" مُفترى عليها!


المدخل إلى هذه النوافذ يأتي من باب الكتاب، ويبدو أن الجانب الأهم فيه, أنه جاء معولا يُهدم به فكرة (الجاهلية الجديدة) التي سادت المناخ الثقافي والسياسي في ستينيات القرن العشرين (بعد انقلاب 8 آذار), حيث تمّ تسيّد فكرة أن ما قبل (ثورة العامل والفلاح) هي مرحلة الجاهلية بالوطنية السورية, كما هي الحال مع مرحلة ما قبل فجر الاسلام. فجبّها واجب, وذمّها محمود, ورجمها, فيه فضيلة وثواب, كما فيه البراءة من شبهات (الرجعية والتخلّف والجهل والطمع البغيض والظلم الأكيد). ولِما لا يكون هذا؟ وهي مرحلة اعتُبرت (غَلَبة من لاحق له, ذا الحق على حقه), بل الاغرب كما قال معاوية بن ابي سفيان (أن تعطي من لاحق له, ما ليس له بحق من غير غَلَبة) عبر تواطؤ(من ليس له حق) مع الانتداب والاستعمار كي يصبح له هذا الحق.
وكما كان الحال أيام ضحى الإسلام تجاه الجاهلية. اذ تمّ تثمين الشعر الجاهلي او بعضه على الأقل, مثل المعلقات السبع التي كانت تعلّق على شريف بناء الكعبة, تم تعليق أسماء بعض رجالات الوطنية الأولى على جدران بعض الشوارع والمدارس, كي لا يكون النكير لهذه المرحلة نكيرا ونكرا. وهذا من باب الفطنة لا من باب المعرفة والمعروف. ومن تأثير فكرة من ينكر أصله لا أصل له.

على خطى (البصائر والذخائر)!


اعتمدت الكاتبة مسراب الزمن, للحديث عن الزمن الوطني, وكان ميقاتها, الأحداث والمواقف التي رأت فيها حرارة المعنى, ومعان المعاني السياسية والوطنية, وكيف عبّر عنها نجيب الريس. فكانت ظلال (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي حاضرة في عملها, إذ اعتمد التوحيدي على سكب المعاني والمباني بكتابه, حيث وصلت أسماعه, ودفق الوجد في قلبه, وسكن عقله لها. وكذا الحال عند سعاد جروس, اذ كانت تقتطف من بستان الوطنية السورية ازهارا حينا, وتلتقط من منجم الأحداث ومآسيها وبطولاتها أحجارا قامت الوطنية السورية عليها أحيانا.
اختارت الكاتبة أسلوب المصنّفات والتصنيف, وكانت عينها عين الإنصاف, لاعين الباحث والمؤرخ, قدّمت رأيا, ولم تصدر حكما, وإن كان الرأي يضمر الحكم (وهذا يدخل في مضمار الحق الشخصي) فالحكم لأصحاب الاختصاص والعالمين بقواعده وفنونه, وبحسب انتماءاتهم الفكرية والسياسية.
شقّ الكتاب مسارا قلّما نجده في المدونات التاريخية, او في المكتبة العربية الحديثة, فهو مسار لا يمكن القول عنه أنه كتاب يؤرخ لبواكير الحياة السياسية والحزبية السورية, كما لا يمكن القول فيه, أنه مدونة جامعة لأعمال وقصص, شيخ من شيوخ الوطنية السورية, عاش في قلب أحداثها وترك فيها بصمة ورأيا وراية.

حرارة الثقافة الشفوية!


هو كتاب, نبضه من حرارة الثقافة الشفوية وجاذبيتها, وتكوينه من لدن الأحداث التي مرّت على الأرض الشاميّة, كما فيه نص مسرحي دراميّ, عن التراجيديا السورية الحديثة, يلقيه فنان موهوب, هو نجيب الريس الصحافي البارز الذي جمع في وجدانه كما قال عنه أديب نصور(أجواء كبار الشهداء وأئمة البطولة الإسلامية وكبار الشعراء ورواد الادب العربي) وأظهر على خشبة المسرح بحسب قول صديقه عباس الحامض( متانة اللغة وقوة الأسلوب إضافة الى الوطنية والصوفية والقومية النقية). وما هو معروف ومؤكّد ان الدراية بهذه المرحلة, والمعرفة بها, اذا ما استبعدنا كتب(المذكرات) وبعض الكتب المعدودات المكتوبة عنها, لا تتجاوز حدود الثقافة الشفويّة العامة, تلك الثقافة التي تعرّضت الى حمّامات غسل عديدة ومكثّفة, وسياسات تنشيف دم الذاكرة السورية, وتجفيف مياه الوطنية الاولى, لصالح اهداف حزبية صغيرة, جاءت اليوميات السورية الآن, لتكشف هزالها.
ولا يفوتنّنا القول أن الثقافة الشفوية, هي أصل الثقافة, لأيّ تشكيل اجتماعي عام, وبدونها لا تقوم قائمة لأيّ ثقافة راسخة حقيقية, مهما كانت متماسكة ومتطورة وحديثة. لذا يمكن لنا ادراك مدى فداحة الجريمة التي تعرّضت لها أسس الثقافة الوطنية السورية الحديثة, من جرّاء عمليات الغسل هذه, كما يبطُل العجب بالأفكار(الثقافية) والسياسية التي سيطرت على الفضاء السوري خلال نصف القرن الماضي.

إعادة تأهيل لثقافة "مغسولة"!


من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب, فهو جهد كريم لتنشيط الذاكرة بالوطنية السورية الحديثة, ورجالاتها الأٌول, كما هو أيضاً إعادة تأهيل للثقافة العامية الشفوية(المغسولة) والارتقاء بها من مرحلة الشفاهة الى مرحلة الكتابة والتدوين والمناقشة لهذه المرحلة. وهذا ما نلاحظه عبر التعليقات التي أثارها هذا الكتاب وتلك المرحلة على بعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي.
أما الجانب الذي لا يقّل أهمية عن سابقيه, فهو الدخول الى فضاء رد (الاعتبار) لمجرى نهر الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية وينابيعها الأُول, دون الدخول في متاهات التقريظ والذمّ. والاعتبار هذا؛ هو الأساس المتين للتخلص من التلوث الفكري والثقافي الذي يحيق بالأرض الشاميّة, وهو من الإشارات القوية والدلالات المقنعة بعودة الروح الى الوطنية السورية, التي تتعرّض الآن لأكبر وأعمق تحد لها منذ نشأتها بعد الحرب العالمية الاولى, وهو أيضا تجاوز بنّاء للرواية المدرسية التعليمية, عن التاريخ السوري الحديث, التي كان لها الأثر الكبير في تعليم الأجيال الصاعدة النظر الى التاريخ كأحداث وقصص في سياقات "تعبوية" أو "أرشادية" كما في أفلام الكرتون, وحرمانهم من مناهج المعرفة التي تكسبهم خبرات كيفية بناء الشخصيات وقواعد العمران في الصناعة والزراعة والثقافة والسياسة, كما هي صفعة للروايات الحزبية الصغيرة التي تُظهر ان التاريخ (المشرّف) يبدأ معها ويبقى لها حتّى الأزل.

وثيقة عن "غنى سياسي" مجهول!


أخيرا يمكن القول؛ هذه المقالة محاولة لرصد آثار الكتاب وتأثيراته المباشرة والمحتملة, ولا تُفصِح عن محتوياته وموضوعاته, إذ أن الحديث عنها والبحث فيها يحتاج دراسة أو أكثر, فالكتاب يشبه وليمة بـ(بوفيه مفتوحة) بفندق نجماته خمس, يحار المرء في تحديد عدد الأطباق, وتُدهشه كثرة الأصناف ومذاقاتها, وتنوّع موادها المحلّية المنشأ والتصنيع, والمشترك العام لها, موضوعات تفتح شهيّة الأسئلة والحوارات الرصينة.
كتاب

(من الانتداب الى الانقلاب ـ سورية زمان نجيب الريس)

وثيقة تكشف عن الغنى والحيويّة والخبرات وثقافتها للحياة السياسية في تلك المرحلة, والتي يجب أن تأخذ حقها من الإنصاف والاعتبار والتحقيق العلمي.
commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<728){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
مقتل عشرة من موظفي حقل الخراطة النفطي بهجوم استهدف حافلة بريف دير الزور الغربي.إصابة 6 مدنيين معظمهم أطفال بقصف لميليشيا أسد على بلدة بنش شرق إدلب.وفاة طفلين وإصابة والدهما بحريق اندلع في قرية الغندورة بمنطقة جرابلس شرق حلب.ميليشيا أسد تقصف بالمدفعية الثقيلة مواقع في بادية ريف ديرالزور الغربي .ميليشيا "قسد" تشن حملة اعتقالات في مخيم حويجة السوافي قرب مدينة الرقة .وزير الدفاع الإسرائيلي: قد لا يكون هناك مفر من ضرب إيران.مقتل 4 مدنيين وإصابة آخرين بانفجار لغم جنوب الصومال.الاتحاد الأوروبي يطلب من موظفيه غير الأساسيين مغادرة إثيوبيا.مقتل جندي أوكراني في هجمات شنها انفصاليون موالون لروسيا شرق البلاد.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en