من (جامع) إلى (رستم غزالة): كنس البيت الداخلي!

من (جامع) إلى (رستم غزالة): كنس البيت الداخلي!
أكدت بعض وسائل الإعلام ونفت أخرى مقتل "اللواء رستم غزالة"، رئيس شعبة الأمن السياسي في سورية، والرجل القويّ في نظام الأسد، حيث يعتبر واحداً من أفراد الحلقة المقرّبة من غرف صناعة القرار السوري، والذي تنقّل بين أكثر من منصب حساس، كان أهمها ملف لبنان بعد "معلمه" غازي كنعان، الحاكم الفعلي للبنان على مدى 16 عاماً، لينتقل إلى سورية بعد ارتباط اسمه بشكل مباشر بعمليات احتيال طالت مصرفين لبنانيين، قدّرت آنذاك بمائتي مليون دولار والبعض كان يرجّح أنّ الرقم أكبر من ذلك بكثير، فضلاً عن فرض أتاوات على عدد من الفعاليات الاقتصادية اللبنانية، كرسم حماية، مستمدّاً من التجربة السورية شرعية لأعماله، كونه الخادم الأمين للنظام!

تضاربت الأنباء حول مقتل اللواء غزالة، حيث كانت هناك ثلاث روايات، تناقلتها وسائل إعلام عديدة، منها إصابته في معارك جنوب سورية، أي في مسقط رأسه، في قرية قرفا، وأخرى عن إصابته بذبحة قلبية، والثالثة تحدثت عن تصفيته من قبل النظام لأنه تجاوز الخط الأحمر عندما قال "تسقط القرداحة ولا تسقط قرفا" بحسب ما كتبه الإعلامي فيصل القاسم على صفحته الرسمية في موقع التواصل "فيسبوك". إلا أن أخباراً مسرّبة أفادت أن غزالة أقيل من منصبه كرئيس لشعبة الأمن السياسي في سورية، ما جعله يعود إلى مسقط رأسه، علماً أن مكانه الطبيعي في العاصمة دمشق، وأيا تكن الرواية الصحيحة،ّ فإن الثابت أن "رستم غزالة" قد انتهى "أمنياً" تماماً ويبقى التأيد على انتهائه كخزان للمعلومات التي من الممكن أن يدلي بها في قضية الحريري، والذي ارتبط اسمه بها كأحد أعضاء غرفة الاغتيال، نظراً لأنّه كان على صلة مباشرة بالحريري، وممسكاً بملف لبنان لفترة طويلة عندما كان معاوناً لـ "غازي كنعان"، والذي أصبح بعدها الحاكم الفعلي للبنان..

فبعد أن بدأ العد العكسي للتقرير، الذي يحمل أسماء نحو مائتين من مجرمي الحرب في سورية، وهو ما تعمل عليه لجنة تقصي الحقائق للكشف عن مجرمي الحرب في سورية، برئاسة البرازيلي "باولو بينيرو"، حيث يتوقّع أن يكون كبار رجالات النظام السوري ضمن القائمة، ما يحمل الكثير من القلق للنظام، خاصةً وان منظمات دولية تحدثت عن استخدام النظام السوري للبراميل المتفجرة ضد المدنيين، وقبلها الكيماوي، وقتل نحو 150 ألف سوري – بحسب الأمم المتحدة - حيث أنّه من الممكن أن يتمّ تحويل الملف السوري للجنائية الدولية، إن استطاعت التحالفات الدولية تجاوز الفيتو الروسي في مجلس الأمن، أو ربما تشكيل محكمة خاصة بسوريا على غرار المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الحريري، أو تلك التي تمّ تشكيلها بعد مجازر رواندا، التي كانت تتحدث عن التطهير العرقي ضدّ الأقليات.

كلّ ما سبق، قد يجعل رأس النظام ورجالاته المقربين في دائرة الاتهام، فيما لو استطاعت اللجنة الحصول على أدلة دامغة تفيد بتورط النظام السوري في جرائم حرب، بالإضافة إلى التحقيقات في مقتل الحريري، والتي بدأ الملف الخاص بها يأخذ حيّزاً من البحث، خاصة وأنّ شهادة الوزير السابق "مروان حمادة"، الذي تعرض لمحاولة اغتيال فيما مضى، قد تشير إلى تورّط مباشر للأسد في عملية الاغتيال أمام المحكمة..

للأمانة، فقد بدأ كنس البيت الداخلي بشكل فعلي منذ انتحار وزير الداخلية "غازي كنعان"، بحسب رواية النظام الذي ينهي رجالاته بالانتحار، والذي قتل بعد الحريري بنحو تسعة أشهر، ومن بعدها اغتيال القيادي السابق في حزب الله اللبناني "عماد مغنية" وسط العاصمة دمشق، في منطقة تعتبر المربّع الأمني للنظام السوري، حيث اتّهم جهاز الموساد بالعملية، خاصةً وأنّ التقارير الأخيرة تحدثت عن دور مغنية في تحديد ساعة الصفر لعملية الاغتيال، تبعه اغتيال "اللواء جامع جامع" رئيس فرع المخابرات العسكرية في دير الزور، آخر رجالات الأسد في لبنان، وهو الذي كان ممسكاً بزمام الملف الأمني ساعة الاغتيال، حيث اتهمت آنذاك المعارضة المسلحة باغتياله، تماماً كما سارع إعلام النظام لبث خبر مقتله بالسرعة القصوى قبل عقد جنيف2، ليذهب إلى المؤتمر نظيفاً من أوساخ الحقبة اللبنانية، التي تعتبر الإدانة الأكبر له، والتي شكّلت الخلاف الأكبر بين نظام الأسد والسعودية، ليأتي بعدها اغتيال "العميد وسام الحسن" رئيس فرع المعلومات اللبناني، والذي يرجّح أنّه حصل على معلومات حول قضية الحريري، إلى أن حطّ الرّحال عند "رستم غزالة" لإغلاق هذا الملف نهائياً!

لم يبق من أوساخ الحقبة اللبنانية شاهداً على عمليات الاغتيال، أو شخصية يجوز اعتبارها متهماً رئيسياً أو شاهداً ملكاً، بعد تضليل التحقيق بشهادات مفبركة من أشخاص كالمدعو "زهير الصدّيق"، إلا النائب السابق "ميشال سماحة"، الذي ألقي القبض عليه في محاولة تدبير عمليات اغتيال لعددٍ من الشخصيات اللبنانية، والذي طلب منذ أقل من شهر نقله إلى المشفى، إلا أن القاضي "سمير حمود" رفض نقله، تجنّباً لتعريضه لعملية اغتيال، كونه خزّان معلومات عظيم، بسبب قربه من الدائرة الضيقة لجهاز المخابرات السورية، وخاصة "علي مملوك"، الذي زوّده بالمواد المتفجرة التي ضبطت في سيارته..

إلا أنّ ما ينبغي توضيحه هو أنّ إغلاق الملف اللبناني بشكل نهائي، لن يوقف كنس البيت الداخلي، الذي قد يطال عدداً من الشخصيات، والتي من المحتمل أن يتمّ تقديمها ككبش فداء لتقرير اللجنة الحقوقية، واعتبارهم المسؤولون عن جرائم الحرب في سورية، على اعتبار أن الأسد في آخر مقابلة له على قناة BBC البريطانية زعم أنه ليس على علمٍ باستخدام البراميل، في إشارةٍ ماكرة إلى أنّ من يقوم بذلك هو وزير الدفاع السنّي "فهد جاسم الفريج"، ليخرج من دائرة الاتهام الطائفي والتطهير المذهبي الذي يتهمه به معارضوه!

هذا الكنس الممنهج للبيت الداخلي في نظام الأسد، بالإضافة إلى ما وصلت إليه المعارضة من ورقة تفاهمات، سيكونان الوقود الرئيسي لإنضاج الحل السياسي في سورية، من خلال مرحلة انتقالية يكون الأسد فيها بلا صلاحيات في أسوأ تقدير؛ وهو ما تعمل عليه إيران بدعم روسي، لإيجاد بديل يصون مصالح إيران، التي تبحث عنها بضمانات سيادية، عبر تشريع صادر عن مجلس الشعب السوري، بحسب رؤية الصقور في النظام الإيراني. عندها تكون قد انتهت عملية الكنس بإنهاء الأسد لصالح رجل آخر من الطائفة ذاتها، ومن الوارد أن يكون المعارض "لؤي حسين" بعد تلميعه من خلال فترة اعتقال "خمس نجوم"، وخروجه بعد نهاية موسم اللقاءات (المعارضة – المعارضة) و (المعارضة – النظام)، وبدون أن يحمل أياً من اتفاق القاهرة أو منتدى موسكو توقيعه.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات