(جنود الله) لفواز حداد: علاقة مأزومة بين مواطني السماء والأرض!

سالم الأخرس – أورينت نت 2015-02-24 20:00:00

غلاف روابة (جنود الله)

ما دفعي للكتابه عن رواية فواز حداد (جنود الله) الصادرة عن رياض الريس بيروت 2010، الومضه المعرفيه التي حققتها الرواية بإلقائها الضوء على ما كان يمور داخل البيئة السورية. وقد استطاع الكاتب التقاطه، والنسج عليه والعمل فيه كي يدلل على التكوٌن المحلي لظاهره (الإسلام السياسي المسلح) التي قالت الأيام عنها الآن انها ظاهرة مكتملة الاركان في نموها وتطورها وحركتها, رغم عدم ظهورها على سطح الاحداث اليومية داخل البيئه السورية!

ومضة تنبؤية!

ويمكن القول عن الكاتب وروايته أنه قد دحرج ومضة معرفية تنبؤية تقول انه (الايام التالية) والاصح أنها من الايام التالية. هذه الومضة التنبؤية، لاتمتُ بصله رحم للتبصير والتنجيم المنتشره بهذه الايام, بل هي ابنه الالهام والدرايه بالبيئة السورية. ومنها ما جاء على لسان قس امريكي متطرف يحكي عن خطة الهية للكون تكون الغلبة فيها لجيوش الخير (الأميركان والأوروربيين والإسرائيليين) في مواجهة جيوش الشر (العرب والروس والصنييون) وتقول الخطة الإلهية أن ما جرى في العراق "مقدمة لتحقيق النبوءة عن دمشق، هذه المدينة ستدمر قريبا كن على ثقة، ستصبح كومة من ركام". و"الغلبة ستكون لجيوش الله".

تبرز في رواية (جنود الله) شخصية محورية أساسية ـ رجل مع أسرته ـ افسح الروائي لها المجال واسعا لنطل من خلال حركتها ونشاطها وهواجسها وأفكارها على فترة زمنية محددة، رصد فيها ريح بعض التغييرات الطارئة على المجتمع السوري مطلع القرن الجديد، ليحيط بمتغير، رأى فيه حدثا، وعاش به جرحا، يتصل بالفضاء السوري، فقدم لوحة أدبية، تؤسس لمناخ أسئلة تلمس ضرورتها، وغزل خيوطا ناعمة حولها بألوان عدة تصلح للدخول في نسيج الاجابات التي تضمرها".

وتنم الرواية عن فطنة الكاتب وذكاء خبرته وسلامة حدسه، بتجنبه ظهور الحواف الخشنة لتلك الأسئلة داخل سرير الرواية، والتي جعلها تنمو داخل أحداث الروايه وحواراتها، دون أن يصدر أحكاما ذات طابع قضائي أو فكري مرجعي مدجج بوظائف سياسية، ولكن الموقف تسرب ضمن آلية جدل الأراء بين أشخاصه، تاركا الشخصية الرئيسية تنضج على وقع حرارة أحداث الرواية المتصاعدة، مستخدما مقياس الحرارة الزئبقي، وصولا الى مقياس رايختر للاهتزازات الأرضية.

فالشخصية الرئيسية أب سوري في الخمسينات من العمر انضم ابنه الى تنظيم القاعدة في العراق فلحق به لاستعادته، وتكشف الأحداث عن تاريخ نموه وتطوره، كشخص ينتمي لجيل تأثر بالأفكار التحررية واليسارية التي ترافقت مع الحرب الباردة بين المعسكرين بعيد الحرب العالمية الثانية.

فالأب من الجيل الذي تلقَف رياح الأفكار الجديدة، حول الفرد وحريته، ومداها، وتعرف على محرابها وحاول أن يكتشف معانيها وأدواتها التي تناسب البيئة الشرقية متكئا في ذلك على التجارب االغربية فكرا وفلسفة وتجربة فكانت الفرويدية والوجودية لهماالحظ والحظوة الكبيرتين في هذا الجيل، كما استطاعت النيتشوية (نيتشه) أن تلقى بسحرها القوي على هذا الجيل الطموح، حيث أضافت أبعادا جديدة لمعنى الفرد ومعاني الجماعة والبطولة.

المستقبل غيّر وجهته!

ولا يخفى على أحد الجراح العميقة التي خلفها الغرب الانتدابي بتقسيمه المشرق العربي على قواعد (المنتصرين بالحرب) وإقامة كيان غريب عن المشرق العربي وأهله، فكان الإحساس بالظلم والعدوان عميما، والإيمان بالعدالة والحرية وفيرا، الأمر الذي أفسح مجالا عريضا للأفكار الاشتراكية ومعسكرها، لتأخذ مكانا واضحا داخل قلب وعقل الجيل الصاعد. وجاءت رواية فوازحداد بعد نصف قرن، لتقول كلمتها حول ما وصل اليه هذا الجيل من قناعات: "كان الصراع الطبقي هو المحفز الأكبر في تحريك الجموع الهائلة نحو المستقبل العظيم، ولم نكن ندري أن المستقبل غير وجهته صوب اتجاه آخر" كما أن "اداء الخدمة العسكرية عمليا لا تعني الدفاع عن الوطن" و "جرى التنازل عن الكثير من القضايا المصيرية مما جعل الثقافات المتوترة تذكيرا بفقدانها" و"إنها مرحلة الأفكار المنكوبة والأهواء الثقافية غير الخطرة.. أهواء أفكار لا افعال". فبطل الرواية مرّ ويمر في مرحلة الانتكاسات الكبرى في وعيه ووجدانه وعلاقاته، فهو من الذين آمنوا بثورة (فاتها القطار) وفشل في علاقته الزوجية، التي كانت إحدى ثمرات الانسجام الفكري، ابنه اخذ منحى آخر بعيد عن ثقافة الأسرة التي نشأ فيها، حيث التحق وبجموح بثقافة مواطنو السماء بنسختها القاعدية.

تقارب الرواية في بنيتها إشكالية أعتبرها أساسا وأرضية للعديد من الإشكالات الثقافية والفكرية والسياسية ذات تداعيات اجتماعية متوترة، عبرت عن نفسها دائما وأبدا في لغة حادة وقطعية وانشأت لنفسها قواعد اشتباك، وأدوات احتراب، ونظام احتساب ومحاسبة حددت فيه الأوزان والأثقال والأحجام، اشتقت منها منظومة الحسبة وحدود العقاب والثواب؛ فكانت أبدا محاكم تفتيش ومراكز تنقيب عن اشكاليات ومآزق أقل ما يقال عنها أنها لا تنتج إلا الغث من المحصول؛ محصول لا يصلح إلا لإضرام النار في يوم حار؛ إنها إشكالية مواطنو السماء وموطنو الأرض. إشكالية أخذت ملامحا وتضاريسا منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبنت لنفسها بيوتا وأعشاشا، عندما حطت على حقول البلاد المشرقية أسراب الثقافة الغربية .

فكانت فكرة الوطن والدستور والمواطن والدولة في نسختها الغربية المسلحة بالتقدم التقني والخبرات المؤسساتية التي تنتج محصولا وافرا وسلعا رخيصة برعاية جيوش قوية مجهزة بأسلحة حديثة.

رواية دمشقي خَبِرَ "حرّاس القداسة"!

امتلكت الرواية وهجا حارا، ذو تأثير عميق لأنها بنيت على أساس هذه الإشكالية التي مرت عليها رياح قرنين من الأزمنة، حملت معها الكثير الكثير من الأحداث والأزمات كما حملت معها الكثير أيضا من السلع والأدوات والأهداف والمصالح. وترجع قوة تأثير ونفوذ الرواية الى كونها مشبعة بروح الزمان والمكان المحددين "العراق روح تئن، تجن، تفور، تخور، وجسد ينزف يرجف يتوجع يثور" ما أسبغ على الرواية بهاء الطازج ومحاسن الحار، وخبث ومكر الإقناع والحجة. دعمها الثوب الأدبي السلس، سليل قبيلة (السهل الممتنع) الذي يجعل القارئ يعتقد أن الراوي يحدثه ويسامره ويقص عليه حكاية، يتلمس حرارتها ويشعر بدفق انفاس شخوصها حتى يشعر أنه يعرفهم ويتعرف على الجديد فيهم بحلوه بمره وحامضه، بثوب حكائي، يستمد تاثيره من مكانة الحكاية في الموروث الشفوي والمدونات التاريخية عامة والكتب المقدسة خاصة.

في مفاصل كثيرة من الرواية يتماهى الروائي بالرواية حتى ليخال القارئ أنه يكتب عن نفسه؛ فهو ابن دمشق التي استقرت فيها العراقة، وهنئت فيها كل ضروب الفنون والصنعة والسيادة، وترك كل منهم أثرا وذكرى، وحفظ أهلها الأثر كلما استطاعوا إليه سبيلا، أتقن اهلها فنون التأقلم مع التنوع المتدفق صوبهم، حتى غدوا مضرب المثل بفقه التكيف والتطبُع مع جوائح العاديات وألطاف المؤنسات، حتى شاع القول فيها أنها (الأرض المقدسة)، وقد سعى أغلب صناع السيادة على القول أنهم حراس هذه "القداسة" أوعلى الاقل إقرار "قداستها" كي يأمنوا شرعتهم وشرعيتهم لصنعتهم هذه. وبدون هذه القراءة لدمشق والدمشقيين لا يمكن فهم أحداث الرواية وأشخاصها، ولا التقاط خيط الأمان الذي تحركت فيه الشخصية الرئيسية في الرواية بين قطبين متنافرين متصادمين (الضابط الأمريكي ـ وابو مصعب الزرقاوي) في تلك اللحظة، وفي ذاك المكان واحتفاظ تلك الشخصية ببصمتها وصوتها وهواها.

تشريح عميق لعالم المرأة!

ولما كانت الرواية شوكية الملمس في أحداثها صلدة التكوين، صدامية التأثير، كان لا بد للمرأة أن تحضر كي تنشر الندى على مفرش الرواية. "كنا من الجيل الذي آمن بالحب كتعويذة".

إلا أن حضور المرأة لم يأت كوله وشوق وهيام، بل كجزء من الحالة المأزومة، لها دور وأثر الكحل في زينة المرأة، كشرط لاكتمال المشهد والحدث والحكاية. وان صح التعبير أن المساحة الصغيرة او الحجم المرقوق الذي يمنحه الروائي للمرأة في روايته جنود الله، لا يخفي التألق المعرفي في تشريح عالم المرأة الداخلي: "ارتبطت معه بعلاقة جنسية، أحالتها كما تفترض معظم النساء، إلى علاقة عاطفية مادام الجنس يبرر ادعاءات العاطفة" .. "بدت قوية الشخصية، لكنها في أعماقها، لم تستطع التخلص من المرأة الخائفة التي تربض في داخلها" و"لم يكن تلاصقنا سوى إرضاء لتلك النوازع التي يوفرها الفرار من الأرق الى الجنس، لكنه لم يشغلنا عما في داخلنا".."كنت في منتصف خمسينياتي وما حاولته ليس إلا إعداد لنهاية معقولة لا تضيرها بضع تفاهات لا تشغل البال، وأحزان في الحد الأدنى،وفجائع أكيدة، لا بد منها، حتى لو زادت على هذه العبارات، مصائبي السابقة ستجعلني اكثر احتمالا لها".

أخيرا يمكن القول إن الامتياز الاكبر لهذه الرواية، أنها طرحت اشكالية معرفية عميقة لمّا تأخذ حقها ومداها في الفضاء الثقافي والسياسي السوري، حول العلاقه بين مواطني السماء ومواطني الارض المأزومة، ضمن نسق أدبي روائي تميّز بقدرته على جذب القارئ وخطفه، وتركه يعيش شقاء الاسئلة الكبيره، والتي يتوقف عليها الكثير.

التعليقات