كيف استخدم حافظ الأسد "الخبز" في تثبيت حكمه بعد الانقلاب؟

كيف استخدم حافظ الأسد "الخبز" في تثبيت حكمه بعد الانقلاب؟
عُرفت سوريا منذ القدم بأنها مستودع القمح في الإمبراطورية الرومانية التي كانت تحتل العالم القديم بكامله، ولم نقرأ في كتب التاريخ بأن هذه الإنتاجية الكبيرة لسوريا من القمح هي من إنجازات الحركات التصحيحية لقيصر أو هرقل أو أي من أباطرة روما، بل كانت هذه الإنتاجية العالية من القمح يُنسب فضلها للإنسان السوري والمزارع السوري الذي عُرف عبر التاريخ بنشاطه، وعمله الدؤوب لزيادة إنتاجيته.

يتواجد في سوريا نوعان من القمح هما القمح الطري /Triticm sativum/ والذي تزيد نسبة رطوبته عن الــ 14% ويستخدم بشكل أساسي في صناعة الخبز الأبيض، والقمح القاسي /Triticum durum/ وهو القمح السوري الحوراني المشهور والذي يتمتع بصفات وراثية عالية ويتميز بنسبة رطوبة منخفضة 8 – 11 % ونسبة مرتفعة من البروتين مما يعطيه قيمة غذائية عالية وميزة في سهولة النقل والتخزين والتصنيع، كما يمتلك صفات محددة وفريدة من حيث القساوة والبلورية للحبوب ونواة صلبة توفر له خصوصية في أسواق القمح العالمية، وتعتبر بدائل القمح القاسي كالقمح الطري غير مناسبة للمنتجات التي تُنتج من القمح القاسي كالمعكرونة والسميد وأن النوعية الجيدة من المعكرونة والمنتجات الأخرى مرتبطة بميزات القمح القاسي.

وتعتبر سوريا من المنتجين الرئيسين للقمح الحوراني القاسي ولعل آباءنا يحدثونا عن الخبز الأسمر الذي كان يُصنع من القمح السوري القاسي في مخابز سوريا قبل دولة البعث، وقتها أي قبل حكم الأسد لم تكن سوريا تعاني من أي مشكلة في موضوع تأمين القمح للمواطنين، بل كانت في بعض السنوات تصدر هذا القمح ذو النوعية الجيدة، وذكرت قاعدة بيانات منظمة الزراعة والأغذية الــ/FAO/ أن مساحة القمح المزروعة في عام 1962 بلغت /1417303/ هكتار أنتجت /1374175/ طن من مادة القمح إضافة إلى /140800/ طن خصصت بذور للموسم القادم، وفي نفس العام قامت سوريا بتصدير /211600/ طن بقيمة بلغت /20060/ ألف دولار أمريكي، وقد كانت وما زالت المناطق الشرقية من سوريا التي تُعرف باسم الجزيرة السورية هي المناطق الرئيسية لإنتاج القمح، ويتم إنتاج القمح فيها بجهود مزارعيها وكبار الملاك.

أدرك حافظ الأسد بكل خبث بعد سطوه على الحكم بإنقلاب عسكري عام 1970 أن القمح من أهم مفاتيح تثبيت سلطته وسلطة عائلته من بعده، فوضع يده على تسويق القمح عن طريق مكتب تسويق القمح الذي أنشأه في قصره الجمهوري، وأعطى أوامره بالتشجيع على زراعة القمح والتوسع به كيف ما كان، وهذا من الناحية الإقتصادية جيد لو أنه كان بهدف تأمين الرفاهية للشعب، ولكن كان لحافظ الأسد وجهة نظر أخرى تتلخص بتأمين مادة الخبز للشعب وبأرخص الأثمان لتثبيت سلطته، فبدأ بالتوسع بزراعة القمح الطري على حساب القمح الحوراني القاسي الذي تم إقصاؤه تدريجياُ مع العلم بأنه يمتلك مواصفات تخزينية وغذائية أفضل من القمح الطري، وبدأت الحكومة بخلط الطحين المقدم للشعب بنسبة 75% قمح طري و25% قمح قاسي اعتباراً من تسعينات القرن الماضي وذلك بزيادة تصدير القمح السوري القاسي والاحتفاظ بالقمح الطري كمخزون إستراتيجي لإنتاج الخُبز.

ونتيجة هذه السياسة بدأ الإنتاج الزراعي السوري من القمح الحوراني القاسي بالتراجع على حساب القمح الطري من ناحية ومن ناحية أخرى تدهور صنف القمح القاسي الحوراني نتيجة تعرضه خلال الزراعة أو التخزين أو التسويق إلى عمليات خلط أدت لظهور أصناف غير نقية منه مما أفقده قليلا من ميزاته وبالتالي أدى لإنخفاض أسعاره التصديرية.

إلا أن خطورة هذه التوجيهات التي تهدف كما سبق ذكره لتثبيت حكم العائلة الأسدية لسوريا تكمن في التوسع في زراعة القمح الطري بعلاً وفي مناطق الإستقرار الرابعة والخامسة (أي ذات المعدلات المطرية المنخفضة) في سوريا، وذلك نتيجة التشجيع الحكومي للمزارعين، وبطريقة تساوي تقريباُ ما بين مزارعي القمح المروي والقمح البعل حيث تحدد الدولة سعر متقارب جداُ لكلا المحصولين (المروي والبعل) مع العلم بأن 35 % من تكاليف زراعة القمح المروي تخصص للري إما عن طريق شبكات الري الحكومية أو عن طريق الطاقة (ديزل أو كهرباء) بالنسبة للري بمياه الآبار، وبذلك فإن المزارع الذي زرع القمح بعلاً تكون تكلفته أقل من المزارع الذي زرعه مروياً.

وكمثال على ذلك فقد كانت المساحة المزروعة بعلاً من القمح عام 1986 /872473/ هكتار إرتفعت إلى /1075997/ هكتار في عام 1996، وللأسف الشديد كانت هذه الزيادة في مساحة القمح البعل على حساب البادية السورية التي أُتخذ قرار يعتبر جريمة بيئية كبيرة وهو قرار فلاحة البادية السورية، والسبب في كونه هذا القرار جريمة أنه تسبب في كسر الطبقة السطحية للبادية السورية التي تكونت عبر مئات من السنوات، والتي يعود الفضل لها في الحفاظ على الغطاء النباتي الرعوي للبادية والإحتفاظ برطوبة التربة ومنع إنجرافها.

وأدى هذا الأمر لظهور الكثبان الرملية في البادية التي بدأت بتغطية سطح البادية ونباتاتها الرعوية،ولعل سكان المناطق الشمالية الشرقية ولا سيما محافظة دير الزور من أكثر المتضررين بهذا القرار بسبب ازدياد ظاهرة العجاج التي انتشرت بهذه المحافظة مؤثرة بذلك على الإنسان والزرع والضرع فيها.

وهناك أيضاُ كارثة أخرى سببها نشر زراعة القمح الطري وهي كارثة بيئية تتجلى بانتشار مرض الصدأ الأصفر الوبائي في حقول القمح بسبب عدم مقاومة صنف القمح الطري الذي تم إعتماده (وهو شام 8) لهذا المرض الأمر الذي أدى لانتشار مرض الصدأ الأصفر و تضرر المزارعون دون تدخل من قبل الحكومات بشكل جدي لمكافحته.

وإضافةُ لمحاولة حافظ الأسد تثبيت حكمه عن طريق توفير مادة الخبز مدعوماً (كما كانت حكومات البعث تتشدق)، هناك مكسب مادي للأسرة الحاكمة بموضوع استبدال القمح السوري القاسي بالقمح الطري، ويتمثل هذا المكسب في فرق السعر العالمي ما بين القمح السوري القاسي المُصدر، وسعر القمح الطري المُستورد، وطبعاً هذا المكسب يصب في حسابات المسيطر فعلياً على تسويق القمح وهو النظام، وحتى أنه في بعض السنوات كان هناك فارق ما بين السعر المدعوم الذي يمنح للمزارعين والسعر العالمي للقمح فمثلاً في عام 1986 (وحسب المجموعة الإحصائية الزراعية السورية) دفعت الدولة للمزارعين ثمن قمحهم /1500/ ليرة سورية للطن الواحد أي ما يعادل /83.5/ دولار أمريكي (تم حساب سعر الصرف حسب نشرة مصرف سوريا المركزي التي اعتمدت سعر ثمانية عشر ليرة سورية لقاء الدولار الأمريكي الواحد)، بينما صدرت الطن الواحد بمبلغ /843/ دولار أمريكي (وذلك حسب قاعدة بيانات الــ FAO).

دور بشار

هذا كان بفترة حافظ الأسد، أما بعد استلام بشار الأسد للحكم بتعديل دستوري أقل ما يمكن وصفه بأنه مهزلة، وبسبب تراكم الثروة بيد العائلة الحاكمة من جهة ولاعتقادها بأن حُكمها قد توطد لم يعد موضوع القمح من أولويات حكومات بشار الأسد، فلذلك نرى تراجع إنتاج سوريا من القمح بشكليه القاسي والطري في عموم سوريا فبعدما وصل الإنتاج إلى /4.74/ مليون طن عام 2001 تراجع إلى /3.07/ مليون طن عام 2010، كما أن حكومات بشار الأسد المتعاقبة لا سيما حكومة محمد ناجي العطري ونائبه الإقتصادي عبد الله الدردري كانت تضغط بشكل كبير على وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي لخفض تكاليف إنتاج القمح التي على أساسها يتخذ قرار قيمة القمح الواجب دفعه من الحكومة للمزارعين لقاء تسليم قمحهم لها.

ولم يسلَم القمح السوري من فساد عراب الفساد السوري رامي مخلوف وسرقته لمقدرات الشعب السوري، حيث سرق في عام 2006 مخزون سوريا الإستراتيجي من القمح تحت جنح الليل، وذلك بعد جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري عام 2005 والآثار السياسية التي نتجت عن تلك الجريمة والتي كانت ستطيح بالنظام السوري، فظن النظام بأنه سينهار فأعطى الأوامر بإتمام تلك السرقة، والملفت بالأمر أنه ورد في قاعدة بيانات منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة الــ / FAO/ بأن صادرات سوريا من القمح بكافة أنواعه عام 2006 بلغت /1.4/ مليون طن بقيمة /180/ مليون دولار أمريكي، بينما (وربما لتغطية الجريمة) فإن خلاصة التجارة الخارجية لعام 2007 التي تصدر عن المكتب المركزي للإحصاء في سوريا والتي تحتوي إحصائيات العام السابق أي عام 2006 لم تتضمن على الإطلاق بند الصادرات حسب البنود بل إكتفت بذكر الصادرات الزراعية السورية بشكل إجمالي، وذلك على عكس ما هو متبع في كافة المجموعات الإحصائية التي يصدرها المكتب.

أما المجموعة الإحصائية الزراعية التي تصدرها وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي وفي بند الميزان السلعي لعام 2006 فقد ذكرت بأن صادرات سوريا من القمح بلغت /92/ ألف طن فقط. ونتذكر جميعنا بعد هدوء عاصفة إغتيال الحريري الهبة التي منحتها دولة الإمارات العربية والتي بلغت نصف مليون طن من القمح لتغطية العجز الذي حدث بمخزون سوريا الإستراتيجي المسروق.

وأخيراً فهناك من يقول بأن سياسات حافظ الأسد تجاه القمح سياسة حكيمة من مبدأ دعم الموقف الخارجي لسوريا لأن من يمتلك قمحه لا يرضخ لضغوطات الدول الكبيرة، أقول لهؤلاء ما قاله لي أحد المهندسين الزراعيين الحلبيين الشرفاء والذي يعمل في المنطقة الشرقية على مدار خمسة وعشرون عاماُ بأن القمح السوري المروي يكفي استهلاك سوريا من القمح، ولو أن الحكومات السورية المتعاقبة على زمن البعث توسعت بزراعة القمح بشكل عمودي أي زيادة إنتاجية وحدة المساحة لتصل إنتاجيتها لمستوى الدول المجاورة مثل تركيا لوفرت سوريا فائض تصديري من القمح دون الحاجة لتخريب البادية السورية. ولكن سياسات التخريب التي إتبعها نظام عائلة الأسد أبت إلا أن تطال أي شيئ حتى لقمة الشعب في خبزه وقمحه...

*مهندس زراعي

التعليقات (4)

    البادية أخصب أرض لأنها لم تُزرَع وغذاءها فيها بسبب بعر الرعي

    ·منذ 9 سنوات 6 أشهر
    ولذلك حرص حكام سوريا و العراق والأردن والسعودية على إعتبار تلك الأراضي أراضي ميرية أي ممنوع الإستملاك بها من قبل الناس وكأنهم يحتفظون بها لأسيادهم ـ أسياد العالم ـ الذين يخافهم بوتين و أوباما والهند والصين تسعيان لاكتساب وُدّها إذا زرعت بندورة في البادية تنتج أربع أضعاف حجمها أينما تحفر في البادية بعمق 30 متر تجد ماء تجري من تحتها الأنهار تتسرّب إليها المياه الجوفية من دجلة والفرات والسلام

    ذات النطاقين الحرة

    ·منذ 9 سنوات 6 أشهر
    نعم اهالينا خبرونا عن هذه المعلومة لانهم كانوا تجار حبوب وعارفين اللعبة من اولها ومما ساعدهم بعض الفلاحين العوانية وايضا بعض التجار

    danmark.logstor

    ·منذ 9 سنوات 6 أشهر
    يعني كل يلي فهمتوا من المقال انو المقال عم يتباكى على اهل حوران يلي انضرب سمعة القمح تبعون و اول مرة بسمع انو حوران فيها زراعة قمح و المعروف انو الجزيرة الكردية (( جزيرة بوتان )) هي السلة الغذائية تبع سوريا... علما انو المستفيدين الوحيدين من دولة البعث على مدى 60 عام هنن جماعة القرداحة و الساحل و اهل درعا و حوران من العواينية يلي ذكرهون المهندس الحلبي الشريف المزعوم و هنن نفسون يلي خربوا و دمروا سوريا بثورتهم المزعومة علما انو هنن و النظام وجهان لعملة واحدة بس كل واحد عميدمر بطريقتوا.

    ام كنان

    ·منذ 9 سنوات 6 أشهر
    هاد ما في منه ايتها فائدة انتو اغبياء ومتخلفين احنا بدنا السياسة الي اتبعها حافظ الاسد حتى يخلي ابنه الوالي بعده
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات