لكن أغرب المواقف هو موقف "الإسلام السياسي المعتدل" الذي يمثله الأخوان المسلمين فقد رفضوا كليا دعم التحالف، فالشيخ القرضاوي المنظر الرئيسي للجماعة اعتبر حرب أميركا ضد داعش "لا تحركها قيم الإسلام"! ولحقه عمر مشوح رئيس المكتب الإعلامي لجماعة سوريا الذي اعتبر أن تشكيل التحالف "نفاق غربي" لذلك فالجماعة لن تؤيد تدخله في سوريا لان معركة الاخوان الأولى والاساسية هي مع النظام ورفض أن تنحرف بنادق الجماعة لغيره، أي داعش، التي اعتبر المعركة معها فكرية وتمنى عليها أن تعود لرشدها.
بينما مراقب الجماعة رياض الشقفة زاد على الخلاف الفكري خلافاً سلوكياً، لأن داعش تقوم بسلوكيات -وليس جرائم- مخالفة لتعاليم الإسلام، و"نصح" داعش بالعودة للقرآن والسنة والسيرة النبوية، وسأل لهم الهداية والسداد!
أما زهير سالم الناطق الإعلامي للجماعة فقد شبه احتلال العراق بذريعة الأسلحة الكيماوية بما سيجري في سوريا بذريعة داعش! وأضاف ان التحالف يخوض حربا تؤدي لاضعاف الإسلام السني وتدميره!، وأنه لا بد من محاربة إرهابي النظام وحزب الله اولا، ف"التحالف يحارب على أساس طائفي"!. وفي الأردن رفض المراقب العام للجماعة همام سعيد مشاركة الأردن في التحالف، واعتبر ان "الحرب ضد داعش ليست حربنا".
قد يتعجب البعض من هذا الموقف من طرف معروف أنه معتدل، ولكن لتقدير مدى خطئه لا بد من معرفة أهمية مقاتلة التحالف لداعش.
ليس إلا مغمضي العينين من لم يتابع تقدم داعش في العراق واحتلالها للموصل ومدن أخرى، وفرار أكبر قوتين امام تقدمها: الجيش العراقي النظامي والقوات الكردية، حتى باتت تهدد بغداد وأربيل، لتأتي الضربات الجوية الأميركية لداعش لتوقف الهجوم الكاسح وتبعد الخطر عن العاصمتين وتنقذ مدنيين من الإبادة وتؤمن وصولهم لأماكن آمنة، وتجبر داعش للانتقال للدفاع، بل لتتقدم القوات العراقية والكردية لتسترد مناطق فقدتها. كما ساهم التدخل باشتراطه لاستمرار الضربات وتصاعدها إزاحة حكومة المالكي، التي تسببت بسياساتها الطائفية التمييزية والقمعية للمكون السني، التمكين للتمدد الداعشي مستغلا النقمة الشعبية عليها.
أما في سوريا وحتى قبل أن تبدأ ضربات جوية فقد تقلص الهجوم الداعشي بعد توسع كبير امتد من الحدود السورية العراقية حتى اطراف حلب على حساب معسكرات النظام ومطار الرقة، وعلى حساب الجيش الحر والكتائب الإسلامية. هل كانت هناك أي قوة فعلية على الأرض قادرة على وقفه؟ لولا الضربات الجوية في العراق وكمون داعش في سوريا انتظارا لضربات قد تحدث قريبا. ولا اظن ان أوهام "الإسلام السياسي المعتدل" بوقفهم عن طريق مناشدتهم للعودة لرشدهم وللقرآن والسنة مفيدا في هذه المعركة الطاحنة. رفض قتال التحالف لداعش هو، ان كنا حسني النية، دعوة غبية لترك سوريا تقع في يد العصابة المتعطشة لسفك الدماء، او تقاسم سوريا بين عصابة داعش وعصابة النظام.
من يريد أن يقاتل النظام أولا ثم داعش تاليا يخترع تدرج انتقائي خيالي لا علاقة له بالواقع القائم على الأرض، فداعش الآن تخوض معركتها ضد المعارضة المسلحة وضد النظام في نفس الوقت، كما ان النظام فقد صلاحية تكتيكه حول ترك داعش لتوجه كل قوتها لتصفية المعارضة المسلحة، فالمعركة على جبهتين مفروضة على المعارضة وليست اختيارية وأي عاقل لا يحتاج للاسترشاد بأي نصوص ليرى أن توجيه ضربات لداعش يفيد المعركة مع النظام، فإذا قضي عليها تتوجه كل الجهود ضد النظام في جبهة واحدة. وان تم اضعافها وتحجيمها فذلك يوفر فرصة لمواجهات انجح مع قوات النظام. كما ان تسليح وتدريب المعارضة السورية كما في خطة التحالف هو لمصلحة الثورة اذ لا احد يستطيع منع المعارضة من استعمال هذه الأسلحة ضد النظام.
يحتار المتابع في تفسير الموقف المجافي للمنطق الذي اتخذه "الإسلام السياسي المعتدل"، هل هو وطنية زائدة مقاومة لكل ما يمس ما يسميه الممانعون سيادة وطنية؟، مما يذكر بوطنية الجماعة الزائدة عندما اعلنوا عن هدنة مع النظام الاستبدادي السوري وتوقفوا عن معارضته عقب حرب غزة 2009 بتبرير "التوحد" تجاه العدوان الصهيوني! لينهوا الهدنة بعد 5 سنوات عندما انطلقت الثورة. فيما ان اعلان دمشق المعارض حينها اعلن استنكاره وتنديده بالحرب على غزة دون ان يضطر لمهادنة النظام، ولماذا يفعل ذلك أصلا، وماذا يفيد مهادنة النظام معركة القطاع؟
أم أن موقف الإخوان مجرد خطأ في تقدير أهمية داعش، واقتناع وهمي بإمكانية ترويض الوحش المنفلت بالهمس في اذنه ومناشدته بالعودة لاصول الدين السمح. ام انه مجرد محاولة للتميز عن الائتلاف الوطني السوري الذي خرج من يد الأخوان بعد ان كانوا يهيمنون على المجلس الوطني الذي سبقه في تمثيل المعارضة السورية.
أو ربما موقفهم نتيجة رؤية الإسلام السياسي المعتدل للمنظمات التكفيرية الأصولية الإرهابية مثل القاعدة وداعش المنشقة عنها كمنظمات إسلامية "سنية" تؤمن بتطبيق الشريعة مثل الاخوان، ولكنها ترتكب أخطاء في السلوك وتكفر الناس وغير ذلك مما يسمونه "غلوا"، وهي عمليا تقوم بعملهم أي اسلمة المجتمع والدولة والقوانين وأسلوب الحياة والثقافة والتعليم والاقتصاد وغيرها من أوجه الحياة وحتى العالم بأجمعه حسب زعمهم، لكن بطريقة مستعجلة غير متدرجة وبالقمع المباشر.
وربما هناك قرائن لمثل هذا الاحتمال من تاريخ الجماعة الحديث؛ فقد سبق لنواب جبهة العمل الإسلامي أن ذهبوا للتعزية بالسفاح الزرقاوي الذي سبق البغدادي في إمارة الدولة الإسلامية ووصفوه بالشيخ الشهيد، وأنه خلط بين العمل الصالح والسيئ!
فالزرقاوي الذي ذبح آلاف المدنيين العراقيين من كافة الطوائف بتفجيرات عشوائية في المساجد والحسينيات والكنائس والمدارس والأسواق والمستشفيات والدوائر الحكومية والمخابز والمطاعم والفنادق، ونسف محطات الكهرباء والمياه وأنابيب النفط.. أعماله ليست مستنكرة ومدانة بل مجرد غير مقبولةَ، و"القاعدة" ليست تنظيماً إجرامياً، إنما فقط "ليس كل ما تقوم به صحيحاً"!. كما سبق لعدد من قياديي الاخوان في مصر أن ادعوا أن "منظمة أنصار بيت المقدس" الإرهابية لن تتوقف اعمالها في سيناء الا عند عودة مرسي رئيسا لمصر. والداعية الاخواني المصري الشهير وجدي غنيم صرح عندما سقطت الموصل بيد داعش "أن الله ساعدهم"!
إذا كان هذا الاستنتاج صحيحا فبئس "اعتدال الإسلام السياسي" الذي يظن أن منظمات إرهابية، يمكن أن تمهد له الطريق لتطبيق الشريعة.
التعليقات (15)