مجزرة أطفال التلقيح: تحقيق غربي يؤكد مسؤولية النظام أيضاً

أورينت نت - منصور العمري 2014-09-16 20:00:00

فاجعة اللقاحات الفاسدة

أوعزت وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة بوقف الجولة الثانية من حملة التلقيح ضد مرض الحصبة التي بدأت أمس الاثنين في جميع المناطق المحررة وذلك إثر حدوث حالات وفاة وإصابات بين الأطفال في بعض مراكز اللقاح في مدينة ريف إدلب، وبعد ساعة قررت الحكومة عقد مؤتمر صحفي طارئ عند الساعة الثالثة، يوضح فيه وزير الصحة الدكتور عدنان حزوري ملابسات حملة اللقاح إلا أنّها وبعد ساعتين أعلنت عن تأجيل هذا المؤتمر حتى إشعار آخر " من أجل كشف المزيد من الحقائق المتعلقة بهذا الحدث"، ثم فاجأت الوزارة الجميع بقرار عقد الاجتماع في الساعة السادسة من اليوم ذاته، فهل تمكنت الوزارة من كشف الحقائق وملابسات الفاجعة في ساعتين؟!

وبعد أن عُقد الاجتماع أخيراً، أعلن وزير الصحة عن وفاة 15 طفلاً وإنعاش 100 طفل آخر. أما على صفحة الفيسبوك الخاصة بوزارة الصحة في الحكومة المؤقتة قام أدمن الصفحة بنسخ تعليق أحد المعجبين بالصفحة وقد أسمى نفسه (دكتور أزهوري) وقدم تعليقه في بوست مستقل كشهادة قائلاً: " الرأي الطبي لأحد الأطباء من مشتركي الصفحة مشكورا ً"!! كما لم ينشر الموقع الالكتروني للوزارة أي خبر يشير إلى المجزرة الطبيّة التي قتلت أطفال سوريا)!.

أما الائتلاف الوطني فقد نشر بياناً يحدد فيه "عدد الأطفال القتلى بثمانية بالإضافة إلى أكثر من 50 حالة اختناق" بعد أكثر من ساعة ونصف من تصريح وزير الصحة بمقتل 15 طفل وإنعاش 100 آخرين!

من جهتها، ذكرت صحيفة (غارديان) البريطانية منتصف ليل أمس إنّ عدد الأطفال القتلى تجاوز 34 مع احتمال ارتفاع العدد في الساعات القادمة، وتم ارسال عينات من الدم إلى تركيا لاختبارها.

يتحدث سوريون عن التخبّط والإهمال وسوء التصرف كدليل على "فشل وسقوط الوزارة" بكل من فيها في أبسط المسائل "فكيف برعاية حملة تلقيح والإشراف عليها"!

نشرت (نيويورك ريفيو) قبل شهر تحقيقاً أعدّته طبيبة الأطفال وخبيرة الصحة العامة (آني سبارو) تحت عنوان "سوريا: التهديد الآخر" يتحدث عن تفاصيل بدء حملات التلقيح في سوريا ومصادر الأمصال واللقاحات وغيرها من شجون هذه المهمة المستحيلة. وبدأت التحقيق بالحديث عن قيام داعش في يونيو/ حزيران طمس الحدود بين سوريا والعراق ثم اجتاحها أجزاءً كبيرة من شمال العراق، وأصبح من الواضح مدى انتشار الصراع السوري بشكل متزايد في المنطقة. ولكن ليست داعش هي التهديد الأوسع للحرب فقط. فالعاملين الطبيين في الشرق الأوسط، يرون الآثار الصحية الكارثية للأزمة في سوريا وتسربها الى الدول المجاورة.

مع انتشار عدة ملايين من اللاجئين السوريين الذين يعيشون الآن في لبنان والأردن وتركيا والعراق، وتشريد ملايين آخرين داخل سوريا يعيشون في ظروف مروعة، ازداد خطر انتشار الأوبئة في سوريا وإلى الدول المجاورة بسرعة مخيفة. ومن بين الأمراض التي انتشرت بسرعة أكبر هي الحصبة والتهاب الكبد وداء الليشمانيا وشلل الأطفال وهو مرض مرعب يصيب الطفولة المبكرة الذي تم القضاء عليه منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط. ففي سوريا تم القضاء عليه عام 1995، ولكن منذ منتصف عام 2013 واجهت البلاد تفشي مرض شلل الأطفال الذي انتشر على نطاق واسع في جميع أنحاء المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال. والآن شلل الأطفال مثل داعش، امتد عبر الحدود إلى العراق.

بعيدا عن أنها مأساة طبيعية، فهذه الأزمة الصحية العامة هي نتيجة إلى حد كبير لهجمات الحكومة السورية على النظام الطبي في الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة في البلاد، بما لديها من قنابل البراميل والهجمات الكيميائية في بعض الأحيان، وكذلك حجب التدابير الصحية العمومية الأساسية مثل التلقيح والمياه الصالحة للشرب. ولكن ما زاد من تفاقم انتشار شلل الأطفال هو الاستجابة غير الكافية من قبل منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسف وكالاتي الأمم المتحدة المسؤولتين عن التعامل مع هذا الوباء. وكان من الواضح أن الجهود المستقلة للتطعيم ضد شلل الأطفال في شمال سوريا قد تمت عرقلته بشدة بسبب سوء إدارة هاتين الوكالتين.

زادت داعش خلال العام الماضي من سوء هذا الوضع مع اختطافها العاملين الدوليين في مجال الصحة وحالات الاعتقال والإعدام المتقطعة للعاملين في المجال الطبي الوطني، والاستيلاء على قوافل المساعدات. الدكتور وسيم، وهو طبيب شيعي غادر جنوب دمشق في أواخر مارس/آذار بعد ثلاث سنوات من العمل في النزاع، قال لي إنّه كان واحداً من الأطباء التسعة فقط الذين يقدمون الخدمات لمدينة يبلغ عدد سكانها أكثر من 150 ألفاً. بعد أن اعتقل عدة مرات من قبل كل من القوات الحكومية والجماعات الإسلامية المتطرفة، قال إنّه

اضطر في النهاية إلى الفرار وأضاف:"في شهر فبراير/شباط، قال لي أشخاص من جماعة متطرفة كنت أعالجهم: "دكتور لقد انقذت حياتنا، لذلك نقول لك أن مجموعتنا تبحث عنك الآن. عليك أن ترحل وإلا لن تنجو من الموت مثل آخر مرة.”، لذلك لم يكن لدي أي خيار سوى الخروج من المنطقة المحاصرة لأن خياري الوحيد الآخر هو الموت. "

في أواخر يونيو/حزيران، قال لي عديد من الأطباء من دير الزور، التي سيطرت عليها داعش إنّه لم يعد هناك أي خدمة طبية لعلاج ضحايا الحرب أو القدرة على التشغيل أو غرفة طوارئ في المدينة، وأوضح طبيب جراح من مدينة دير الزور: "السبيل الوحيد للخروج هو عبر نهر الفرات. وداعش لديها قناصة على الجسر، يمكن نقل المدنيين فقط إن كانوا في حالة حرجة، وفقط عن طريق العبور في زورق. إنه أمر خطير جداً، ليس هناك أمل إذا كنت جريحاً من الجيش السوري الحر ووجدتك داعش فقد انتهى أمرك. بالنسبة للبقية، علينا أولاً التحقق من النهر كل صباح لمعرفة ما إذا كان هناك قوارب. ثم نحاول التفاوض للعبور والوصول الى الطريق على الجانب الآخر والعثور على سيارة أجرة، وإذا أمسكتنا داعش في أي وقت سيعدموننا على الفور لأننا أطباء.

أصدر مجلس الأمن الدولي يوم 14 يوليو/حزيران قراراً يجيز مرور المساعدات الانسانية عبر الحدود في مناطق يسيطر عليها الثوار في سوريا، حتى من دون إذن الحكومة السورية، وهي خطوة قد تسمح أخيراً لوكالات الأمم المتحدة بالمساعدة في جهود التطعيم ضد شلل الأطفال في الجزء الشمالي من البلاد علناً. ويأتي ذلك بعد إعلان منظمة الصحة العالمية في أوائل مايو/أيار عن "تحول جذري" في سياسة مواجهة شلل الأطفال.

رغم طلب منظمة الصحة العالمية من حكومة دمشق إعلان حالة طوارئ الصحة العامة الوطنية، إلا أنّ حكومة دمشق لم تفعل ذلك، كما أنها لم تقم بدورها في ضمان أن جميع المقيمين والزوار يتلقون جرعة من اللقاح. وعلاوة على ذلك، وقعت جميع حالات شلل الأطفال تقريباً في مناطق شمال سورية الخاضعة لسيطرة الثوار، حيث تقوم الحكومة على ما يبدو كل ما في وسعها لمنع التلقيح. وقد ناشدت الحكومة السورية الأمم المتحدة من أجل مئات من الأدوية لمناطق البلاد التي تسيطر عليها، في حين تجاهلت الاحتياجات الماسة للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة. لا يزال عديد من الأطفال، وخاصة المواليد الجدد، لا يحصلون على اللقاح ضد شلل الأطفال. وتستهدف الغارات الجوية الحكومية اليومية المرافق الصحية ذاتها التي يجب أن تكون الأساس لجهود التطعيم، وكذلك الأطفال الذين ينبغي حمايتهم من شلل الأطفال والحصبة وأمراض الطفولة التي يمكن الوقاية منها. كما قال الدكتور عمار، وهو طبيب من حلب، قال إنّه وبعد غارة 30 أبريل/نيسان الحكومية الجوية التي قتلت اثنتين وعشرين تلميذة، يبدو أنّ "استراتيجية حكومة الأسد في مكافحة شلل الأطفال هي قتل الأطفال قبل أن يصابوا بهذا المرض."

رغم كل الصعاب، نجحت جهود التطعيم ضد شلل الأطفال، بشكل مستقل في الشمال دون أي دعم من قبل حكومة دمشق، بجهود فرقة العمل الخاصة بلقاح شلل الأطفال وهي مجموعة مشتركة من جماعات سورية عاملة عبر الحدود الشمالية في تركيا، بقيادة الجمعية الطبية الامريكية السورية ونظمته الذراع الإنساني للمعارضة السورية، والمعروفة باسم وحدة تنسيق الدعم (ACU)، بدعم من وزارة الصحة التركية.

عانت فرقة العمل منذ البداية نقص حاد في اللقاح اللازم للوصول إلى 1.5 مليون طفل في المنطقة. وكان جوهر المشكلة أن منظمة الصحة العالمية واليونيسيف لا تقدم مساعدة لهذه الجهود الإنسانية العابرة للحدود دون موافقة الحكومة السورية، التي رفضت ذلك. إلى أن تمكنت فرقة العمل في الأيام الأخيرة من عام 2013 من الحصول على أول اللقاحات من خلال قنوات أخرى. ورغم هذه القيود والنقص الحاد في الأطباء، قامت فرقة العمل وشبكتها المؤلفة من 8000 موظف صحة في شمال سوريا بحملة "من الباب إلى الباب" حيث قدموا اللقاح بنجاح لأكثر من 1.25 مليون طفل في كل جولة واحدة من سبع جولات أجريت منذ يناير/كانون الثاني 2014.

لم يكن هذا بالأمر السهل، فلقاحات شلل الأطفال يجب أن تبقى مبردة، وأجزاء كثيرة من شمال سوريا تفتقر الكهرباء العادية. كما يجب تحديد كل طفل بشكل فردي أكثر من مرة لأن اللقاح يتطلب عدة جرعات على فترات لضمان الحماية من هذا المرض، وكان الوصول إلى هؤلاء الأطفال يتطلب التفاوض مع عدد كبير من مجموعات المعارضة المسلحة المسيطرة على مناطق مختلفة، بما في ذلك داعش، كما قُتل وجُرح عديد من الأطباء والعاملين في التلقيح بسبب الغارات الجوية، وكان الأمر يتطلب براعة كبيرة للتغلب على التحديات الأخرى التي يفرضها الجيش الحكومي السوري.

قال الدكتور جاسم، وهو طبيب سوري يعمل في فرقة العمل، في حزيران: "في حماة كنا نهرب اللقاحات عبر نقاط التفتيش الماضية في علب في شاحنة الحليب. ويبدأ عمل التلقيح في الليل، لأنّ قناصة الحكومة تطلق النار علينا أثناء النهار. كما أنه كان من الخطير وضع حبر على أصابع الأطفال، أو علامة على أبواب البيوت لتميز من تم اعطاءه اللقاح، فقد تقتلهم الحكومة لعدم الولاء".

قامت منظمتا الصحة العالمية واليونيسيف في ديسمبر/كانون الأول بدلاً من تقديم أمصال اللقاحات مباشرة لفرقة عمل شلل الأطفال، بإعطائها إلى أطباء بلا حدود الهولندية والهيئة الطبية الدولية ومنظمة (أنقذوا الطفولة) في المملكة المتحدة. وخلافاً للمجموعات السورية التي تشكل فرقة عمل شلل الأطفال، لم تكن أي من المنظمات الدولية تلك قادرة على بدء حملة تطعيم خاصة بهم في شمال سوريا، ما أدى إلى بقاء اللقاحات في مخازن ولم يتم توزيعها.

في أواخر شهر يناير/كانون الثاني، واجهت الجولة الثانية المقررة لفرقة عمل شلل الأطفال والتطعيم تأخير بسبب نقص اللقاحات. وفي هذا الوقت، وجّهت منظمة الصحة الدولية فرقة العمل بالوصول إلى اللقاحات المخزنة لدى المنظمات غير الحكومية الدولية الثلاث التي تقدر بمليون جرعة غير مستخدمة. وافقت الهيئة الطبية الدولية ومنظمة أطباء بلا حدود على الفور وتم نقل مخزونها من لقاح ثنائي التكافؤ الفعال إلى دير الزور والمناطق الشرقية الأخرى. أما منظمة إنقاذ الطفولة في المملكة المتحدة لم تقدم اللقاحات المتاحة وقالت لفرقة العمل أن ربع مليون جرعة لقاح مخزنة في إدلب قد تم تدميرها. وبعد ثلاثة أشهر، في شهر مايو/أيار، علمت فرقة العمل أن منظمة إنقاذ الطفولة كان لا يزال في حوزتها 250000 جرعة، وأصدرت مرة أخرى طلب عاجل للقاحات.

في مايو/أيار وبعد محادثات مطولة بين مدير الصحة المحلي لمنظمة (أنقذوا الأطفال) وأعضاء فرقة العمل، والمسؤولين المحليين لمنظمة الصحة العالمية، قالت منظمة (أنقذوا الأطفال) إنّ اللقاحات لديها ووافقت على تقديمها، لكنها قالت أيضاً أن التخزين البارد لها في إدلب تعرّض للفشل في يناير/كانون الثاني عندما كانت الكهرباء متقطعة لستة وعشرين يوماً ولم يكن لديهم مولد احتياطي. أصر فريق (أنقذوا الأطفال) أن اللقاحات ظلت صالحة للاستعمال، ولكن مسؤولو منظمة الصحة العالمية، شعروا بالقلق إزاء جدوى اللقاحات بعد سوء التخزين، فطلبوا عينة منها. وخلص الدكتور راؤول بونيفاسيو مسؤول منظمة الصحة العالمية، إلى أن "هذه اللقاحات لا يمكن استخدامها في أي نشاط للتطعيم ضد شلل الأطفال."

فيما بعد تقدمت منظمة (أنقذوا الأطفال) بالمملكة المتحدة بطلب من مؤسسة غيتس للتمويل من أجل قيادة أنشطة التطعيم ضد الحصبة في محافظة إدلب. وبينما تم إلقاء اللوم على السياسيين المحليين لتأخير حملة شاملة لمكافحة الحصبة، تكرر اليونيسيف من خلال العمل تحت ستار السرية، أساليب منظمة الصحة العالمية من خلال تقديم لقاحات الحصبة فقط لفرقة عمل مكافحة الحصبة التي تقودها المعارضة السورية في حين تقدم للمنظمات غير الحكومية لقاحات أفضل للحصبة والحصبة الألمانية التي تقدم حماية واسعة.

مثل هذه العثرات بالإضافة إلى وحشية الجيش الحكومي السوري المتزايدة، يمكن أن تقوض جهود استئصال شلل الأطفال في جميع أنحاء الشرق الأوسط وعلى نطاق أوسع.

لا يعتبر شلل الأطفال المرض الوحيد المثير للقلق في سوريا، بل هناك عديد من الأوبئة وعلى رأسها وباء الحصبة والمئات من حالات السل المقاوم للأدوية المتعددة. كما أنّ هناك تفشي للإسهال الدموي في الرقة، والتهاب الكبد في الحسكة والتيفوئيد في حمص، وداء الليشمانيا في حلب وحتى النسخة القاتلة منه، وداء الليشمانيا الحشوي في ادلب. وتم اكتشاف حالات من الملاريا مؤخراً في اللاذقية. نشأت العديد من هذه المشاكل بسبب سنوات من الإهمال الحكومي وتفاقم فظائع الحرب العسكرية إلى حد كبير.

عندما تصبح حكومة دمشق هي المصدر الرئيسي للمشكلة الصحية العامة في سوريا فيجب على منظمة الصحة العالمية أن تنظر إليها على أنها شريك غير مناسب كلياً وغير موثوق لتقديم جهود الصحة العامة. ولكن حتى الآن لم تغير منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، ووكالات الأمم المتحدة موقفها، وتصرّ إنه لا يمكن أن تعمل دون موافقة الحكومة، مقدمةً بذلك شراكتها مع دكتاتورية وحشية على مسؤوليتها عن الصحة العامة. ومن السابق لأوانه تحديد ما إذا كان قرار مجلس الأمن الدولي الجديد سوف يغير بشكل ملحوظ هذه الحسابات. ولكن يجب ألا ينتظر مسؤولو الصحة العامة موافقة من مجلس الأمن، لاعترافهم بأن تعسّف حكومة دمشق هو سبب أزمة الصحة العامة ويجب على منظمة الصحة العالمية أن تغير منهجيتها المعتادة بالإذعان لهذه الحكومة أو أن تجلب منظمة أخرى لا تقيد عملها تلك الاعتبارات، فأطفال وشعب سوريا والعالم يستحق أكثر.

التعليقات