القطاع الزراعي في ظل نظام الأسد: جرائم وخسائر وولاءات!

القطاع الزراعي في ظل نظام الأسد: جرائم وخسائر وولاءات!

يقدم لنا المهندس الزراعي سامر كعكرلي في هذا الملف الهام، رؤية تشريحية لجرائم نظام الأسد الأب والابن، بحق القطاع الزراعي العام والخاص والتعاوني التي تعكس جزءاً من صورة (سوريا الأسد) وعبر سرد معلوماتي شيق، نقع على جوانب الخلل والفساد والإفقار الذي دفع ثمنه ملايين الفلاحين السوريين عبر تلك العقود العجاف.

يمكن تعريف القطاع الخاص الزراعي بأنه القطاع الذي يشمل المشروعات الزراعية بشقيها النباتي والحيواني، وشركات تجارة وتصنيع مستلزمات الإنتاج الزراعي وشركات تسويق المنتجات الزراعية، وشركات التصنيع الزراعي.

ويمكن تعريف القطاع الزراعي التعاوني بأنه مجموعة الجمعيات التي يتحد بها المزارعون فيما بينهم من أجل التغلب على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعترضهم من حيث توفير مستلزمات الإنتاج المختلفة وخفض تكاليفه، وتسويق المنتجات الزراعية وتأدية بعض الخدمات الاجتماعية وفقاً للمبادئ التعاونية.

ومن التعريفين السابقين يتبين لنا أهمية القطاع الزراعي بشقيه الخاص والتعاوني في سوريا، فهما المسؤولان المباشران عن تأمين السلع الزراعية للمواطنين، ابتداءً من باقة البقدونس وانتهاءً بالخضار والفواكه، كما يؤمنان احتياجات المواطنين من المنتجات الحيوانية من لحم وبيض وحليب ومشتقاته. وفي حقيقة الأمر فإن هذين القطاعين مكملان لبعضهما البعض.

وعلى سبيل المثال وبحسب إحصائيات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي لعام 2012، فإن القطاع الخاص الزراعي يساهم بالاستثمار الفعلي لمساحة تبلغ / 3183000 / هكتار ، أي بنسبة تقارب حوالي 55% من إجمالي المساحة المستثمرة في سوريا ، بينما يساهم القطاع التعاوني باستثمار / 2526000 / هكتار أي بنسبة 44.4 % ، وكذلك أنتج القطاع الزراعي الخاص / 421000 / طن من البطاطا أي بنسبة تبلغ 60.3 % من إجمالي إنتاج البطاطا ، بينما أنتج القطاع التعاوني / 277000/ طن بطاطا أي بنسبة 39.6 % من إجمالي إنتاج البطاطا، كما أنتج القطاع الخاص / 2138000 / طن قمح أي بنسبة تبلغ 59.2 % من اجمالي إنتاج القمح بينما أنتج القطاع التعاوني / 1471000/ طن قمح أي بنسبة 40.75 % من إنتاج القمح.

 قطاع خاص رائد في المنطقة!

وقد كان القطاع الخاص الزراعي السوري قبل سطو حزب البعث على الحكم منارةً لنظرائه في المنطقة، ساهم بشكل كبير في النهضة الإقتصادية لسوريا، وقد تعاضد في ذلك مزارعو وصناعيو سوريا... فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت المنتجات النسيجية التي تعتمد على القطن السوري المُنتج بأيادٍ سورية، والمصنّع أيضاُ بأيادٍ سورية، تباع في أعرق شوارع أوربا، ولعل القاصي والداني سمع عن تجربة شركة (أصفر ونجار) الزراعية التي كانت تزرع القمح والقطن والشعير والأرز في مساحات زراعية قدّرت بستين كيلومترا مربعاً موزعة بين (القامشلي) و(رأس العين) وهم أول من أدخلوا الوسائل الحديثة في الزراعة، حيث استوردوا الجرار الذي كان يعمل على وقود الكاز في عام 1936 وفي العام 1938 أدخلوا "التراكتور" والحصادة الدّراسة، ولا أحد يستطيع نكران تجربتهم الرائدة في الاستمطار.

وقد وعى مزارعو سوريا دورهم الرائد في النهضة الزراعية في سوريا مبكراُ، وبدؤوا بتنظيم أنفسهم بتنظيمات تدافع عن مصالحهم، وتساهم في استمرار النهضة الزراعية لبلادهم، حيث تم تأسيس أول غرفة زراعية في سوريا عام 1892 تحت اسم غرفة تجارة وزراعة دمشق، ومن ثم انفصلت غرفة زراعة دمشق لتصبح غرفة مستقلة عام 1927 وبذلك تكون غرفة زراعة دمشق من أعرق الغرف الزراعية في المنطقة، وتأسست غرفة زراعة حلب عام 1936، وتوالى بعدها تأسيس الغرف الزراعية في المحافظات السورية الثلاثة عشر ( بالنسبة لمحافظة ريف دمشق فإن مزارعيها ينتمون لغرفة زراعة دمشق ).

في عام 1958 صدر عن رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر القانون رقم /129/ الناظم لعمل الغرف الزراعية ، والذي عرّف الغرف الزراعية بأنها: "مؤسسات خاصة ذات نفع عام وشخصية اعتبارية هدفها خدمة المزارعين وتقديم العون لهم في أعمالهم الزراعية"، كما حدد القانون مهام وأهداف الغرف الزراعية التي تصب بمجملها في خدمة المزارعين. وبدأت الغرف الزراعية تمارس نشاطاتها في خدمة المزارعين.

 قطاع تعاوني يعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين!

وأيضاً تعتبر التجربة التعاونية في سوريا قبل وصول حزب البعث للحكم في سوريا تجربة رائدة فقط تم إنشاء أول جمعية تعاونية في دير عطية عام 1936 وقامت هذه الجمعية بإنجازات هامة تمثلت في شق قناة للري امتدت لأكثر من خمسة كيلومتر وقامت باستصلاح الأراضي ووفرت المكننة الزراعية لأعضائها.

ولكن، وبأسلوب بعثي أسدي في تعطيل كل ما هو جيد وجميل في سوريا قام نظام الأسد منذ استيلائه على الحكم في سوريا بتشويه تلك التجارب الرائعة لمزارعي وفلاحي سوريا وذلك عبر ربط فلاحي سوريا بمنظمة أشبه ما تكون بمنظمة أمنية هي الاتحاد العام للفلاحين، والسيطرة على الغرف الزراعية.

 التخريب في عهد الأسد!

أحدث حافظ الأسد الاتحاد العام للفلاحين عام 1974 (والذي ضم تحت مظلته كافة الجمعيات الفلاحية التعاونية) وجعل رئيس الاتحاد عضواً دائماً في ما يسمى القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.

كان رأس النظام يهدف بذلك إلى ربط جماهير الفلاحين بنظامه، وذلك عبر ربطهم بهذا الاتحاد الذي جعله سيفاً بيده مسلطاً على رقاب الفلاحين، وقد أمسك هذا الاتحاد بمفاصل الزراعة التعاونية في سوريا من تأمين مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة ومبيدات انتهاءً بتسويق المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والقطن والشوندر السكري والشعير لصالح الدولة (لاحقاً تم إلغاء تسويق الشعير عبر الدولة)، وحتى تربية أغنام (العواس) وتصديرها تم ربطها بالجمعيات الفلاحية التعاونية التابعة للاتحاد العام للفلاحين!

هذا الأمر أجبر المزارعين والفلاحين على الانتساب للجمعيات التعاونية الفلاحية المنتشرة في القرى السورية، ليس إيماناً بالتجربة التعاونية بل من أجل تأمين مستلزمات زراعتهم التي يعتاشون منها، وكما جميع مؤسسات الأسد نخر الفساد جسم هذه المنظمة، وأصبح توزيع مستلزمات الإنتاج مرتبط بالولاء لنظام الحكم أولاً، وبالمصالح الشخصية لقادة هذه المنظمة ثانياً، ولعل قضايا المُتاجرة بالأعلاف والبذار والأغنام التي يمارسها أعضاء هذا الاتحاد وأعضاء جمعياته ليست خافية على أحد. ووصل الأمر بأعضاء ما يسمى الاتحاد العام للفلاحين للتعدي وبوضح النهار وبحماية القانون على أملاك المزارعين والفلاحين كما حدث بقرية جنيد التابعة لمحافظة حلب حيث وضع أحد أعضاء الاتحاد العام للفلاحين مع مجموعة من إخوته أيديهم على مساحات من الأراضي على الشيوع بالرغم من وجود قرار لتوزيعها على أهالي تلك القرية.

 رؤساء غرف زراعية من نوع جديد!

أما بالنسبة للغرف الزراعية السورية الممثل الحقيقي للقطاع الخاص الزراعي في سوريا فقد تم تهميشها والسيطرة عليها من خلال السيطرة على انتخابات مجالسها ومكاتبها، وحيث أن قانون الغرف الزراعية المشار إليه أعلاه قد حدد أن مجلس الغرف الزراعية في المحافظات والمكون من اثني عشر عضواً ينتخب ثمانية منهم من قبل المُنتسبين للغرفة، والأربعة الباقين يعينهم وزير الزراعة والإصلاح الزراعي، فقد كان هدف المُشرِّع السوري حين صدور القانون عام 1958 بإعطاء صلاحية تعيين ثلث أعضاء مجلس الغرفة لوزير الزراعة، هو إحداث توازن في مجلس الغرفة ما بين النشاطات الزراعية المختلفة (فعلى سبيل المثال إن حدث ولم يفز أحد من قطاع الدواجن يقوم وزير الزراعة بتعيين ممثل عن هذا القطاع ليصبح مجلس الغرفة شاملاُ لكافة النشاطات الزراعية)... إلا أن الصورة اختلفت عما أراده المُشرّع السوري بموضوع التعيين في ظل نظام الأسد فأصبح تعيين أعضاء مجالس الغرف يأتي ترشيحهم من قبل أمناء فروع حزب البعث وبتزكية من الأفرع الأمنية في المحافظات وعن طريق القيادة القطرية، وعلى وزير الزراعة والإصلاح الزراعي الالتزام بتلك الترشيحات في تعيين أعضاء مجالس الغرف الزراعية دون النظر لكفاءتهم!

أما بالنسبة للأعضاء الثمانية المُنتخبين من قبل المزارعين المُنتسبين للغرفة فكانت الجهات الحزبية والأمنية (كما في كافة الانتخابات في ظل حكم الأسد) هي المشرفة على تلك الانتخابات ، فكان من غير الممكن انتخاب عضو لمجلس أي غرفة زراعية، إلا لمن ثبت ولاؤه، أما انتخاب مكتب الغرفة التي يتألف من خمسة أعضاء (رئيس الغرفة وأمين السر وخازن وعضوين مفوضين) فيتم انتخابهم من قبل مجلس الغرفة وينص قانون الغرف بعدم جواز حضور انتخابات مكاتب الغرف سوى أعضاء المجلس (المُنتخبين والمُعينين) وممثل لوزير الزراعة والإصلاح الزراعي، ولكن في حقيقة الأمر لم تجر أي انتخابات مكاتب الغرف الزراعية سوى بحضور ممثل فرع الحزب الذي هو بالضرورة ممثل الجهات الأمنية التي همها وصول الموالي لنظام الحكم ولمصالح الجهات الأمنية في المحافظة سواء كان كفؤا أم غير كفء.

وبهذه التركيبة ابتُليتْ الغرف الزراعية السورية بأشخاص آخر همهم الزراعة، وكل همهم مصالحهم الشخصية، فعلى سبيل المثال فإن رئيس غرفة زراعة دير الزور كان موظفاً إدارياُ صغيراً في الغرفة، وليس مزارعاً، ولكن قربه من الجهات الأمنية في محافظته جعله رئيس غرفة زراعة دير الزور، وفي اللاذقية استولى على رئاسة غرفتها لدورات عديدة ومتتالية (لغاية الآن) شخص كل مؤهلاته أنه زميل دراسة لحافظ الأسد في ثانوية (جول جمال)، والمضحك المبكي أن غالبية رؤساء الغرف الزراعية في كافة المحافظات ليس لهم علاقة بالزراعة لا من قريب ولا من بعيد، ومجرد امتلاكهم لقطعة أرض بغض النظر عن مساحتها أو عن استثمارها، كان كافيا ليصبحوا رؤساء تلك الغرف وطبعا بمباركة الأجهزة الأمنية.

 اتحاد آخر.. ولجان متخصصة!

عندما تم إحداث اتحاد الغرف الزراعية السورية بموجب قرار وزير الزراعة والإصلاح الزراعي رقم 27 / ت لعام 1990 كان الهدف المعلن من هذا الاتحاد، توحيد كلمة الغرف الزراعية في المحافظات تحت راية واحدة هي راية الاتحاد؛ ولكن الهدف الحقيقي لإحداث هذا الاتحاد كان في الواقع، تشتيت كلمة الغرف الزراعية لسهولة السيطرة عليها، وذلك بضمان وصول أشخاص لمجلس الاتحاد أصحاب ولاءات لا أصحاب كفاءات، ولذلك تم تسمية وزير الزراعة والإصلاح الزراعي رئيساُ لمجلس إدارة الاتحاد المكون من ثلاثة عشر عضواً يمثلون المحافظات السورية ومنح وزير الزراعة صلاحية حل مجلس الإتحاد كيفما شاء(1)، أمّا بالنسبة لمكتب الاتحاد المؤلف من خمسة أعضاء ( رئيس المكتب – أمين السر – الخازن – عضوين مفوضين) أيضاُ تم ضمان وصول الأشخاص الذين آخر همهم الزراعة وهموم المزارعين. وهذا يفسر وصول تاجر أجهزة منزلية كهربائية لرئاسة مكتب الاتحاد، وصاحب مصنع يخوت سياحية، ومالك شركة نقل سياحي ومتعهد إنشاءات وموظفين سابقين لمجلس الاتحاد وجميعهم توجهوا للغرف الزراعية لتحقيق مكاسب خاصة بعد معرفتهم بعدم ضمان وصولهم لباقي المنظمات التي ينتمون إليها بفعل نشاطهم الإقتصادي مثل غرف التجارة أو الصناعة!

ولزيادة الطين بلّة، فقد تم إحداث لجان متخصصة ضمن الاتحاد مثل اللجنة الرئيسية للدواجن ولجنة المبيدات ولجنة المعارض ولجنة أزهار القطف، وغيرها من اللجان، وعملياً تم تجميد عمل هذه اللجان باستثناء اللجنة الرئيسية للدواجن، وذلك لما لقطاع الدواجن من أهمية بالنسبة لأعضاء مجلس الاتحاد بسبب الدخل المالي الكبير الذي يحققه هذا القطاع لقاء تصدير بيض المائدة، ولكن في حقيقة الأمر سيطر على هذه اللجنة مافيا قطاع الدواجن الذين يسعون لمصالحهم الشخصية ضاربين بعرض الحائط بمصالح صغار المربين المنتشرين في سوريا، وتم حصر تصدير بيض المائدة بهذه اللجنة وأعضائها وطبعاُ مكاسب هذا التصدير تعود لهم ولأعضاء مكتب الاتحاد، وكذلك تم إعطاء أهمية كبيرة إلى لجنة المعارض التي كان من أهم مهامها اتخاذ قرار المشاركة بالمعارض الزراعية التي تقام في الدول العربية والأجنبية وبذلك يضمن أعضاء مكتب ومجلس الاتحاد ورود أسمائهم ضمن كافة الوفود التي ستشارك باسم المزارعين والمنتجين في تلك المعارض.

 مشاريع إنتاجية فاشلة!

وبهذه الآلية في قيادة الغرف والاتحاد فشلت معظم المشاريع الإنتاجية التي أقامتها الغرف بالتعاون مع الإتحاد لتأمين موارد دخل للغرف وللاتحاد، فها هي شركة (عصير الجبل) التي تساهم بها غرف الزراعة وصلت لطريق مسدود ولم تقدم أي ميزانية رابحة، وهاهو صندوق التأمين على الماشية الذي يعتبر رائداً في سوريا تم إفشاله ولم يستطع هذا الصندوق من تأمين مصادر دخل له وللغرف الزراعية عن طريق التأمين على الأبقار للمنتسبين للغرف ،(علماً بأن التجربة المصرية في مجال التأمين على الأبقار تمت دراستها بعناية فائقة من قبل شخص أكاديميي ولكن تم إبعاده عن هذا المشروع لأسباب مجهولة).

ولعل إحداث شركة (فيحاء الشام للتسويق الزراعي) من أكبر الأمثلة على نكاح الفساد بين منظمتين تدعيان تمثيلهما للقطاع الزراعي ألا وهما: (اتحاد الغرف الزراعية السورية) و(الاتحاد العام للفلاحين)، وذلك بهدف معلن هو تسويق المنتجات الزراعية بعد فرزهما وتوضيبها، و تم إحداث هذه الشركة على قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1990 بموجب قرار المجلس الأعلى للاستثمار رقم 214/م تاريخ 30/8/1998، وتم ترخيصها بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم /2199/ تاريخ 19/4/2000، ومنحت الشركة مساحة /60/ دونماً من أراضي أملاك الدولة الواقعة على الطريق الدولي بين دمشق وحمص في منطقة تدعى جسر بغداد (وطبعاُ دون مقابل)، وبلغ رأسمال الشركة المطروح للاكتتاب /400/ مليون ليرة سورية، اكتتب الإتحاد العام للفلاحين على نسبة 35 % واتحاد الغرف الزراعية السورية على 35 % من الأسهم أما باقي الأسهم فتم عرضها على القطاع الخاص فتم تسويق حوالي 9% فقط من الأسهم لبعض الشخصيات الإعتبارية مثل نقابة المهندسين الزراعيين وبعض الأفراد الطبيعيين.

وتم استيراد أحدث خطوط الفرز والتوضيب من إيطاليا. ومع ذلك لم تقم الشركة بأي نشاط تسويقي منذ تأسيسها باستثناء شرائها تفاح من سرغايا في العام 2004 حيث حققت خسارة مقدارها /3587665/ وتفاح من السويداء وحقق خسارة مقدارها /3542796/ في حين حققت ربحاً مقداره/ 304767/ل. س من تسويق كمية ضئيلة من زيت الزيتون. وما زالت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تتدارس موضوع هذه الشركة التي كانت حلماً جميلاً للمزارعين تسوق لهم منتجاتهم التي جهدوا لإنتاجها بأحسن المواصفات على مدار عام كامل.

غرف زراعية تنهش أرزاق المزراعين!

كل ذلك أدى لفقدان الغرف الزراعية السورية (عريقة المنشأ) دورها في قيادة القطاع الزراعي الخاص، بل أصبحت هذه الغرف بؤرة فساد تنهش في أرزاق المزارعين وتسلط عليهم أيادي الأمن وأجهزته، وبات المزارعون الذين لا حول لهم ولا قوة أسرى تلك الغرف، لعدم وجود أي جهة راعية له، وعدم تمكنهم من تأسيس جمعيات خاصة بهم تمكنهم من تسويق محاصيلهم على الأقل، وذلك بسبب منع قانون الطوارئ - الذي حكم البلاد لمدة أكثر من خمسين عاماُ - من ناحية، ومن ناحية أخرى احتكار الاتحاد العام للفلاحين واتحاد الغرف الزراعية والغرف التابعة له لمهمة التسويق التي تعتبر من أهم حاجات المزارعين، مع العلم بأن كل من اتحاد الغرف الزراعية السورية، والإتحاد العام للفلاحين لم ينجحا على مدار وجودهما في تسويق أي منتج زراعي، - طبعاً بغض النظر عن تسويق المحاصيل الإستراتيجية التي تسوق للدولة بشكل إجباري - وأيضاً لم تستطع المعارض الزراعية التي تشارك فيها كل من الغرف الزراعية واتحاد الغرف واتحاد الفلاحين من تأمين عقد تسويقي واحد للمنتجات السورية المتميزة، وذلك بسبب حرص أعضاء مجالس ومكاتب تلك المنظمات، على المشاركة بتلك المعارض بهدف السياحة والحصول على تعويض السفر، ولعلم الجميع فإن كافة صادرات سوريا من السلع الزراعية (مثل أزهار القطف وزيت الزيتون والتفاحيات وغيرها) تتم بجهود فردية من قبل تجار وتعود الفائدة القصوى من عمليات التصدير هذه للتجار المصدريين وليس للمنتجين الحقيقين.

وفي محاولة يائسة لتحسين دور الغرف الزراعية، طلب بعض الشرفاء من الغرف الزراعية ضرورة تعديل قانون الغرف الزراعية السورية رقم 129 ليتلاءم مع المعطيات الجديدة بعد مضي أكثر من خمسين عاماً على إصداره، وبالفعل تم إعداد مشروع قانون للغرف الزراعية في عام 2005، وتم رفعه للجهات الوصائية ليصار لإصداره عبر القنوات الرسمية (مجلس الشعب) ولكن نفوذ الإتحاد العام للفلاحين في مفاصل الدولة وتخوفهم على مكاسب أعضائه في حال تم صدور قانون حديث ينظم علاقة المزارعين مع ممثليهم بصورة أكثر ديمقراطية وشفافية.

وأيضاُ عدم جدية القائمين على اتحاد الغرف الزراعية بشكلهم المذكور بإصدار قانون عصري للغرف الزراعية حال كل ذلك من رؤية مشروع قانون الغرف الزراعية للنور.

ما الذي يمكن فعله؟!

والآن، وبعد قيام ثورتنا المباركة، والتي كان عمودها الفقري معظم سكان الريف السوري (أي المزارعين والفلاحين)، فإن المطلوب في سوريا القادمة... سوريا العدالة الاجتماعية، أن نفهم الدور الحقيقي والهام لمنظمات المجتمع المدني الحرة التي تُعنى بشؤون تلك الفئات من المجتمع، التي ظلمها حكم البعث مع العلم بأنه كان يحكم باسمها! وذلك بضمان وصول الأشخاص الذين يمثلونهم حق تمثيل، ورعاية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم.

وفي الوقت الراهن يمكننا البدء بوضع أسس لتلك المنظمات الحرة وإنشاء نويات لها على الأراضي المحررة من سوريا والبعيدة عن تسلط النظام حيث يمكن لتلك المنظمات القيام بأعمال لا يمكن للحكومة المؤقتة أن تؤديها كونها غير موجودة على الأرض، ولذلك يجب البدء فوراً وبشكل مُلح ببناء نواة لغرف زراعية حرة تكون على قاعدة خدمة المزارعين بشكل حقيقي بعيداً عن مصالح القائمين عليها، وكذلك بناء جمعيات تسويقية حرة تؤمن وبالتعاون مع الحكومة المؤقتة تسويق منتجات المزارعين في المناطق المحررة، وفي هذا المجال فإنه من الممكن للحكومة المؤقتة الاستفادة من التاريخ العريق لمفهوم منظمات المجتمع المدني، والاستفادة أيضاُ من الكفاءات التي تركت نظام القتل في دمشق.

هامش:

* (تم حل مجلس الاتحاد من قبل وزير الزراعة والإصلاح الزراعي عام 1999 وتم تعيين مكتب مؤقت للاتحاد مكون من موظفين في وزارة الزراعة كانت مهمتهم التحضير لإجراء انتخابات يُضمن بها وصول الشخص المناسب لوزير الزراعة مع العلم بأنه وبسبب الأوضاع الراهنة في سوريا التي أدت لعدم التمكن من إجراء انتخابات مجالس الغرف في المحافظات وذلك بعد انتهاء مدة المجالس القائمة منذ الشهر السادس من عام 2013، بل قام وزير الزراعة والإصلاح الزراعي الحالي بتمديد مدة مجالس الغرف ومجلس الإتحاد مرتين كل مرة لمدة عام مخالفاً بذلك قانون الغرف وقرار إحداث الاتحاد وذلك ترضية لرئيس مكتب الاتحاد الحالي الذي يغدق على سيادة الوزير الهدايا والعطاءات)

* مهندس زراعي سوري.

التعليقات (1)

    د. علي

    ·منذ 9 سنوات 9 أشهر
    كل هذا الكلام الآن ليس وقته. يجب أن نفكر بالحلول لإنقاذ 36مليون رأس غنم عواس 3 مليارات بيضة بالأ حصاء والارقام. كل شيء ممكن أن يبنى ولا ينقصنا سوى العزيمة وحسن الأختيار. سلام ياصحبي.
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات