بين العسكر والعسكر... انتحار ثورة

بين العسكر والعسكر... انتحار ثورة
(سلمية.. سلمية.. حرية.. حرية) هكذا بدأت الثورة في سورية من أجل كلمتين أضاءتا مشعل ثورة اتخذت من "الموت ولا المذلة" شعاراً لها، سواء أكانت في 15 آذار كما يحب أن يبدأها أصحاب الأحلام الليبرالية في أول مظاهرة انطلقت في سوق الحميدية من أمام المسجد الأموي، أو 18 آذار بحسب تاريخ المظاهرة التي انطلقت من أجل إطلاق سراح الأطفال في درعا، والذين أصبحوا رمزاً لهذه الثورة التي توجت الربيع العربي بثورة شعب سميت فيما بعد بـ"ثورة الكرامة" التي تباهى بها السوريون أمام "ثورة الياسمين" في تونس، أو "ثورة ..." في مصر، ولعل أسمى أهدافها كان إنهاء الظلم والاستبداد، وإنهاء حكم العسكر الذي استبد بالبلاد، وقهر العباد، وحول الدولة إلى مزرعة لأقارب هؤلاء العسكر، وأصبحوا يعيثون بها فساداً، غير مبالين بشعب استكان بعد مجازر حماه عام 1982، مع صمت دولي، ولا مبالاة دول الجوار .

لعل فرضية أن يكون رئيس الدولة من العسكر، هي كلمة السر للاحتفاظ بهذا الحكم حتى للأولاد، فبعد مقتل الابن الأكبر للأسد الأب قام باستدعاء "بشار" من دراسة الطب ليقحمه في الجيش برتبة نقيب، ثم زُجّ به في كم من الدورات العسكرية كممثل للقائد العام، بغية الدخول في غمار هذا المجد الذي سيصل به إلى رتبة فريق بعد وفاة الأب، ليكون هو الرئيس الملهم اعتماداً على رتبته العسكرية في السيطرة على مقاليد الحكم التي لا تستتب إلا بوجود رجل عسكري برتب وأوسمة، ونشر صوره التي تحتفي باللباس العسكري لإثبات أن القائد الأوحد للدولة المدنية هو رجل عسكري، ولا يقود المدنيين إلا العسكر، غير مبالٍ بالديموقراطية ودولة المؤسسات التي تحفظ حق رئيس الدولة بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولكن ضمن ضوابط يحددها البرلمان المنتخب بالديموقراطية ذاتها التي تعطيه هذا الحق!

الاعتقاد الجاثم على صدر الديكتاتور، وبشكل دائم، أنه في أية لحظة سوف يثور الشعب عليه، ويسلبه حياته ومناصبه التي لا تعد ولا تحصى. ولذلك فهو يجعل من شعبه عدواً دائماً ليسلط عليه قوى خفية تحصي عليه حركاته وسكناته، ومع أول صرخة لوقف هذا القهر يأتي دور هذه القوى الخفية والمناصب لجعل الشعب عدواً حقيقياً وعميلاً لقوى تستهدف الوطن المختصر في شخصيته المريضة.

إلا أن الثورة، وبعد أكثر من ثلاثين شهراً، بدأت تنتج هذا الفكر العقيم الذي تسلل إلينا؛ لم نستطع أن نخرج من البزة العسكرية وتقاليدها في كسر الأحلام و تحطيم كل مفاهيم المواطنة، وقد ظهر هذا جلياً في ميثاق للجبهة الإسلامية التي ضمت أكبر سبعة تشكيلات عسكرية إسلامية، والتي يتوقع البعض أن عدد مقاتليها يتعدى حدود الـ 70 ألف مقاتل. في هذا الميثاق تعرف الجبهة الإسلامية: " هي تكوين عسكري سياسي اجتماعي إسلامي شامل " أي أن هؤلاء العسكر ليس هدفهم فقط تحرير سورية من نظام الطاغية، وإنما أيضاً هم سياسيو المرحلة المقبلة، وذلك أن هدفهم هو بناء دولة إسلامية، ويكون التشريع الإسلامي هو الموجه للفرد، والدولة، والمجتمع. وأعتقد أن مثل هذه الفكرة تحاكي المادة الثامنة في دستور الأسد الأب -مع تحفظي على المقارنة التي لا تستوي هنا- و لكن من يريد أن يحمي الثورة ويحررها من أجل السوريين، عليه أن يذهب باتجاه الجميع، واعتبار أن "ما يسمى بالديموقراطية التي تعطي الحق للشعب في التشريع وانتخاب ممثليه عبر مؤسسات تمثيلية، يناقض حكم الله" وأنه "لا يصلح أمر الأمة إلا بمبدأ الشورى، الذي يعتمد على أهل العقد والحل".

غير أن هذا الميثاق يعترف بالحقوق الكردية كاملة، على ألا تؤدي الى تقسيم سورية على أساس عرقي أو قومي، والميثاق نفسه اعتبر أن القومية العربية أكذوبة ولا معنى لها!

أعتقد أن ما يرمي إليه هذا الميثاق هو تجريد السوريين العرب من عروبتهم، و تثبيت كردية الأكراد السوريين؛ علماً أن معظم الأكراد السوريين هم من المسلمين، كما هم العرب السوريون، فما الداعي لإنكار العروبة وإجازة الكردية ؟!

قد يزج بي البعض في خانة "التكفير"، وأنني ضد الدولة الإسلامية التي تعطي لكل ذي حق حقه ؟

لهؤلاء أقول: "لست ضد الدولة الإسلامية التي تبنى على أسس صحيحة، بعيدة عن سيطرة العسكر الذين يريدون فرض مشيئتهم إما بالقوة العسكرية- كما كان الحال في دولة البعث- أو عبر رجال الدين أصحاب المصالح، وتدجين الشعب للامتثال لإرادة السلطة العسكرية الدينية التي تحكم مجتمعاً مدنياً- كما دأب على ذلك السلاطين العثمانيون خلال الاحتلال العثماني الذي أدخلنا في زوبعة الجهل.

أعتقد أن بناء دولة مدنية ديموقراطية ذات مؤسسات تمثيلية تصل عبر صناديق انتخابات نزيهة، وتكون سلطاتها الثلاث منفصلة عن بعضها ولها استقلاليتها، ويكون التشريع الإسلامي هو التشريع الأساسي للدولة فيما يتعلق بالمسلمين، مع حفظ حرية ممارسة الشعائر للأديان الأخرى، وضمان تطبيق تشريعاتهم الخاصة فيما يتعلق بأمور دينهم.

من حقي أن أختار من يمثلني، وألا يغتصب أي شخص السلطة، و ليكن عمل العسكر حماية البلاد، لا حكمها!

التعليقات (2)

    Békeso

    ·منذ 10 سنوات 7 أشهر
    ان أساس نازية البعث اعتماد النظرية النازية في تكوين الأمم, نظرية اللغة والتي أردفتها بالمغالاة الشوفينية فالعنصرية وسياسة الابادة العنصرية والثقافية. وعروبة السوريين- وهنا لا نتحدث عن العرب الحقيقيين, الذي يوثق سبعة أباء في نسبه بكل سهولة- هي عروبة لغوية, ناشئة أصلا عن لغة القرآن فسياسة التعريب لاحقا. علما أن الفرق كبير بين عروبة القرآن الجامعة وعروبة العوربة العنصرية والتي يمثل البعث العنصري أحد أقبح وجوهها. وهل فرضت على[مرهف] لغة أخرى حتى نقول جُرّد من عروبته!أو هوية عنصرية يشعر أنها لاتمثله!؟

    مرهف دويدري

    ·منذ 10 سنوات 7 أشهر
    عزيري بيكاسو انا اتكلم عن العسكر الذين صادروا ثورة شعب يريد حرية و كرامة و ان تكلمت عن العروبة فانا بعيد عن الفكرة البعثية و افترضت اني قلت رأيا انا لم اذهب الى اليه ابدا ... لو قرأت المقال بتمعن اكثر لوصلك ما اريد قوله ... الزج بالمصطلحات الكثيرة و سياسة التعريب و ووووو الخ غير موجودة في المقال عزيزي انا اناقش ميثاق الجبهة الاسلامية فقط عد الى المقال و انت ستكتشف ذلك مودتي لك
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات