السوريون و متلازمة الـ "معلم"

السوريون و متلازمة  الـ "معلم"
في موروثنا الشفاهي السوري حكاية تتناقلها الأجيال، وكل جيل ينسبها إلى جيل الآباء أو الأجداد على أبعد تقدير، وللأمانة أن معظم السوريين يقص هذه الحكاية القصيرة بتهكم ملحوظ، وهي مرتبطة بالضرورة بمفهوم السوبرمانية– إن جاز التعبير– التي يتميز بها السوري أياً كانت ثقافته، أو تعليمه، أو حرفيته، ولذلك يقال، وأقتبس بالعامية (السوري ما في أفهم منو!) من هذه العبارة، بدأت عضلات الأنا السورية تتضخم وتتورم حتى وصلت إلى درجة أنه لا يستطيع أن يرى أبعد من أنفه.

تقول الحكاية أن صبياً عمل عند الحداد ليوم واحد، وفي اليوم الثاني عندما سألته أمه لماذا لم تذهب إلى محل الحدادة، فحدثها عمّا يفعل الحداد، وعندما أتى الحداد إلى بيت الصبي، شرحت الأم ماذا يفعل الحداد، وأن ابنها تعلم المهنة، فقال لها المقولة الشهيرة جداً، التي ذهبت مثلاً إلى يومنا هذا، يقول: -بالعامية– (يسلم تمو، تعلّم وعلّم امو).

من وحي هذه الحكاية الشعبية، استطاع السوري أن يفعل ما يحلو له في الوقت الذي يراه مناسباً؛ في بداية التسعينيات، عندما بدأت رحلات العمالة السورية باتجاه اليونان، وقبرص، ولبنان، وكان معظمهم لا يجيد مهنة محددة، فيعمل في هذه المهنة لمدة عشرة أيام، ثم يترك العمل، وعندما يسأل: "ماذا تعمل؟" يقول بكل ثقة بالنفس "أعمل كذا" مشيراً إلى المهنة التي عمل فيها الأيام العشر، وكأنه أفنى حياته في هذه المهنة، ومن هنا خرج علينا مصطلح أصبح فيما بعد صفة مديح وتقرب، وهو مصطلح –معلم– وعندما يُسأل هل تعرف في هذه المهنة جيداً؟ يبتسم ابتسامة هازئة، ويقول كلمته بثقة عالية جداً بالنفس: (معلم).

عندما بدأت الثورة السورية أصبحت لدينا مهن جديدة، استطاع السوري أن يشكلها كما يحلو له، بدون حساب، فنحن في زمن ثورة، وفي الثورات كل شيء قابل للتشكل والتغيير، وخرجت علينا طبقة "المعلم" في هذه المهن، التي بعضها مأجور مادياً، والبعض الآخر غير مأجور مادياً، ولكنه مأجور معنوياً بصفة "المعلم" الذي لا يشق له غبار، فبدأت من تصوير المظاهرات، ليتحول بعدها المصور إلى إعلامي، ثم "معلم إعلامي"، ولا يستطيع أي شخص أن ينتقد فكرة موجودة لديه على أساس أنه معلم في هذا الموضوع، وأين كنا نحن عندما كان يصور المظاهرات؟ والبعض صعد بشكل أكثر جرأة ليصبح إعلامي مراسل، أو ما يسمى بالإعلامي المواطن، الذي يبث أخباراً، في بعضها لبس قد يضر أحياناً بمصداقية الثورة، إلا أن الإعلامي المراسل، "المعلم"، لا يستطيع أن يسمع سوى صوت أناه التي بدأت بالتورم شيئاً فشيئاً، وطالت الثورة، وطال العمل فيها، وبدأ الغطاء ينكشف عن بعض "المعلمية"، وتخبو ظاهرة "المعلم" لسبيبن أساسيين، أولهما، كثرة المعلمين في هذه الثورة، وثانيهما هو عدم مهنية هؤلاء المعلمين، فكان لابد من الدخول في سرداب جديد، للخروج بضجة إعلامية تثير الرأي العام، فكان إما الخروج علينا بأفكار على مبدأ "خالف تعرف"، أو على طريقة الفنانين المغمورين، فتبدأ ببوست على الفيسبوك من حساب احتياطي على أن الإعلامي "فلان" خطف و قطع معه الاتصال، والجهة التي اختطفته مجهولة، و بعد يومين لا أكثر يخرج علينا ليحدثنا عن رواية اختطافه، بطريقة هوليودية استوحاها من فيلم السهرة على إحدى قنوات الأكشن مع موالح ومياه غازية..

والحقيقة أن فكرة المعلم لا تقف عند الناشطين، فهي ظاهرة معقدة ومتشعبة عند السوريين؛ مثلاً، المعارضة السياسية بكل تياراتها ومجالسها، والائتلاف، لا تخلو من فكرة "المعلمية" الافتراضية، ولعل سبب تفكك المعارضة السياسية أن كل شخصية في هذه المعارضة ترى نفسها معلم، والآخرين هم صبيان عندها، من مصطلح معارض تقليدي، إلى معارض ثوري.. ديموقراطي.. إسلامي.. الخ من هذه المصطلحات، وكل يدعي وصل ليلى..

إلا أن "معلمية" المعارضة السياسية ذهبت إلى أبعد من ذلك، فهم يتبادلون الاتهامات فيما بينهم على أساس أن النظام سقط وانتهى أمره، ودخلوا في انتخابات حرة، وبدأت المعركة الانتخابية.. فالسيد ميشيل كيلو الذي يعرف عن نفسه بأنه "معارض تقليدي"، قال على إحدى القنوات: "إن لم يقبلوا بكامل الكتلة، سأقول كل ما أعرفه" وكانت "ضربة معلم" و دخل بـ 17 عضواً في الائتلاف، لتكون كتلته المرجحة، وطبعاً لا ننسى هيثم المالح الذي يعتبر نفسه الأب الروحي للثورة، و كمال اللبواني الذي يرى نفسه الرئيس القادم لسورية... الخ من الأسماء التي فرضت علينا، ولكن الطامة الكبرى في أولئك الذين لا يفرقون بين ليبرالي وراديكالي ممن جلسوا على مقاعد المجلس الوطني أو الائتلاف ممثلين للشعب السوري، دون دراية بما يريد منهم الشعب السوري، فظهرت طبقة من سياسيي الصدفة الذين بدؤوا يعلمون الشعب مفهوم الديموقراطية، وألف باء السياسة، و أصبحنا نلقبهم بـ (معلم)!.

التعليقات (2)

    آدم

    ·منذ 10 سنوات 9 أشهر
    كلامك بيدل على انك معلم بحق و حقيق و تلامس الواقع المخزي الذي آلت اليه ثورتنا المفقودة ... حسبي الله و نعم الوكيل

    حزم

    ·منذ 10 سنوات 9 أشهر
    يبدو أن الأخ مرهف نسي ان بدء تشكل وسائل الاعلام المجتمعي هي اول دليل على ان هذا المجتمع يتحول الى مجتمع مدني وان البدايه دائما تكون مليئه بالعثرات والاخطاء في حركات تطور وتغير المجتمع على العموم نقد بناء لا يمكن إلا ان احترمه ولكن هذا التطور الذي يشهده المجتمع السوري هو من اهم المراحل التي ستؤدي به للوصول إلى حكم المجتمع المدني للدولة
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات