وحدة الساحات أم الساحة الواحدة؟

وحدة الساحات أم الساحة الواحدة؟

لم أتفاجأ شخصياً من خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله الأسبوع الماضي، والذي أكد أو أقر فيه بوهم وحدة الساحات والجبهات، علماً أنه دافع ونظّر عملياً لفكرة ترك جبهة غزة وحيدة بعد أربعة أسابيع من القتل والبطش والإجرام والتنكيل الإسرائيلي، واستشهاد وإصابة عشرات آلاف وتهجير الملايين، وتدمير نصف قطاع غزة بالكامل ببيوته وطرقه ومؤسساته وبناه التحتية ومظاهر السلطة والسيادة فيه.

 

اعتقدت دوماً - كما كتبت هنا مراراً - أن قصة وحدة الساحات هي وهم خالص، وأن إيران وأدواتها وميليشياتها ليسوا بوارد الانخراط الجدي في أي معركة بفلسطين، ولا الاصطدام المباشر لا مع إسرائيل ولا مع الولايات المتحدة، وإنما عقد الصفقات معهما حيثما أمكن، كما جرى في العراق منذ الغزو الأمريكي، وسوريا منذ اندلاع الثورة والاستنفار لدعم بشار الأسد. وأخيراً في لبنان مع صفقة ترسيم الحدود البحرية مع الدولة العبرية بوساطة أمريكية، والتي قبل فيها الحزب ما رفضه أمين الجميل في اتفاق 17 أيار 1983 الشهير.

 


قبل الحرب الحالية خاضت غزة خلال عقد تقريباً أربعة حروب كبرى وعدة جولات ومعارك قتالية مع إسرائيل، صمت فيها حزب الله وأمينه العام ولم يحرك ما يسمى محور الممانعة ساكناً نصرة لغزة وأهلها. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الحديث بالتفصيل عن آخر حربين، في 2014 و2021 وجولتي قتال بـ2022 و2023، حيث صمت حزب الله واختفى أمينه العام عن السمع تماماً كما فعل في هذه الحرب أيضاً قبل أن يظهر بعد شهر ليؤكد ما كنا نعرفه عن المعطيات والاستنتاجات السابقة.

 


في حرب العصف المأكول 2014 صمت حسن نصر الله وغاب عن السمع تماماً واكتفى باتصال هاتفي يتيم مع  خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك بعد أسبوعين من الحرب ظنّاً منه أنها لن تطول كثيراً بينما ظهر مسؤول الحرس الإيراني قاسم سليماني علناً باليوم 33 مكتفياً بالدعاء لغزة.

 


وتكرر الأمر نفسه في معركة سيف القدس التي استمرت أسبوعين تقريباً – مايو/ أيار - 2021 حيث اختفى أيضاً نصر الله وغاب عن السمع تماماً، وتم ترويج شائعة أنه مريض بالإنفلونزا لتلافي الحرج ولتبرير عدم الإعلان عن موقف صريح من الحرب، وقام الحزب بحملة توزيع خبز في الضاحية الجنوبية على نية شفائه لتكريس قصة أو كذبة مرضه وإعطائها إطاراً أكثر مصداقية.

 


استمر المنحى نفسه في جولتي القتال ضد الجهاد الإسلامي أيار/ مايو هذا العام، وآب/ أغسطس الذي سبقه رغم اعتبار الجهاد حليفة محور الممانعة المقربة والوصية على المقاومة، وانتقاد حماس بحجة عدم مشاركتها وترك الجهاد وحيدة بالميدان.  

 


لكن قبل الخوض في مقاربة الحزب والمحور لحرب غزة الراهنة لا بد من استعراض مسيرة الثلاث أو للدقة خمس سنوات منذ إطلاق عملية المصالحة بوساطة إيران وحزب الله بين حماس ونظام الأسد، لتبييض صفحة هذا الأخير وتبرئة إيران وحلفائها من جرائمهم الموصوفة، ودعمهم الثورة المضادة بالعالم العربي من سوريا شمالاً إلى اليمن جنوباً، ومن العراق شرقاً إلى لبنان غرباً، الذي تحول إلى دولة فاشلة منهارة تحت سيطرة حزب الله وإيران.

 


قيل إن ذلك كله كان دفاعاً عن محور الممانعة والقضية الفلسطينية والمقاومة، خلال تلك الفترة جرى الحديث دائماً عن رواية أو قصة وحدة الساحات، وأنه لن يتم الاستفراد بأي من أعضاء المحور المزعوم، وعند اندلاع أي حرب ستشتعل الجبهات كلها وستتغير قواعد اللعبة مع التأكيد دائماً على أن إسرائيل باتت في أضعف حالاتها مع انقساماتها وخلافاتها الداخلية العاصفة وأن الفرصة باتت مواتية تماما ًلهزيمتها وإزالتها من الوجود بثوانٍ أو دقائق أو حتى ساعات وأيام. كما كان يردد الحشد الشعبي الإعلامي خاصة مع التأثير السلبي لتلك الخلافات على حال الجيش الإسرائيلي وتماسكه، والذي بات في أسوأ أوضاعه، وأن الجميع بانتظار حرب تنخرط فيها كل الجبهات لإيقاع هزيمة نهائية بإسرائيل وداعميها.

 


ولكن مع اندلاع حرب تشرين الأول أكتوبر الجديدة 2023 ردت إسرائيل على عملية طوفان الأقصى بحرب مجنونة، قتلت وأصابت فيها خلال شهر فقط عشرات الآلاف، وشردت الملايين ودمرت نصف غزة وبناها التحتية ومبانيها ومؤسساتها دون أي ردّ فعل مع صمت أمين عام حزب الله واختفائه عن السمع ولم يتم تفعيل وحدة الساحات رغم تقديم تعهدات وتطمينات صدقها ووثق بها المقاومون الغزاويون مفادها أنهم لن يُتركوا وحدهم بالميدان.

 


أمام الحرج بمواجهة جرائم الإبادة الإسرائيلية ولحفظ ماء الوجه جرى اتباع قواعد اشتباك مضبوطة وتحت السيطرة بجنوب لبنان التي خسر فيها الحزب عشرات من مقاتليه لكن دون أن تصل الأمور إلى حد فتح جبهة جديدة شمالاً وتجسيد جدي لوحدة الساحات وتشتيت جهود إسرائيل وتخفيف الضغط عن الجبهة الجنوبية بغزة.

 


 إلى ذلك كان الصمت المدوي على الجبهة السورية رغم الزعم بمركزية بشار الأسد في المحور المزعوم مع رفع إسرائيل السقف وتكريس معادلة جديدة لحظت تهديد بقاء نظام الأسد نفسه إذا تم تفعيل جبهة الجولان ما يفسر كذلك صمت الأسد وغيابه المدوي عن السمع أيضاً.

 


جرت الاستعاضة عن فتح جبهتي لبنان وسوريا المجاورتين لفلسطين المحتلة بردود صاروخية خجولة وبالتنقيط من اليمن البعيد، ولفهم واستيعاب والإحاطة بما جرى تمكن المقارنة مثلاً بالصواريخ المكثفة والمركزة التي تم إطلاقها من اليمن على السعودية والإمارات خلال الأعوام الماضية.

 


بدا النفاق حاضراً أيضاً برد فعل النسخة العراقية من الحشد الشعبي حيث للميليشيات والمقاتلين وجود فعلي في سوريا دفاعاً عن بشار الأسد ونظامه ولكن دون جرأة أو شجاعة للرد على إسرائيل من هناك بينما طلبوا فتح حدود الأردن أمامهم للجهاد في كذبة مفضوحة ونفاق وانفصام موصوف. 

 

تأكيداً للمعطيات والحقائق السابقة أطل أمين عام حزب الله بعد شهر من الحرب حيث لم يستطع التواري أكثر أمام حدة البطش والإجرام الإسرائيلي بغزة والدعوات للرد، حتى من قواعده وهم من تربوا لسنوات على النظريات والشعارات وشرعنة كل الممارسات بلبنان والمنطقة بحجة الدفاع عن فلسطين والمقاومة، وفق فكرة وحدة الساحات والجبهات.

 

إذن لم يستطع أمين عام حزب الله الاختباء والتواري أكثر أمام فظاعة  وبشاعة الجرائم الإسرائيلية بغزة كما شهرة الناطق باسم كتائب عز الدين القسام أبو عبيدة، وفي ظهوره قدّم حسن نصر الله تحليلاً سياسياً  طويلاً ومملاً، وعملياً ترك غزة وحدها مع  طمأنة لإسرائيل وتأكيد لقاعدة عدم التدخل، بينما بدا المنحني التنازلي والهابط لوحدة الساحات وأكذوبة عدم الاستفراد بغزة عبر تصريحات وتسريبات الحشد الشعبي الإعلامي عن مصادر بالضاحية الجنوبية وطهران من انتظار التدخل الدولي لوقف الحرب إلى انتظار العملية البرية ثم عدم توسيعها كي لا تكون اجتياحاً شاملاً وإنما موضعي مع اليقين بعدم استطاعة الإسرائيلي القضاء على حماس الصامدة دون حاجة لتدخل أحد أو تفعيل الجبهات الأخرى كونها قادرة وحدها على الدفاع عن نفسها. 

 


 يقال دوماً بالإعلام العبري إن حزب الله استثمار ورأس مال إيراني وإنه لن ينخرط-بعد لو كنت أعلم بتموز 2006 يوليو - بحرب مباشرة ضد إسرائيل وبكل قوته إلا دفاعاً عن إيران نفسها ولذلك جرى تهديد وإغراء هذه الأخيرة بسياسة العصا والجزرة ما يفسر تعليق صحيفة وول ستريت جورنال على خطاب نصر الله المهادن والمطمئن باعتباره نجاحاً للإستراتيجية الأمريكية بالمنطقة وخضوعاً للتهديدات خشية أن تدفع طهران الثمن.

 


في السياق الأمريكي، لحظ موقف واشنطن كذلك الضغط على إسرائيل لمنع عملية استباقية ضد حزب الله دعمها وزير الدفاع يواف غالانت وكبار جنرالات جيش الاحتلال والطلب من تل أبيب عدم المبادرة للحرب كون الإدارة الامريكية لا تريد لبنان مدمراً تماماً وإنما دولة فاشلة تحت سلطة ومسؤولية حزب الله.

 

في الأخير وباختصار وتركيز نحن أمام دليل وبرهان إضافي على وهم وأكذوبة وحدة الساحات بينما تبدو غزة الساحة الوحيدة التي تواجه إسرائيل جدياً بعدما ترك محور الممانعة حماس بالميدان بحجة أنها قادرة وحدها على الصمود مع تحركات وممارسات أقل من اللازم ومتأخرة أكثر مما ينبغي وتهدف أساساً الى قطع الطريق على فكرة وحدة الساحات والجبهات والالتفاف عنها لا تكريسها بشكل فعلي على الأرض.

التعليقات (1)

    Ayman Jarida

    ·منذ 3 أشهر أسبوعين
    وحدة ساحات المظاهرات وليس المعارك
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات