فلسطين ونبوءات الشيخ سلمان

فلسطين ونبوءات الشيخ سلمان

ما يحصل على أرض غزة يعيدك إلى جذور القضية الأولى، والتي زُرع فيها بذور التآمر منذ تاريخ قيام دولة إسرائيل، وأن الخلافات والمؤامرات كانت الإسفين الذي مكّن إسرائيل من تحقيق أهدافها وإعلان دولتها على أرض فلسطين، وقد يكون في اللجوء إلى بعض السير والكتابات والذكريات شيء من عزاء أو اكتشاف لبذرة ما حصل ويحصل منذ أكثر من سبعين عاماً، الذكريات عادت بنا إلى استشرافات عبد السلام العجيلي رحمه الله، ابن مدينة الرقة السورية، الطبيب والروائي وعضو برلمان سوريا ما قبل النكسات والنكبات، وأحد أصغر وزراء سوريا حينها، حيث يعيدنا العجيلي لأيام مشاركته بجيش الإنقاذ لتحرير فلسطين.

فأحداث القصة تفاجئنا اليوم بعد أكثر من عشرات السنوات على كتابتها بأنها صارت حقيقة مُرة، وأصبحت القضية الفلسطينية قضية مساومات ومزاودات وخطابات.

ومنذ ذلك الزمن الذي تم التآمر فيه على قضية فلسطين، ذهب العجيلي حالماً بالحرية ويتصدى للاحتلال الذي يهجّر ويقمع ويقتل أهل الأرض المحتلة، ويشنّع على الذين يتآمرون على بلادهم، ويزعمون أنهم حُماتها، ويبيعونها في سوق النخاسة السياسية، يعبّر عن ذلك متوارياً وراء أحداث التاريخ، وبلسان إنسان مقهور. 

العجيلي الذي عايش القضية الفلسطينية ميدانياً منذ بدايتها، حينما حمل بندقيته، مشاركاً في حملة جيش الإنقاذ وفرق المتطوعين، إلا أن دخول تلك القوات واستعداداتها لم تكن بمستوى الاستعدادات الصهيونية، من حيث عددهم ونوعية سلاحهم، إلى جانب الكفاءة القتالية من خلال الخبرة المكتسبة، نتيجة انخراطهم في الجيوش الأوروبية المقاتلة خلال الحربين العالميتين، مع وجود قوة جوية مساندة، في حين كان جيش الإنقاذ فرق متطوعين حديثة التشكيل بعيدة عن الاحتراف القتالي.

في الجيوش النظامية، زاد في مأزقها والحد من فاعليتها تولي الملك الأردني في ذلك الوقت عبد الله بن الحسين لقيادتها الأسمية، بينما تولى القيادة الفعلية غلوب باشا الضابط البريطاني، وعن قيادته يورد العجيلي: "غلوب باشا أبو حنيك كان هو القائد الفعلي للجيوش العربية مجتمعة وهذا يفسر كثيراً من مصائبنا في تلك الحرب"

 وعن قيادة الملك عبد الله يقول: الملك عبد الله أصرّ على أن تكون القيادة العامة في الجيوش العامة لـه، وحصل عليها وكانت القيادة لـه اسماً "

وفي ظل ذلك الاستعداد غير المتكافئ، وتحت إمرة قيادة مقرّرة سلفاً، وقبل الشروع في القتال تم تحديد المناطق التي يجب التخلي عنها، أو تسليمها للقوات الصهيونية، لذا سُيرت الجيوش العربية إلى أفخاخها المرسومة لـها، فالملك عبد الله همّه تثبيت كيان مملكته الوليدة.

 أما رئيس أركان الجيوش العربية الفعلي غلوب باشا فهو أدرى من مليكه بالنوايا والمخططات المرسومة. 

أما الشعب الفلسطيني فقد عاش يوميات النكبة بين أمل الخلاص من الاحتلال بعد دخول جيوش الإنقاذ، وبين نار العصابات الصهيونية المسلحة، لتتم بعدها النكبة ويُشرّد الملايين إلى الدول المجاورة. في الوقت الذي فشل مشروع النهوض العربي في تحقيق القومية الموحدة، وبقي الجهد العربي المناهض لقيام دولة إسرائيل يعتمد على الفعل ورد الفعل الذي لا يساويه، لا في القوة، ولا يجاريه في الاتجاه، فيما كانت إسرائيل تسير وفق خطة مرسومة وممنهجة، وبعد مؤتمر مدريد، واتفاقيتي، أوسلو ووادي عربة، سجّلت الأنظمة العربية انسحاباً من دائرة الفعل التاريخي، وأصبحت إرادة الحكام العرب مرتهنة بإرادة خارجية، ولذا تفرّق جهدهم وتحوّل إلى مجرد أصداء لا يؤبه بها، ومن هذا المنطلق انساق العديد من الحكام العرب للتطبيع مع إسرائيل في ظل انعدام توازن القوى، بين من اعتدى واغتصب، واحتل الأرض، ومدجّجاً بأعتى الأسلحة وأحدثها، وبين من اعتُدي عليه، واغتُصب وطنه، وتحوّلت مفردة السلام إلى مفردة التسوية التي لا تحقق العدالة بل تعطي الحقوق المغتصبة للأقوى. 

لحظات الاستشراف عند العجيلي، وضعها من خلال روايته "فارس مدينة القنطرة" وهي تضم خمس قصص: والتي تحمل إشارات حول الحقوق المغتصبة، والوطن الذبيح، وأشار بتورية إلى ما حدث في مدينة القنيطرة السورية، لا سيما وأنه كتبها في كانون أول 1967، أي بعد احتلالها ببضعة أشهر؟! فتقرأ في هذه القصة مثل هذه العبارات:

"هل يحولُ بغضك لـ "ابن ساعر" دون أن تحمل سيفك وتركب فرسك، وتذُبَّ عن دينك ودارك فقال: إن ابن ساعر فاسق لا يصح له جهاد، وأنا على مثل اليقين من أنه.. يريد أن يذبحنا وأولادنا لتَخْلُصَ له البلد.."

"أعرف أن الله لا ينصر قوماً يؤمّرون ابن ساعر عليهم"

"إن المُضَريّة من أهل القنطرة والجزيرة ندبوا أنفسهم للجهاد حين تجاهلهم الأمير فلم يُعْطهم سلاحاً، ولا دعاهم إلى مشورة حرب."

"ابن ساعر ما هو إلا عدو لدود لهذه الأمة، وقد جانَبَ أولياءها، وقرّب أعداءها"

"أفلا خبَّرتني كيف جرى ما جرى، وأضَعْنا فرساننا، وسُلبت منا ديارنا؟"

"كيف خرجنا من القنطرة، وعلْمي بها أنها أمنع من عُقاب الجوّ، قلعةٌ بين مضائق لا تُسلَك، وحُماتها فرسان مُضَر"

"إلا أن يكون أميركم أخلى لهم المضايق طواعية ليسلّم بلادكم إلى عدوكم، والله ما أظن أحداً منهم الأعداء، حصل القنطرة بَعْدُ، ولكنهم يريدونكم على أن تُخْلوا السهل لتتدفَّق فيه عساكر الأشبان، فتؤخذ مدينتكم ومِنْ ورائها أرض الجزيرة لقمة سائغة".

وبعد فارس القنطرة يأخذنا العجيلي إلى نبوءات الشيخ سلمان، والتي تُعتبر رائدة بالتنبؤ واستشراف المستقبل، فعلى الرغم من ولادتها في آذار 1965، إلا أنها تنبأت بما سيحدث للقضية الفلسطينية بدءاً من دخول جيوش الإنقاذ عام 1948 وحتى يومنا هذا، إذ ثبت صحة نبوءاتها إلى درجة أن من لم ينتبه لتاريخ كتابتها، ينسبها إلى فترات ما بعد اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، إذ تنطلق أحداثها من قرية بيت جن حيث يبوح الشيخ سليمان نبوءاته للعجيلي الذي يدخل إلى بيت الشيخ سلمان بطل القصة، وبمجرد مشاهدته لصورة جورج السادس وزوجته الملكة اليزابيث يسرع لقذفها على الأرض،محتجاً على الشيخ، كيف يحتوي بيته على صورة ملك الإنكليز الذين منح اليهود وعداً بجعل فلسطين وطناً لهم.

ومع شعوره بتسرّعه، وعدم احترامه لحرمة الضيافة، ومحاولته تخفيف غضب الشيخ الذي كظم غيظه، وذلك بإلقاء قصيدة للشاعر أحمد شوقي، ثم يتوجّه الشيخ للراوي العجيلي قائلاً: "أجئتم تنقذون فلسطين؟.. أهلاً وسهلاً بكم ! هل تظنون أن تطهر هذه الأرض بمئة أو مئتين من المتطوعين، وبعض البنادق والرشاشات؟ في قديم الزمان كان يموت الأنبياء وتُسبى الشعوب، وكانت تُهدَم الهياكل وتسيل الدماء أنهاراً حين يدنّس حجر من هذه الأرض، فمن أنتم حتى تطهر بموتكم وحدكم، فلسطين؟ الطيبون وحدهم هم الذين يموتون هنا، وليس فيكم من الطيبين ما يكفي لتطهير هذه الأرض من الدنس الذي فيها، ولذلك قلت لك إنك ستعود سالماً، أنت وأمثالك ستعودون سالمين، من فشلكم هنا ستكسبون قوة وسيصبح لكم سلطان، ومع أنكم لستم طيبين فأنتم غير خبثاء، لذلك فإنكم ستموتون في بلادكم في سبيل فلسطين ستموتون إن لم يكن بالجسد فبالروح، ثم لا يكفي هذا لإنقاذ فلسطين!! موت جماعة واحدة لن يطهّر الأرض، بعدكم سيأتي رجال هم دونكم، أناس لم يخوضوا الحرب فلم يفشلوا فيها، إنهم دونكم في العمل، ولكنهم مثلكم في حب القوة والسلطان، وفوقكم في الغرور، هؤلاء سيموتون أيضاً، من لم يمت بجسده فبروحه، في سبيل هذه الأرض، وذلك لن يكفي جماعات إثر جماعات، تتعاقب ثم تنقرض على هذا السبيل.

يجيء الطيبون في البدء وسيذهبون، على الأقل طيبة، ثم يأتي الخبثاء، نعم إن الخبثاء لا بدّ قادمون، أولئك الذين يبيعون أرضهم وملّتهم ويتظاهرون بأنهم يضحّون في سبيل الأرض والملة، ويأتي بعد ذلك الخونة الكاذبون، ثم خونة صادقون لا يبيعون الأرض، بل يتنصّلون منها، كل هؤلاء سيأتي بدوره، من ينفض يده من فلسطين لأنها وقعت في حفرة أعمق من أن تلحقها يده المنقذة.

ومن يبيع آلامها وأطفالها بفلس أو بضحكة امرأة، ويأتي من دمه ولحمه من يتنصّل من فلسطين لأنها تنغّصُ نومه أو كفقر جيبه، بعد كل هؤلاء يأتي الآخرون، إذا كان مَن قبلهم قد قبض ثمن الذي باعه من تراب الأرض المقدسة أو من دم أهلها.

فإن هؤلاء سيدفعون فوق الأرض ثمناً لخلاصهم منها، ومن أهلها حينذاك فقط بعد أن يموت الناس ويحترق التراب، ويحكم الفاشل، ثم العاجز، ثم الخائن، ثم الفاجر تهتز جنبات الأرض، وتحبل الأمة بالألم لتلد المنقذ المطهر، هل فهمت ما أقول.؟ "

كان العجيلي يقرأ طالع البلاد العربية ومستقبلها من خلال نبوءات الشيخ سلمان، وما زال الغضب والحزن والتكبير والدعوة لتحرير فلسطين من جيوش تحمي الحكام، ضباع على شعوب بلادهم وأرانب على إسرائيل، يطلبون منها السلام والاعتراف بهم، فمنذ عام 1948 الأفراح والأحلام معطّلة بالعالم العربي، وظواهر صوتية تنادي بتحرير فلسطين التي باتت "بلا فلسطين" بل، ضفة وقطاع وغزة وعرب الداخل، وجدار فصل يرسم حدوداً وحواجز ومعابر تمزّق الممزق، وإسرائيل تعربد وتقتل ما تشاء وتتفنن بعمليات القتل والقهر والإذلال.

فيما لسان حالنا يقول:"دبّرها يا مستر دل" وهي أنشودة كتبها الشاعر نوح إبراهيم مخاطباً القائد العام للجيش البريطاني حينها "جون دل" لإعطاء الفلسطينيين حقوقهم وأرضهم التي اغتصب قائلا: "ما دمت رجلاً خبيراً.... وقضيتنا كلها فهمتها...مابلزم إلك تفسير...أنت سايرها.. يمكن على يدك بتحل... وتصافي الأمة العربية... وتمنع البيع والهجرة".

ومنذ ذلك الحين حتى الآن لم تُحل قضية فلسطين ولم يدبّرها أحد.

وما زلنا نكرر نفس الكلمات ونطلب العون بإيجاد الحل مما يسمى المجتمع الدولي الذي يتفرّج على الموت والمعاناة، ولم يتغيّر الحال إلا إلى الأسوأ، وما زلنا نعوّل على الآخرين ونردّد:  دبّروها !

التعليقات (1)

    فلسطيني

    ·منذ 3 أشهر أسبوعين
    روح حررها اما نحن فهنا قاعدون
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات