ما الذي عرقل الهجوم الإسرائيلي على غزة؟

ما الذي عرقل الهجوم الإسرائيلي على غزة؟

بعد انتظار لقرابة 4 أسابيع على حدود قطاع غزة, بدأت بعض أرتال الجيش الإسرائيلي باقتحام غزة عبر ثلاثة محاور, أحدهم بالشمال الغربي باتجاه بيت لاهيا والعطاطرة والثاني من معبر "إيرز" في أقصى الشمال الشرقي لقطاع غزة باتجاه بيت حانون, بينما تقدّم الرتل الثالث من مستوطنة ناحل عوز متجهاً غرباً باتجاه وادي غزة, وبتلك المحاور تتضح بعض أفكار المخطط العملياتي الإسرائيلي وخاصة بما يخص تقسيم قطاع غزة لقسمين شمالي وجنوبي، بعد أن توقع كبار جنرالات إسرائيل أن لقمة غزة كاملة عصية ويصعب ابتلاعها ككتلة واحدة معاً. 

إذاً, بعد أخطاء كبيرة وقعت بها القيادة العسكرية الإسرائيلية وغرف العمليات، وخاصة ما حصل يوم 7 تشرين/أكتوبر, حيث غابت خطط الدفاع وغابت الجاهزية والمناوبات القتالية, وغابت كل الحراسات والمراقبة الميدانية والإلكترونية, واستطاع بضع مئات من عناصر كتائب عز الدين القسام من أن يصولوا ويجولوا في منطقة غلاف غزة, التي قيل إنها محروسة ومصانة من الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر, وأنه هذا الجيش يفرض ما يُسمى "قوة الردع" بعد أن وضع "الرعب" بقلوب أعدائه, فهُزم من لا يُقهر, وأُخذ قادته أسرى من أسرتهم, و"قوة الردع" مسحها عناصر القسام بأقدامهم وهم يعودون لمقراتهم مصطحبين عدداً كبيراً من الأسرى. 

الخطأ الآخر الذي ارتكبته غرف عمليات وجنرالات قيادة الجيش الإسرائيلي, تمثّل بوضع فرق الجيش وخاصة فرق قوات الاقتحام في ما يُسمى غلاف غزة, خمس فرق عسكرية وُضعت بحالة التأهب والجاهزية القتالية الكاملة (القصوى), وتلك مدد زمنية لا يمكن التلاعب فيها كمعدلات ومعايير عسكرية أثبتتها خبرات الحروب السابقة بحيث ألا تتعدى 48 إلى 72 ساعة, وأن يعقب تلك الساعات المحددة حتماً تحرك القوات وبدء العمليات العسكرية أو خفض الجاهزية القتالية والانتقال لحالة الجاهزية القتالية العالية أو العادية.

فالجندي لا يمكن تركه لأيام وأسابيع بحالة توتر وترقب وبجاهزية قتالية كاملة أو قصوى, وهذا ما حصل بعد أن تمّ الزج بخمس فرق عسكرية ما بين مشاة ومدرّعة وقوات خاصة لحدود غزة, ثم تُركت تلك القوات بحالة انتظار بسبب الخلافات ما بين الأركان الإسرائيلية ووزارة دفاعها, أو المناكفة ما بين المؤسسة العسكرية وقيادتها السياسية, من حيث تبادل الاتهامات ورفض الجميع تحمل المسؤولية, وهذا ما ظهر بتغريدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي انقلبت فيها على القيادات الأمنية وخاصة الاستخبارات العسكرية, فقامت الدنيا ولم تقعد، ما اضطره للاعتذار وحذف التغريدة بصباح اليوم التالي. 

بعد جهد جهيد وانتظار كبير, وبعد رمايات وتمهيد ناري استمر قرابة 4 أسابيع، تم خلاله تدمير القسم الشمالي من قطاع غزة شبه تدمير كامل بعد اعتماد جنرالات إسرائيل لسياسة الأرض المحروقة التي اتبعها من قبل نظام الأسد والطيران الروسي ضد الشعب السوري, ومع الدمار الهائل وخروج المشافي عن الخدمة وحصار خانق منع عن سكان غزة كل شيء حتى مياه الشرب, تحركت أرتال الدبابات الإسرائيلية وفق تكتيك (جرافة, دبابة, طائرة) لاقتحام قطاع غزة من محاور ثلاثة على الشكل التالي: 


المحور الأول الأساسي, محور العطاطرة, وفيه تقدمت قوات إسرائيلية بقوام لواء مدرّع في الجزء الشمالي الغربي المحاذي للبحر عبر مناطق زراعية خالية من السكان لتتقدم على الشريط الساحلي مستفيدة من تأمين أعمالها عبر نيران المرافقة ونيران الدعم الناري، إضافة لتمهيد بحري ساحلي من القطع البحرية الإسرائيلية المرافقة للهجوم قبالة سواحل غزة. 


المحور الثاني الأساسي, محور ناحل عوز, وهو عبارة عن قوة مدرّعة بقوام لواء أيضاً, هدفها قطع الطريق غرباً من خلال وادي غزة, جحر الديك, طريق صلاح الدين, المغراقة, منتجع النور وصولاً للساحل والتلاقي مع المحور المتقدم من الشمال, وبذلك يتم تقسم قطاع غزة لجزئين وحصار الجزء الشمالي والتفرغ لتدمير ما يقلق الإسرائيليين وهي أنفاق غزة أو مترو غزة كما تسميها إسرائيل. 


ولتأمين الأعمال القتالية تم العمل على تحريك محور ثالث مقابل حاجز "إيرز" شمال شرق قطاع غزة, لكن يبدو أنه لا يهدف التقدم والخرق حتى الآن، بل فقط القيام بعمليات إشغال وتضليل لخداع القوات المدافعة عن غزة. 


حسابات خرائط عمليات الجيش الإسرائيلي لم تتطابق مع عمل القوات على الأرض, وبالرغم من اعتماد الأرتال الخرق والتقدم من مناطق زراعية فارغة لتحقيق مكاسب مجانية, لكن سرعان ما تراجعت تلك الأرتال شيئاً ما للخلف مع اقترابها من المناطق السكنية وظهور المدافعين من عناصر القسام وسرايا القدس, وظهر الأمر جلياً خاصة مع رتل الدبابات المتقدم باتجاه العطاطرة الذي طلب المساندة الجوية وقام بالانسحاب قليلاً نحو الخلف. 


أيضاً محور جنوب غزة, ومع خروج الدبابات الإسرائيلية من الخاصرة الرخوة لمدينة غزة, أي من المناطق الزراعية واقترابه من المناطق المأهولة, اشتد القتال وتم تدمير عدة قطع عسكرية إسرائيلية, والصيد الأكبر كان عبر تدمير ناقلة جند إسرائيلية الصنع من نوع نمر ثمنها 3 مليون دولار, حيث قالت القسام: إنها نجحت في تدمير عدد من الآليات الإسرائيلية المتوغلة شرق منطقة جحر الديك بقذائف محلية الصنع من طراز "ياسين-105", وتلك الناقلة (النمر) التي تفاخرت بها إسرائيل وقالت عنها: "ناقلة الجند النمر أُعدَّت لعدم تكرار مآسي ناقلات الجند، وقد حظِيَت بتحصينات مشابهة تماماً لما حظِيَت به دبابات الميركافا، وكان من المقرر أن تبقى صامدة أمام الصواريخ المضادة للدروع وقذائف RPG، بل كانت تُبذَل مساعٍ لتحصينها بمنظومات ذكية مضادة للصواريخ", وتلك المصفحة صرفت عليها مبالغ وأرقام خيالية من المليارات بعد حادثة جرت عام 2004 ومقتل 5 جنود إسرائيليين بناقلة الجند (M113) الأمريكية. 

أيضاً, عملية خروج رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية واعترافه بالتقصير بتأمين الإنذار المبكر, وخروج رئيس الأركان هيرتسي هاليفي وقوله: الحرب تحتاج لإنجازات, والانجازات تحتاج لتضحيات والتضحية تعني تقديم أثمانٍ باهظة, ولحق به كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو, ووزير الدفاع غالانت ليتحدثا بنفس المفردات حول ضرورة استعداد الشعب الإسرائيلي لتقديم التضحيات، بل زادا على ذلك بالقول: قواتنا في غزة ليست للنزهة وقد نحتاج لأسابيع وربما لعدة أشهر لتنفيذ المهام المطلوبة, مما أعطى مؤشراً واضحاً حول تعثّر عملية الاقتحام, وأن هناك خسائر ستلحق بالجيش الإسرائيلي, بدأت منذ الآن عملية التمهيد لها من القيادات السياسية والعسكرية, وأن مبدأ الحرب الخاطفة التي تمتاز به عادة حروب إسرائيل السابقة من المؤكد أنه لن ينجح في غزة. 


من المبكر الآن إطلاق الأحكام النهائية حول سير العلميات القتالية وفشلها أو نجاحها ونحن ببدايتها, لكن الواضح حتى الآن أن معارك الميدان مخالفة تماماً لما خطط له قادة إسرائيل, وأن عملية إبادة الفلسطينيين في غزة قد تشكل بديلاً عن فشل قادة الجيش الإسرائيلي في التقدم في غزة وتحقيق أهدافهم وخططهم القتالية, وهذا ما برز من خلال مجزرتين في جباليا, قتلت وجرحت ما يفوق (700) فلسطيني جُلّهم من النساء والأطفال, بعد أقل من 24 ساعة على بدء عملية اقتحام غزة. 

التعليقات (2)

    معارضة الاوتيلات

    ·منذ 3 أشهر أسبوعين
    ياخيي روح لغم و فجر صرمك بلكي يموت كم واحد منهم من ريحة البقلاوة و اللبن التركي اللي معبي كرشك

    حمودي

    ·منذ 3 أشهر أسبوعين
    يجب التخفيف عن جبهة غزة وتشتيت الجيش الاسرائيلي
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات