حراك السويداء إلى أين؟

حراك السويداء إلى أين؟

أعتقد أنه حان الوقت لنبدأ عملية نقد الحراك في الساحات وقد يغضب وينفعل الكثير لقولي ذلك، لأن الأغلب منا وقع في شرك التقديس والطهرانية لأي فعل ثوري ولكن الثورة كتل بشرية يعتريها الخطأ والصواب، وعليه تُصحح وتُنتقد وتُتجدد ولا يمكن أن تستمر ثورة دون فعل ثوري. 

والفعل الثوري مهمات معقدة تبدأ برسم خارطة الطريق لتحقيق الأهداف ثم الانتقال إلى التنفيذ النظري والعملي، فهناك عمل حقوقي وتشريعي وهناك خطط اقتصادية واجتماعية وسياسية، وجميعها تحتاج إلى التبصر ورؤية ما بعد الساحات والتعبير والغضب.. وأن وقت العمل لا يُؤجّل وليس من الصواب أن تبقى هذه الحالة العارمة من السيولة الثورية دون ضبط، ولا يمكن لبيان يصدر هنا وهناك وكتلة تجتمع هنا وهناك أن تقدم أي اتجاه جدي  للتحول نحو التغيير.  لقد خرج أهل السويداء بحالة انفجارية مبررة ومسوغة نتجت عن القمع والقهر المزمن، وأصبحت ساحات المدن والنواحي والقرى متنفساً ثورياً من خلاله انتصر الشارع على خوفه ولكن ماذا بعد.

الحياة السياسية والمدنية ليست فقط مسيرات وبيانات ومظاهرات، وللناس حق بعد كل هذا التفريغ أن تحصل على برامج وتحدد أهدافها  للمرحلة القادمة، الأمر بعد كل هذه الفترة لم يعد مرحلة تعبير وتفريغ  بل لا بد من تحمل المسؤولية التاريخية، وللحراك كل الحق في أن يُقدَّم له حلول، وعلى طرفي ما عرف بالمعارضة والموالاة السعي لتقديم مبادرات سياسية  والإعلان عن حرية العمل السياسي والمدني، ولا يمكن أن يستمر المشهد على هذه الصورة  الانفعالية  ووضع مشروع في الشارع حالة فيها الكثير من الخيال، فكل بيان له جمهور فاعل وعندما تستمر هذه الفوضى بكثرة البيانات وإعلانات الغضب والسخط  يصبح الأمر حالة عجز عن إنتاج  حلول مثمرة، والتاريخ  أعطانا دروساً تخص الثورات وأن الغضب  المشروع يتحول إلى فوضى دون تنظيم، ويكفينا أن ندرك تربص النظام وجاهزيته ليدعم حالة الفوضى وسعيه لتسخيف هذا الخروج الكبير. 

وعلى كل من دخل الساحة هاتفاً بسقوط النظام أو من أصدر بياناً أو دعا لصالح جهة ما دون تحقيق هدف الحراك فإنه يجعل الغضب حالة غير منضبطة، وعلى الحراك إدراك أن المستقبل برامج وخطط وتنظيم والأمر ليس عملية انتهاز، ولا بحثاً عن شهوة السلطة، ولا هو صناعة واستحضار الماضي، بل يتطلب حلاً يعتمد على الوعي والعقل والتجربة والنقد، والشارع بحالته المشهودة لن ينتج فعلاً سياسياً بل سيبقى منفعلاً وممثلاً لردود الفعل في ظل الفراغ السياسي مع التأكيد أن النظام مستعد لينتهز ويدلل على العجز وأما الإصرار على أن الساحة هي الفيصل في قضايا الشعب وهي وحدها منتجة لمؤسسات  متنوعة  فهو أمر ينطوي على كثير من الوهم، فالساحة ستبقى إلى أجل غير مسمى في هذا الاعتقاد بحالة تكرار. 

مهما حاول الثوار تجديد الطقوس وأساليب التظاهر  وما يتولد منهم أن الساحة لها الأحقية  في القرار ورسم المسار عندها ينتشي الجمهور بالوهم ويفشل الحراك رغم كل هذه العظمة والتقدير للخروج الثوري.

ونافلة القول لا بد من طرح برامج جدية تنتج حياة سياسية ومدنية  وتحرر الديمقراطية  من إطار التزييف الذي وضعه البعث  والسعي إلى مشاركة عامة أساسها المواطنة  المتساوية أمام القانون العادل، ومن الضروري تجاوز الشخصنة  والغرائزية التي تظهر عدم نضج فيما يخص  ثقافة التفاوض والحوار والعمل المنظم.  

وعلينا إدراك أن ما قبل الحراك ليس كما ما بعده، والوطن يُحمى ويبقى بالشراكة وليس بالأدوات والطقوس، ومعيار الثورة هو عمل تغييري دؤوب ينهي ما بقي في ذاكرتنا وواقعنا من تقديس للأحزاب والزعماء ومن الضرورة بمكان إبقاء الأبواب مفتوحة لأن الزمن لن يعود للوراء  والمرونة صفة محورية في تقبل الشراكة فإما أن ننجو معاً أو نغرق جميعاً.

التعليقات (1)

    ساخط سوري

    ·منذ 5 أشهر أسبوع
    خلصت المسرحية هههه
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات