من غزّة إلى إدلب.. الشّعر كان وما زال حِداء المعركة

من غزّة إلى إدلب.. الشّعر كان وما زال حِداء المعركة

لطالما كان الشعر عند العرب المحفّز في كل جوانب حياتهم؛ ذلك لأنهم أمة شعر وخطابة، ولأنهم كذلك، فقد كان الشعر عند العربي مثل الأكل والشرب، لا غنى له عنه، فهو في السلم يشيد بمكارم الأخلاق من كرم ومروءة وإغاثة للملهوف وحماية للمستجير والجار، وفي الحرب يشيد بالشجاعة والبطولة ويخلّد الوقائع المظفّرة، فكانت روايتهم لهذه الأشعار وما تشيد به من هذه القيم، بمثابة حضٍّ عليها وتأكيد على مكانتها العليا في حياة العربي، فعندما يتناشدون أشعار المديح بأهل الكرم والجود، فهم يحضّون الناس على التخلّق بأخلاقهم، وكذلك الأمر نفسه في القصائد التي تشيد بالشجاعة وبطولات الأبطال في المعارك، تحضّ السامع على العمل ليكون مثلهم بالتدريب وبناء الأجسام القوية، وما سبق يُعمّم على كل الأمور الأخرى التي أشاد بها الشعر وحضّ عليها.

وكان العرب في معاركهم يرتجزون غالباً، أي ينشدون حداءهم على وزن بحر الرجز لسهولة النظم عليه، حتى سمّاه أحدهم بـ حمار الشعراء، وكان محتوى هذه الأرجوزات القصيرة عادةً الحضّ على القتال والصمود وتعزيز النفس التي يمكن أن يصيبها الوهن وتفكّر بالهروب، فكانت هذه الأجوزات ترافق المعارك ويتناشدها المتقاتلون لبثّ روح المقاومة في أفراد المجموعة المقاتلة من أبناء القبيلة.

فالشعر في القديم هو التعبير عن أحوال القبيلة، وهو لسان حال القبيلة في كل ما يلمّ بها في حالتي الحرب والسلم، أما في العصر الحديث، فلم يعد لهذا الجانب الوظيفي للشعر هذا الدور كمان كان، فقد دخل الشعر في العصر الحديث في مضمار القضايا الفكرية والفلسفية والتأملية ... الخ، ولم يعد لسان حال القبيلة كما في السابق، لكن ذلك لا يعني غياب هذه الوظيفة كلّيّاً، فتجد أنه أي الشعر يعود إلى دوره في فترات الحروب والأزمات التي تمر بها الأمم والشعوب، فيأخذ دوره في المعارك المصيرية التي تخوضها الأمة. 

ولعل الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد كان حادي المعركة بين العراق وإيران، وكانت أرجوزاته تُنشر تباعاً في الصحف العراقية في صباح كل يوم، وكانت كلها تصبّ في الحضّ على القتال والصمود والإشادة بالعراق العظيم وبالإنسان العراقي ابن حضارة بابل وحدائقها المعلّقة، وهي موجودة في ديوانه لمن أراد الاطلاع عليها. 

ومنذ أن انطلقت معركة "طوفان الأقصى" من قطّاع غزة  ضد الاحتلال الإسرائيلي على يد فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها "حماس" وجناحها العسكري، بعملية مدروسة وغير مسبوقة أربكت العدو وأظهرته عاجزاً ضعيفاً مثل بيت العنكبوت، واكب الشعر الفلسطيني هذه المعركة وحدا لها.

ولعل الشاعر الفلسطيني الدكتور البروفسور جواد يونس أبو هليل أحد أبرز الشعراء الفلسطينيين الذين رافقوا المعركة وواكبوها، وأطلقوا مقطوعاتهم حداءً لها، فقد عمل الشاعر على جعل صفحته على الفيس والتيك توك منبراً لهذه المعركة والحداء لها، فها هو يحدو في إحداها قائلاً:

ولا تخشوا الغزاةَ المجرمينا 

                               فهذا وعدُ ربِّ العالَمينا

ثِقوا باللهِ (ينصُركم عليهِم 

                             ويشفِ صدورَ قومٍ مُؤمِنينَ)

ويقول في مقطوعة أخرى مشيداً بمعركة الطوفان، وما تحمله من معاني التحدي للعدو وغطرسته بقوته التي كان يظن أنها لا تُقهر، فإذا بها تتهاوى أمام قوة وتصميم رجال المقاومة الفلسطينية:

   لا حاملاتُ الطائراتِ ولا البَوارِجْ  

                     ستُخيفُ من يتلونَ بالنَّفقِ (المَعارِجْ)

إن يبدأِ الطّوفانُ ما من عاصمٍ

                      من أمرِ ربٍّ تحتَهُ ذاتُ المَعارِجْ

وها هو يقول في مقطوعة أخرى، مشيداً بأهله الفلسطينيين الذين تحمّلوا من ضيم المحتل ما لا تستطيع تحمّله الجبال على مدى خمسٍ وسبعين سنة من الاحتلال والظلم:

نحنُ قَومٌ ربُّهم يتوَلّى  

                      أمرَهم حينَ يَحارُ الدَّليلُ

      كم سمِعنا عن حشودٍ فقلنا:  

                          (حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيلُ)

ولا ينسى شاعرنا صاحب النخوة العربية الأصيلة دماء أهله وإخوته في إدلب الذين يقصفهم ويقتلهم نظام الأسد المجرم، فيربط سيل دمائهم فيها بشلال دماء أهله وإخوانه في غزة، الذين يقصفهم ويقتلهم العدو الصهيوني، فالضحية واحدة هنا وهناك، والمجرم واحد هنا وهناك، فيقول:

دمُنا الذي في (إدلبٍ) سالا  

                          في (غزَّةٍ) ينسابُ شَلّالا

ما فرّقَ الإخوانُ بينَ دمٍ 

                             ودمٍ فما الأحرارُ أنذالا

ولعلّ ما استشهدنا به مما قاله الشاعر جواد يونس، رغم قلّته، فعنده الكثير من هذا الحداء، يفي بالغرض، ويعطي صورة عن دور الشعر في المعركة، فهو الحادي الذي يحدو للأبطال في ساحات الشرف، وكما كان الشعر في القديم عند العرب في معاركهم، فقد استطاع الشاعر جواد يونس أن يعيد ذلك إلى الواجهة، ويجعل من الشعر حداءً كما كان بهذه المقطوعات القصيرة والمعبرة جداً، والتي تحمل في طياتها رسائل وبرقيات موجزة لأبناء الأمة.

بقي أن نوضّح أنّ الشاعر جواد يونس أبو هليل من مواليد 1971م أستاذ جامعي برتبة بروفسور يحمل شهادة دكتوراه في الرياضيات، وهو من أبناء دورا الخليل، وهو أستاذ للرياضيات في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المملكة العربية السعودية، له رواية وعدة مخطوطات شعرية غير مطبوعة حتى الآن، لكنه أعدّ ونشر دوواين ( لن تسكت المآذن )، ( أجراس العودة )، ( على خلقٍ عظيم )، بمشاركة عشرات من الشعراء العرب.   

التعليقات (4)

    بشير الابراهيم

    ·منذ 7 أشهر 3 أسابيع
    مادة رائعة بما تضمنته من أفكار وربط بين مصيرين متلازمين في إدلب وغزة، وما أضفى عليها من شعر لا يخلو من اقتباس من كلام الله سبحانه وتعالى ، جزاكم الله خيرا.
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات