ما بعد طوفان الأقصى.. شرق أوسط جديد لا يزال قيد الولادة

ما بعد طوفان الأقصى.. شرق أوسط جديد لا يزال قيد الولادة

عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حركة حماس في منطقة ما يسمى "غلاف غزة"، ليست مجرد عملية عسكرية عادية، بل هي عملية تمّ تصميمها لكسر هيبة الدولة الإسرائيلية أمام العالم، وبالتالي أمام من يفكّر من اليهود بالاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.

عملية طوفان الأقصى تخفي تخطيطاً إيرانياً فيها، ينزع نحو منع قيام شرق أوسط جديد بقيادة إسرائيل، وفق ما بشّرت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، والتي كانت تتبنى مفهوم رئيس وزراء إسرائيل السابق شمعون بيريس الخاص بكل المنطقة، أي "شرق أوسط كبير" يمتد في المنطقة العربية من المحيط الأطلسي إلى منطقة الخليج العربي، ما يعني أن تصبح منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إيران والدول العربية مجرد جزر ملحقة بهذا المشروع.

هذا المشروع يمنع قيام قطب إيراني إقليمي في المرحلة الحالية، يكون منافساً للقطب الإسرائيلي المعتمَد غربياً، ومنع إيران من لعب دور قطب إقليمي، ثم لعب هذا الدور عالمياً، يفسّر إصرار الغرب على منع طهران من امتلاك القنبلة النووية، التي تساعدها في فرض مصالحها الاقتصادية والسياسية على دول المنطقة، وهو جوهر الخلاف بما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني بين الغرب وإيران.

إن إزعاج الغرب بخصوص دور إيران في الشرق الأوسط يكمن في عرقلة مشاريعه، وأول هذه المشاريع هو المشروع الصهيوني العالمي المسمى "مشروع القرن"، أي أنْ يتم تذويب التناقضات بين المشروع الصهيوني والعرب، من خلال عمليات التطبيع معهم لإلحاقهم بجوهر هذا المشروع، ما يمنع على المدى الاستراتيجي قيام مشروع تنموي عربي حقيقي شامل.

هذه الحقيقة هي جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أي جوهر صراع بين مشروعين متناقضين، فلسطيني، يريد تحرير أرضه المحتلة عام 1967، وفق القرارات الدولية.

هذا المشروع الفلسطيني ينزع نحو بناء دولة فلسطينية مستقلة تكون جزءاً من عمقها العربي الإسلامي، حيث ستلعب هذه الدولة دوراً في التنمية العربية الشاملة.

أما المشروع إسرائيلي، فهو يريد أن يشكّل مركزاً رأسمالياً عالمياً في منطقة الشرق الأوسط، أداته وفق مفهوم اليمين الإسرائيلي قيام دولة يهودية خالصة، يتناقض قيامها مع حقوق عربية وفلسطينية تاريخية في أراضي فلسطين.

هذه الرؤية، ليست مجرد رؤية نظرية فحسب، بل هي جزء من جوهر صراع دولي، قائم وفق صيرورة تطور قوى رأس المال العالمي في حلقته الحالية.

وتظهر هذه الصيرورة في الصراعات العالمية الحالية بين قوى الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وفى اقتصادات عالمية ترفض الالتحاق بالمشروع الرأسمالي الغربي، كالاقتصاد الروسي والصيني والإيراني وغيرها من اقتصادات ترفض أن تكون ملحقة بعربة رأس المال الغربي.

هذه الرؤية هي من يفسّر ترابط مصلحتين جوهرهما متناقض، ونقصد دعم إيران لحركات الإسلام السياسي في فلسطين، فإيران بدعمها المالي والعسكري وحتى السياسي لحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي ضد إسرائيل لا يفسّر ادعاءها بتحرير فلسطين، ولا يوضح المهمة الحقيقية لما يسمى فيلق القدس، الذي أنشأه قاسم سليماني الذي اغتيل في مطار بغداد.

وإنما يكشف عن تصميم إيراني بالاستفادة من فكر ودور هاتين الحركتين المسلحتين، عبر توظيف كفاحهما مرحلياً من أجل منع قيام مشروع القرن، ومن أجل منع قيام شرق أوسط كبير يذيب طموحات طهران.

إذاً، عملية طوفان الأقصى يمكن فهمها في سياقيها التحرري الفلسطيني، والبراغماتي الإيراني، هذان السياقان، يكشفان عن غياب رؤية استراتيجية عربية ملموسة، فقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس، يجب أن تكون مهمة عربية حقيقية ملحة، من أجل توفير شروط التنمية العربية الشاملة، التي يجب أن تقودها المملكة العربية السعودية الغنية بالأموال من جهة، وتقودها مصر من جهة ثانية من خلال كونها أكبر الدول العربية سكاناً، وموقعها الهام جغرافياً.

إسرائيل التي واجهت بوحشية دموية غير مسبوقة عملية طوفان الأقصى، عرف يمينها الحاكم بقيادة الليكود، أن بقاءه كقوة سياسية في إسرائيل بات في حالة خطر، ففشل برنامجه الخاص بتحويل إسرائيل إلى دولة يهودية نقية، وفشله بتحويل عملية طوفان الأقصى إلى عتبة لتغيير ديمغرافي في القطاع أولاً، يعني زوال رؤيته السياسية لمستقبل مشروع القرن، وما يتبعه من تطبيع ذليل مع أنظمة عربية لا تفكّر بغير بقائها في السلطة.

عملية طوفان الأقصى، كشفت بصورة نهائية ضرورة "كشط" قيادة محمود عباس وشلته من السلطة الفلسطينية، والتي انتهى دورها التاريخي فعلياً، فهي عاجزة عن حمل برنامج التحرير والتنمية المطلوبين، وهذا يدفع باتجاه تحرير مروان البرغوثي وتياره من سجون إسرائيل، لأنه التيار القادر على حمل البرنامجين المذكورين إلى جانب قوى فلسطينية مستعدة لقتال إسرائيل حتى رضوخها لمطلب بناء دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وتكون القدس الشرقية عاصمة لهذه الدول.

إن عملية طوفان الأقصى تشكّل مدخلاً لبداية انهيار اليمين الإسرائيلي المتطرف، هذا اليمين لن يتمكن من تهجير الغزاويين من قطاعهم، حيث تقف عوامل كثيرة بوجه هذا المخطط الخطير، أولها أن احتلال القطاع ليس نزهة يقوم بها الجيش الإسرائيلي، فقطاع غزة رغم مساحته الصغيرة، هو عبارة عن منطقة مسلحة بطريقة ستكون مكلفة ومدمرة لليمين الإسرائيلي الحاكم، وإن عدم احتلالها يعني محاسبة هذا اليمين على اختراق حماس لغلاف غزة، وما جرى فيها من انهيار للجيش الإسرائيلي، وما سينتج لاحقاً عنها من عزوف المستوطنين على البقاء في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، والتي تعمل إسرائيل على قضمها عبر إنشاء مستوطنات فيها.

كذلك، تشكّل عملية طوفان الأقصى مدخلاً لفهمٍ جديد حول حقيقة الدور الإيراني في هذه العملية، وهو استخدام قوى فلسطينية كأذرعٍ لإفشال مشروع القرن من جهة، ووقف عمليات التطبيع العربية مع إسرائيل من جهة أخرى.

إن عملية طوفان الأقصى يمكن اعتبارها انعطافاً في الصراع بين مشروعات اليمين الإسرائيلي، وبين ضرورة تحرير الأراضي العربية المحتلة من خلال كسر البنية الصلبة للداخل الإسرائيلي وهذا ما فعلته هذه العملية.

فهل نحن أمام انعطاف يقود إلى ولادة شرق أوسط جديد؟ سؤال تجيب عنه الأيام القادمة.

التعليقات (2)

    لا جديد ولا شي

    ·منذ 5 أشهر 3 أسابيع
    يا زلمة طول بالك …واضح انك ما نمت الليل من تحليلاتك …كم يوم و بترجع حليمة لعادتها القديمة …

    أيمن حسين السعيد

    ·منذ 5 أشهر 3 أسابيع
    مع احترامي للتحليل..علينا السؤال..كيفَ سُمح ومن سمح لعناصر حماس باختراق الجدار ولما سمح نتنياهو بتقديم ضحايا اسرائيليين بكل بساطة لحماس وعلى هذا الشئ يبنى مقتضاه فيما عدا ذلك فكله هرطقة
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات