الحرية المسلوبة بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الشمولية

الحرية المسلوبة بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الشمولية

يشير مفهوم "الطبيعة البشرية" إلى السمة الجوهرية والثابتة لكل الكائنات البشرية. غير أن هناك خلافات رئيسية حول الدرجة التي يسهم بها العامل البيولوجي أو المجتمع في تشكيل البشر، ودرجة تأثرهم بالعقل أو بالدوافع غير العقلانية. لقد دار نقاش عميق ومتصل في الأوساط الأكاديمية والعلمية حول تلك القضايا، واحتل ما يسمى جدل "الطبيعة/التربية" موضعاً مركزياً بين كل ذلك.

 

 

تعتنق النظريات البيولوجية، في أغلب الحالات، مذهب العالمية، إذ تعتقد أن جميع البشر يتقاسمون سمة مشتركة أو عامة تعتمد على ميراثهم الجيني، وتتحدث هذه النظريات عن جوهر بشري غير قابل للتغيير. وفي تناقض واضح تضع نظريات أخرى للطبيعة البشرية تأكيدا أكبر على التربية مقللة من أهمية العوامل البيولوجية الثابتة؛ مشددة بدلا من ذلك على الصفة الطيّعة أو المرنة للطبيعة البشرية. 

 

 

وتعد فكرة الطبيعة البشرية المرنة التي تشكلها قوى خارجية فكرة مركزية في العديد من النظريات الاجتماعية. وضمن سياقها، وبنوع من التطرف، قدم عالم النفس الأمريكي "بورهوس فريدريك سكينر" في كتابه: "وراء الحرية والكرامة" صورة للطبيعة البشرية تتسم بدرجة عالية من الحتمية ونفى أي شكل من الإرادة الحرة. وبطرح أقل تطرفا افترض "هربرت ماركوز" في كتابه: "الإنسان ذو البعد الواحد" أن المجتمعات الصناعية المتقدمة يمكن النظر إليها واعتبارها مجتمعات شمولية. فعلى خلاف الأنظمة الشمولية التي قمعت مواطنيها بالرعب والوحشية الصريحة، فإن المجتمعات الصناعية المتقدمة تسيطر على مواطنيها من خلال التلاعب بالاحتياجات المنتشرة في كل مكان، والذي أصبح ممكنا بفضل التكنولوجيا الحديثة، والذي خلق ما أسماه "ماركوز": لا حرية: مريحة، وناعمة، وعاقلة، وديمقراطية. 

 

وفيما يشبه تلك الطروحات؛ تطالع القارئ الكثير من الكتب التي تحمل عناوين مثل: "احتلال العقل"، "السيطرة على الإعلام"، "قصف العقول"، هندسة الجمهور، وغيرها. وكلها تتخذ مادتها من المجتمعات الغربية، وهو ما تستغله الآلة الدعائية للأنظمة المستبدة، في قراءة خبيثة للنص فيها الكثير من المغالطة والاستغباء، مدعية أنه لا وجود للحريات التي ينادي بها المعارضون في أي بلد من بلدان العالم، وأن ما يتم عرضه من خلال وسائل الإعلام ليس أكثر من مشاهد تمثيلية يراد بها خداع الآخرين. وتلقى تلك الادعاءات قبولا واسعا من أصحاب الأيديولوجيات المحافظة التي تنظر إلى الحريات بتوجس شديد، وتسعى إلى تقليصها وضبطها باسم التقاليد والدين والأخلاق.

 

في الواقع، لا يوجد كائن بشري يمتلك تفكيرا مستقلا تماما. إن أفكار وآراء وتفضيلات الجميع نشأت وصيغت بفضل التجربة الاجتماعية، ومن خلال تأثير الأسرة، ومجموعات النظراء، والمدرسة، ومكان العمل، ووسائل الإعلام، والأحزاب السياسية، إلخ. لذلك، لا يمكننا الحديث عن استقلالية وحرية تامة يمكن أن يدعيها أي فرد كان. ولا شك أنه للنخب ذات النفوذ تأثير حاسم في تشكيل آراء وتوجهات وتفضيلات الأفراد في المجتمعات المتقدمة، غير أن الرؤية الراديكالية للقوة والنفوذ ليست أكثر من تطرف فكري مبالغ فيه، إذ من المستحيل البرهنة على أن إدراك الناس وأفضلياتهم ليست سوى وهم.

 

إن تغيير آراء الآخرين ومعتقداتهم شيء نقوم به جميعا، إننا جميعا فنيو تأثير بمعنى ما، لكن هناك درجات تفاوت بين تأثير كل منا، ويرتبط هذا بالكيفية التي تتوزع فيها القوة داخل المجتمع. ولكن هذا لا يعني غياب الحرية بمعناها المادي كما تحاول أنظمة الاستبداد أن تقول. إن الحريات الإعلامية، ووجود النخبة المؤثرة المعارضة للخداع، وتوفر البيئة القانونية الداعمة للحريات؛ تسمح بمجال أرحب لتداول المعلومات، كما إنها تفسح المجال أمام الراغبين في معرفة الحقيقة ليصلوا إليها دون عوائق، وهذه فوارق جوهرية وحاسمة في مجال الحريات بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الاستبدادية الشمولية. 

 

في ظل غياب تلك المزايا في الأنظمة الشمولية تبدو الصورة أشد قتامة، إذ يلجأ هذا النوع من الأنظمة، بدافع هوسه بالسيطرة، إلى وسائل متطرفة ليس فيها تراض مع الإقناع. من خصائصها: تفضيل الأحكام المطلقة والميل إلى رؤية العالم من منظور أبيض وأسود، واعتناق المذهب القائل إن الغاية تبرر الوسيلة، والاستخفاف المفرط بالضحايا. إن مدى التأثير الذي تمارسه الأنظمة الشمولية على شعوبها، والذي يتخذ الطابع العنفي، يصل إلى مستوى ما يمكن أن نطلق عليه تسمية "غسيل الأدمغة"، فالقصد كما يقول "إدوارد هنتر" هو تغيير العقل بصورة جذرية بحيث يصبح صاحبه دمية حية (إنسانا آليا) من دون أن يلاحظ هذا العمل الشرير من الخارج.

 

لا تسعى النظم الشمولية للتحكم في كيفية تصرف الناس فحسب، بل أيضا فيما يفكرون فيه وفي نمط التفكير ذاته. لذلك، يمكن لأي باحث أن يلاحظ بسهولة أن الشعوب التي حكمت من قبل أنظمة شمولية لديها طريقتها الخاصة في التفكير والمحاكمة تنم عن قصور واضح. من ذلك أنها تنظر إلى الأمور من منظور الثنائيات المتعارضة: الخير/الشر، الوطني/الخائن، الملاك/الشيطان، وهكذا؛ تلك الثنائيات النابعة من الفكر الشمولي والتي تطالب بإلغاء العناصر الخارجة عن الوسط المختار. ومن الملاحظات الأخرى أن هذه الشعوب تمنح الصدارة للعقيدة وللقضية في مقابل تبخيس قيمة الفرد. وباختصار شديد، يمكن القول إن مستوى التحكم والتأثير الذي تمارسه الأنظمة الشمولية يؤدي إلى نوع من التخلف العقلي الذي يتجلى في اضطراب منهجية التفكير وقصور الفكر الجدلي الذي يتناسب بشدة مع درجة القهر المفروض.

 

إذاً، وبعيدا عن الثنائيات المتعارضة؛ لا يوجد كائن بشري مستقل تماما، ولكن هناك بيئة قانونية تتيح للإنسان أن يشعر بأنه حر ومستقل، بل وتتيح له المجال للاقتراب من الحرية والاستقلال بدرجات متفاوتة؛ كل حسب إمكاناته العقلية والذهنية ومستوى ثقافته وظروفه الحياتية والاقتصادية. وفي هذه البيئة؛ عندما يتم الحديث عن غياب الحرية فالمقصود هنا هو الحرية بمعناها الفلسفي العميق، أو كما تتم معالجتها من وجهة نظر سوسيولوجية مغرقة في التأكيد على دور التربية وليس الحرية المادية المتمثلة بحرية الرأي والتعبير، وحرية العبادة، والحريات المدنية والسياسية، وغيرها؛ فهذه يمكن رؤيتها بالعين المجردة فيما لا يدع مجالا للشك. 

 

في مجمل الأحوال، سواء صحت تلك النظريات أم لم تصح؛ تبقى حالة اللاحرية الديمقراطية المريحة والناعمة والعاقلة خير ألف مرة من سلب الحرية الذي يتم بلغة السياط، والذي يحوّل المجتمعات إلى مجتمعات مضطربة نفسيا وعقليا. ولعل الفارق الأهم بين هذا وذاك أن كرامة الأفراد تبقى مصانة في سياق اللاحرية الديمقراطية، بينما هي مسحوقة تماما لدى الآخرين.  

التعليقات (1)

    محمد اوسو ابومحمود

    ·منذ 7 أشهر أسبوعين
    اذا" في عقر (الديمقراطية)تكون الحرية ضمن اطارهلامي تصنعه وتزينه الانظمة المتقدمةحسب رغبتها والدليل فرنسا ....الكيان الصهيوني .......
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات