مشبعة بالذكريات.. حرفة "القش" تراث سوري يستعيد ألقه بأيدي النساء (صور)

مشبعة بالذكريات.. حرفة "القش" تراث سوري يستعيد ألقه بأيدي النساء (صور)

بعد أن كادت مهنة صناعة القش أن تندثر، وجدت من يعيدها إلى الوجود في الشمال السوري من خلال نساء أضناهن النزوح والفقر والغلاء إضافة إلى الحنين إلى الماضي وإحياء تراث الآباء والأجداد.

صناعة القش حرفة يدوية تقليدية كانت تقوم بها أغلب نساء الريف وتعتمد هذه الصناعة على قصل (سوق) القمح أو الشعير، حيث تقوم النسوة بعد حصاد القمح وتجميعه في البيدر أكواماً، بانتقاء السوق أوالقصلات الطويلة والثخينة والتي يزيد طولها عن 30 سم وتجميعها على شكل ربطات يستخدمنها في النسيج بعد نقعها بالماء.

قصب مخضب بالدم

من تلك النسوة اللواتي ما زلن يعملن في مهنة نسيج القش، يازي العبود امرأة مسنّة تجاوزت السبعين من عمرها، تعيش وحيدة بعد أن توفي زوجها ولم ترزق بالأولاد، تسكن في خيمتها في مخيم اللج في أطراف سهل الغاب الشرقية، بعد أن هُجّرت من بلدتها الكركات في ريف حماه الشرقي.

عن عملها في تشكيل القش تقول يازي: "أذهب يومياً إلى الشقة (أحد فروع نهر العاصي) لإحضار القش، أنقعه في الماء لعدة ساعات، ثم أستخدمه في نسيج الجونيات والقفف ذات الأحجام المختلفة"، موضحة أنها تعلّمت النسيج من أمها منذ الصغر وأنها تبيع ما تنسج لتُعيل نفسها وتستغني عن سؤال الناس.

أما عن الصعوبات التي تعترض عملها فقد أجملتها الخالة يازي بثلاثة عوائق، منها أن الدم كثيراً ما يسيل من أصابعها عند العمل، كما تتيبس أصابع كفيها في كثير من الأحيان، فضلاً عن الآلام التي ترافقها طوال الليل جراء الجلوس الطويل أثناء العمل، إذ تحتاج لمدة أسبوع أو أكثر للانتهاء من نسيج الطبق الواحد.

صناعة القش والمفردات التي تستخدم في توصيف منتجاته، كانت موجودة في الريف الإدلبي منذ القدم، ولها أشكال متنوعة وأسماء مختلفة، من ذلك القش كان يصنع "القفير" و"النقال" و"الربوعة" و"الجونية"، وتميّزها كلها الأشكال البديعة والألوان الزاهية وكانت تلك المنسوجات تُعلّق في بيوت الغمس للزينة والمظهر الجمالي إضافة إلى استخدامها في أعمال المنزل اليومية. 

وسيلة للزرق والتخلص من ضغوطات الحياة

المهن اليدوية التقليدية لا تحتاج إلى شهادات أو خبرات وموادها الأولية متوفرة في السوق المحلية، ومع وقت الفراغ الواسع لساكني المخيمات، كل تلك الأسباب دفعت الكثير من النساء لتعلّم هذه المهن لإنتاج منتجات تشكل مصدر رزق لهنّ ولعوائلهن.

في مخيم جنة القرى تسكن ناديا النجار مع أطفالها، وزوجها الذي يعمل يوم ويجلس عدة أيام على حدّ قولها لقلة فرص العمل.

تقول ناديا إنها تعلمت نسيج الأطباق المختلفة في أحد المراكز بسلقين مع اختلاف بسيط هو أن البلاستيك حلَّ عوضاً عن القش لرخص ثمنه فضلاً عن توفّره بألوان مختلفة.

وتضيف أن هذه المهنة أخرجتها من الضغوط النفسية والضجر الذي كانت تعانيه في المخيم، كما وسّعت مادياً على عائلتها.

تلك الأسباب دفعت ناديا لتعليم تلك الحرفة لمن حولها من النساء رغم أن تعلّم المهنة يحتاج للصبر وبعض الحرفية والمهارة.

في ذاكرة الأجيال

المعمّر سالم المواس (93 سنة) والنازح من بلدة أرنبة في جبل الزاوية إلى مخيمات أطمة، روى لأورينت نت بعض ذكرياته مع أطباق القش.

يقول المواس "كنا نتحلق حول جونية الإفطار ذات القياس الكبير، وكانت مُقعّرة نوعاً ما، ما يسبب عدم استقرار كؤوس الشاي عليها، وعندما ينسكب كأس أحدنا عفوياً في قلب الجونية، كان كفّ أمي يصل خدّه في الحال، تنبيهاً له وللاحتراس من تكرار ذلك الفعل".

وعن أنواع القفف والجونيات التي كانت تنسج في على زمانه، يقول إنها تختلف حسب الاستعمال، فالقفّة الكبيرة أو "النقال" يستخدم لنقل الحنطة والشعير، والقياس الأصغر وتسمى "الربوعة" يوضع فيها العنب والتين أما القياس الصغير وتسمّى "القفة" تستخدم لجمع حبات الزيتون وبيض الدجاجات حسب قول المواس.

أما "القفير" فكان يتميز بفتحات واسعة نسبياً ويستخدم لتصويل الحنطة والشعير وليسمح للماء بالتسرب، وتستخدم الجونيات التي تتراوح أقطارها بين 30 إلى 120 سم في المناسبات والدعوات، وتُعلّق باقي الأيام إلى جوار أخواتها لتزيين الجدران.

صناعة القش مع أنها من المصنوعات التراثية التي اشتهرت بها محافظة إدلب وعلى الأخص جبل الزاوية، إلا أنها كانت مهددة بالاندثار مع تطور الصناعات الآلية وأنماط الحياة، والحنين إلى تراث الأجداد وإقبال البعض على تعلّمها وإقدام الناس على شرائها أعاد لتلك الحرفة بعضاً من ألقها خصوصاً وأنها تعتمد على مواد من السهل تأمينها من البيئة المحلية.

الأستاذ شريف العرمش مختص في علم الاجتماع ومهتم بالتراث الإدلبي، تحدّث إلى أورينت عن هذه الصناعة التراثية قائلاً إن "منتجات نسيج القش، مرتبطة بذكريات الزمان الجميل إذ رافقت الأهالي في طعامهم وفي حقولهم، وعلى بيادرهم، وضعوا طعامهم في الجونية الكبيرة وخبزهم المبلول بالجونية الصغيرة، وحملوا حنطتهم في النقال ووضعوا البرغل في القفير وقطفوا ثمار سلوخ العجور وشتلات البندورة بـ"الربوعة" و"القرطل"، وكلها من منسوجاتهم البديعة زاهية الألوان وبديعة التشكيل".

كما كانت نساء الحارة يجتمعن تحت ظلال أحد الجدران ويتنافسن في نسيج الجونيات والقفف بأشكال وخطوط متقنة تتضافر فيما بينها وكأنها عمل هندسي.

تلك الجمالية المحبّبة، كانت وراء عودة ظهور أطباق وقُفف القش المصنّعة يدوياً من جديد في معارض المهن اليدوية وحتى في الأسواق الشعبية إلى جانب أواني الفخار، وباتت تلقى إقبالاً من الزبائن على شرائها واقتنائها لجمال شكلها ورخص ثمنها، الأمر الذي شجّع الكثير من نساء المخيمات على تعلّم تلك المهنة عسى أن تخفف عنهنّ أعباء النزوح.

 

 

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات