مخدر صيني المنشأ من أجل صبر أكثر!

مخدر صيني المنشأ من أجل صبر أكثر!


شعر الكثير من السوريين باستغراب شديد، وبعضهم أخذته الدهشة عندما تبين لهم أن رأس النظام سافر إلى الصين لحضور افتتاح دورة الألعاب الآسيوية، ومن ثم ترجمت الدهشة والاستغراب بامتعاض شديد من قبل أغلب السوريين، لكن وسائل إعلام نظام أسد حاولت أن تصوّر هذه الزيارة على أنها غزوة موفقة نحو جزيرة الكنز، وأنها سوف تحمل معها تباشير الفرج للسوريين؛ ليس كل السوريين، وإنما أولئك الذين راهنوا على نظام أسد؛ سواء بدافع الخوف أو بدافع المصلحة.

قبل الدخول في الموضوع هناك حقيقة لا بد أن تُعرض على القارئ: أن أكثر الدول مديونية هي الأقواها اقتصادياً. لذلك نلاحظ أن الولايات المتحدة هي الدولة الأولى مديونية، بينما الدول الفقيرة ذات الاقتصاد المتعثر تكاد لا تجد من يقدم لها قرضاً مهما صغر حجمه. بمعنى أن المعاملات الدولية تشبه إلى حد بعيد التعامل بين البشر؛ يستطيع الغني أن يستقرض مبالغ كبيرة، بينما قد يصعب على الفقير أن يجد من يقرضه مبلغاً زهيداً.

حتى لو كانت سوريا في حالتها ما قبل عام 2011 لا يمكن لأي دولة في العالم أن تقدم لها قروضاً أو مساعدات يمكن لها أن تحدث فارقاً ملموساً على الصعيد الاقتصادي. أما الآن فيمكن القول وبكل ثقة إن الفوائد المادية لهذه الزيارة حصيلتها "صفر". ليس لأن الصين رفضت تقديم شيء، وإنما لأنه لم يطلب منها شيء، لأن جميع الأطراف تعلم بأن أي طلب من هذا النوع يدخل في إطار غير المعقول.

كل القصة وما فيها أن الزيارة قدمت لوسائل الإعلام والآلة الدعائية لنظام أسد مادة دسمة يمكنها أن تغذي المخيلة الخصبة لأبواق النظام لكي يقدموا للجمهور مادة مخدرة قوامها الشائعات الحالمة المليئة بالخيالات التصويرية المعبرة عن الأماني والأحلام. إنهم يشترون صبر الناس بعد أن لاحظوا أن صبر الكثيرين بدأ بالنفاد.

إذن، هدف الزيارة الرئيسي هو تخدير الشعب لعدة أشهر – على الأقل - من أجل أن يخوض نظام أسد مبارزة عض الأصابع مع الداخل والخارج بثبات ومقدرة على التحمل، فشعار المرحلة بالنسبة للجميع اليوم هو: إنما النصر صبر أشهر. هكذا يعتقد أصحاب المبادرة العربية، وهكذا يعتقد نظام أسد، وهكذا يعتقد أو يجب أن يعتقد ثوار السويداء.

يعتقد أصحاب المبادرة العربية أن نظام أسد تحت وطأة الضائقة الاقتصادية التي تسببت بتردي الأوضاع المعيشية لأغلب السوريين في المناطق الواقعة تحت نفوذه، والتي وصلت إلى حد لا يطاق، سوف تدفع نظام أسد مرغماً إلى القبول ببعض التنازلات، خاصة وأن المطلوب بعض الإجراءات الشكلية التي تساعدهم بالحفاظ على مياه وجوههم أمام شعوبهم وأمام المجتمع الدولي. وهم يعتقدون أن النظام لن يستطيع الاستمرار في تعنّته حتى النهاية. لذلك، فعليهم الصبر لبضعة أشهر.

في المقابل، يعتقد نظام أسد أن الأنظمة العربية إنما عرضت مبادرتها نتيجة لألم تشعر به، وبيئة ضاغطة تدفعها نحو التنازلات، أو الاعتراف بالهزيمة كما يحلو للآلة الدعائية لنظام أسد أن تسميه. إنهم لم يعد لديهم ما يكفي من طاقة لتحمل ومعالجة الملفات المتعلقة باللاجئين وتجارة "الكبتاغون" والأمن. وعليه، كل ما يحتاجه الأمر بعض الصبر كي تأتي المساعدات بالمجان.

نظام أسد من جهته لديه المقدرة على الصبر حتى اللا نهاية، لكنه اكتشف أن الأمر ليس بهذه البساطة والسهولة التي يتصورها، فالاستهتار بمشاعر السوريين وبمعاناتهم يبدو أنه خلق جواً من السخط العام الذي ينذر بالانفجار، وما حراك السويداء إلا نموذج لما يمكن أن يحصل. من هنا جاءت الحاجة لجرعة من الإشاعات الحالمة التي نسجت بناء على زيارة رأس النظام إلى الصين.

وبالحديث عن ثورة السويداء، لا بد من التوقف عند الأداء المذهل الذي قدمه ثوار السويداء حتى الآن؛ سواء على مستوى الهوية البصرية، أو على مستوى التنظيم، أو على مستوى الخطاب الوطني. والأجمل من ذلك أنهم جعلوا من تنفيذ القرار 2254 مطلباً نهائياً للثورة، وهو ما يعني إمكانية تجاوب أغلبية السوريين مع هذا المطلب الذي يتفادى احتمال السقوط الحر لنظام أسد، وهو ما يتخوف منه الكثيرون.

من جهة أخرى، وفيما له علاقة بالصبر؛ يبدو أن ثوار السويداء يعلمون أن الكثير من السوريين ربما يترددون في اتخاذ قرار الالتحاق بركاب ثورة السويداء نتيجة لعلمهم أن مدينة السويداء شهدت العديد من الانتفاضات الثورية خلال السنوات المنصرمة، لكنها لم تستمر سوى عدة أيام. لذلك؛ هم يؤكدون على الاستمرارية قولاً وفعلاً، بل هم من أجل زيادة المصداقية أحرقوا كل المراكب. وهم في نفس الوقت ما زالوا يجدون لباقي السوريين بعض الأعذار؛ فهم يعلمون تماماً أن ثورة البقية تحتاج صبر أشهر.

لهذا كله يحاول نظام أسد – بشتى الوسائل – أن يقنع السوريين بأنه قادر على اجتراح الحلول، ويطالبهم بالصبر، ولكن كما يقول أرسطو: "لكي يكون الإقناع مؤثراً يجب توافر ثلاثة عناصر: الثقة، المنطق، العاطفة". وحيث فقدت الثقة والمنطق لا يمكن للعاطفة وحدها أن تقنع السوريين بأن الفرج قادم من الصين. بل سيكتشف النظام أن المخدر الذي استخدمه لتخدير السوريين مفعوله محدود؛ لأنه مخدر صيني المصدر.

التعليقات (2)

    ساخط سوري

    ·منذ 4 أشهر 3 أسابيع
    ضيعت كم دقيقة لقراءة هذه المهاترة

    إلى ساخط الجحش

    ·منذ 4 أشهر 3 أسابيع
    ساخط سوري واحد جحش مفكر وقته بثمن و ماهو إلا عنصر مخابرات
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات