مجتمعاتنا ضحايا تزاوج خطاب الكراهية والعنف

مجتمعاتنا ضحايا تزاوج خطاب الكراهية والعنف

يُعتبر الخوض في تفاصيل وجزئيات العنف وخطاب الكراهية من أبرز القضايا المُلحة اليوم بما تحمله من خطورة وحقول ألغام مُفخخة، خاصة في دول النزاع والحروب، وبشكل أخص، بما يهمنا في واقع ذلك الخطاب في عموم سوريا وشماله الشرقي والغربي؛ فهي من القضايا المحورية التي تتربع على رأس الهرم الفكري والسياسي ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعية؛ نتيجة اتساع دائرة العنف بجميع أشكاله بين السكان المحليين مع بعضهم البعض من جهة، وبينهم وبين هياكل الحكم المحلية من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة بين الأطراف المُشكلة لتلك الهياكل.

وذلك عبر مختلف الوسائل كالمعرفات الإعلامية، أو المواجهات المُباشرة، لدرجة أن خطاب الكراهية والعنف أصبحاً من الأمور المتماهية والمُعتاشة بين قاطني تلك المناطق، وهما من أسوأ الظواهر الاجتماعية والإنسانية، التي تُمهد لثلاث كوارث عميقة:

أولها: تهديد الأمن والاستقرار المجتمعي والإطاحة بكل مُمهدات السلم الأهلي.

ثانيها: تؤسّس وتخلق ثقافة هجينة قوامها الإلغاء والقتل والنفي.

ثالثها: تصل بمداها ومستوياتها ونتائجها إلى أخطر المؤسسات وأكثرها حيوية وحساسية كالتعليم والتربية، والدين، والإعلام، وملاعب كرة القدم.

غالباً ما يكون الخطاب واللفظ العنفي تجاه الآخر المختلف، هو المدماك صوب تفتيت المجتمعات سواء في الدول المركبة التي تضم خليطاً من القوميات والإثنيات، أو ضمن المجتمع والدول ذات القومية والدين الواحد.

فاللفظ خاصة في الأزمات، يمتاز بسرعة الانتشار وتكرار الاستعمال؛ كنتيجة لتداعيات الحروب والكوارث، منها ما يكون تنفيساً عن الضغط النفسي والفكري الذي تُعانيه القواعد الاجتماعية؛ نتيجة الحرمان والفقد والفقر.

ومنها-ألفاظ وخطب كراهية- ما يجعل من الفئة المستهدفة بذلك الخطاب، مشجباً تُعلق عليه كافة أنواع الفشل والكسل الفكري، فيُكتفى بالقول: إن الفئة الفُلانية تحمل من الصفات السلبية أو النعوتات البالغة السوء، ما يجعل منها سبباً في كل المآسي التي تعصف بالبلاد والشعوب، والمشكلة الأعمق أن ذلك الخطاب ينتقل من جيل إلى جيل، خاصة في ظل شبكات التواصل الاجتماعي التي ماعادت تستر شيئاً.

وتبيّن خلال سنوات الربيع العربي أن العنف المتغلغل في الحواضن الاجتماعية لمختلف البلدان، رافقه تطور مخيف لخطاب الكراهية، وغالباً ما يكون العنف المضاد هو السلاح الوحيد للجماعات المسالمة، خاصة الفئات الشعبية التي تتحول لضحايا نتيجة السياسات المتبعة من فئات سيطرت على البلاد دون وجه حق، أو بسبب الممارسات المتبعة من السلطة التقليدية الموجودة سابقاً.

وذلك العنف القادم من "مجتمع الضحايا" غالباً ما يتكون على شكل خطب دفاعية تحمل تصورات حول الآخر القاتل المتشفي، أو إعادة جذر ممارسات الفئات العنفية ضدهم إلى تاريخ قديم يحمل ذكريات مؤلمة عن طبيعة التعامل بينهم، أو لجوئهم أيضاً للعنف المضاد سواء عبر الممارسات المسلحة أو السياسية أو الحملات الإعلامية أو...إلخ. وهي تدخل ضمن خانة ردة الفعل تجاه الأفعال التي تُلحق الأذى بهم وبأجيالهم القادمة.

وسوسيولوجياً فإن العنف هو كل سلوك يعود أصله إلى تركيب متخاصم من المصالح والميول المتعارضة التي تؤثر على وحدة الجماعات ضمن مكان ما، وغالباً ما يتطور إلى سلوك قمعي وألفاظ بذيئة ومزعجة يستغل الخلل في النظام الاجتماعي.

ويتطور ذلك العنف إلى العنف المجتمعي والذي هو أخطر أشكال التهديدات المباشرة التي تطال المجتمعات؛ فهو يلجأ للعنف الجسدي والترويج لنشاطات سواء عبر الإنترنت، الكتابة على الجدران، التحريض ضد الآخر، عدم التسامح والتلويح بالقصاص في أول فرصة تسنح للجماعات الممارسة للعنف، وتستخدم ألفاظاً مقززة ضدهم، أو ممارسة العنف الشخصي أو الجمعي ضد الضحايا في الأماكن العامة والتنمر. 

وغالباً ما تكون تلك الجماعات المتمسكة بنهج الكراهية، إنما تستغل قوتها القائمة إما على دعم هياكل الحكم المحلية لها، أو كمية السلاح غير المنضبط معها، أو تتيقن بغياب أي مُساءلة قانونية أو عدالة اجتماعية للقصاص منهم، فيستغلّون قوتهم، وغالباً ما تكون غير شرعية، تجاه الطرف الضعيف، دون أيّ اهتمام بحجم الضرر والأذى النفسي أو المادي أو السمعة، أو بما ستحمله الأجيال القادمة من حقد وضغينة تجاه مصدر ذلك الخطاب والسلوك.

ولا يمكن تفكيك ذلك السلوك الشاذ، دون معرفة وتحليل الواقع الاقتصادي والبطالة والثقافة، ونوعية الإعلام الموجود، وحساب معدل الجريمة ومستوياتها، والأمن الاجتماعي، والنزاع المسلح، الإرهاب والمواجهات العسكرية والتي تلعب جميعها الدور الأساسي في نشر ذلك الخطاب أو الحد منه.

ولعل من أخطر ما يُشاع حالياً هي مرادفات خاصة بكل مجتمع أو قومية وديانة تعيش في هذه البلاد التعيسة، والتي أصبحت على أعتاب الدول الفاشلة وغير الصالحة للعيش: فالعرب دواعش، والكرد انفصاليون وخونة، المسيحيون صليبيون ومرتدّون، الإيزيديون عبدة الشيطان ومجوس.

اختيار لفظ واحد من خطب الكراهية الكثيرة عن كل فئة/شريحة/مجتمع، هو كفيل بخلق جيش من حملة ذلك الخطاب وتلك المرادفات، فكيف والحال مع سيولة الخطابات والممارسات والسلوكيات العنفية.

 والطبيعي القول إن المسؤول الأول عن ذلك هو هياكل الحكم المحلية بحكم سيطرتها على مقاليد البلاد والأقاليم الاقتصادية والحياة السياسية والإعلامية، وهي المسؤولة الأولى والأساسية عن تفكيك تلك الخطب، إضافة لمنظمات المجتمع المدني والتي أثبتت أحداث دير الزور الأخيرة، فشلها الذريع أمام هول الكارثة الفكرية والذهنيات والتعاطي مع الحدث.

مجتمعاتنا أمام ثلاثة مُحددات مُتشابكة، أولها: أن العيش المشترك والسلم الأهلي في خطر حقيقي وأن كل هياكل الحكم، والأجسام السياسية على اختلاف انتمائها وبنياتها، ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالتماسك المجتمعي وغيرها، كلها فشلت في أحدث أي اختراق لنمطية التعامل مع الآخر المختلف، وثانيها: أن دائرة الكراهية والاستعداد للانتقام تكبر بشكل مخيف، وثالثها: هل من حلول لهذه الظاهرة وتكرارها؟.

هذه النمطية من التعامل القائم على أن الآخر سلبي وعدو دوماً، بنيته الأساسية تقوم على عدم وجود خطاب وطني جامع شامل، ودوماً ما تكون العبارات المنمقة والتي تحث على الشعور الوطني ووحدة المستقبل والبلاد والعيش المشترك والسلم الأهلي، إنما تأتي بعد ممارسات وخطابات عنفية وكراهية تشكل محركاً لسلوكيات ميدانية مسيئة تجاه الرموز الدينية أو السياسية والمجتمعية، والرمز في هذا التوصيف إنما يرتفع لمستوى الشعب وحيواتهم وحقوقهم وأعلامهم وديانتهم الخاصة، وليس الأشخاص فحسب. 

 

التعليقات (1)

    ناصر

    ·منذ 8 أشهر 3 أسابيع
    مقال رائع ويلامس الواقع والخطر الذي بهدد المجتمع السوري
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات