المجتمع السوري.. طائفي أم تم تجييشه طائفياً؟

المجتمع السوري.. طائفي أم تم تجييشه طائفياً؟

لعله من البديهي للمطّلع على التاريخ السوري الحديث منذ تأسيس الدولة السورية عام 1918م باسم المملكة السورية بعد انسحاب القوات العثمانية من الديار الشامية على يد عسكر الشريف حسين حليف الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، أن يدرك من خلال قراءاته لواقع المجتمع السوري أن هذا المجتمع المتعدد الانتماءات والأعراق مجتمع متعايش منذ مئات السنين، ولم يحدث أن ذكر التاريخ إلا بعض الحوادث العابرة التي لم تؤثر على سير الحياة واستمراريتها بشكلها الطبيعي بين فئات المجتمع.

انتهت فترة المملكة السورية وملكها فيصل بن الحسين على يد الانتداب الفرنسي، إذ لم يطل عمر هذه المملكة أكثر من سنتين، وبعدها تحوّلت إلى الجمهورية السورية منذ عام 1920م وهي تحت الانتداب الفرنسي وصولاً إلى عام الاستقلال منه 1946م، ثم عهد الدولة الوطنية التي استمرت حتى عام الوحدة مع مصر 1958م، وبعد الانفصال 1961م واستيلاء حزب البعث على السلطة فيما سماه ثورة الثامن من آذار 1963م تم تسميتها بـ الجمهورية العربية السورية، وهي كذلك حتى الآن.

يشهد تاريخ هذه الدولة الوليدة في بدايات القرن العشرين أن مجتمعها لم يكن مجتمعاً طائفياً، فكثير من الأحداث والشواهد تدل بشكلٍ جليّ وواضح عن مدى رقي هذا المجتمع وترفّعه عن الصغائر، فيكفي أن نذكر شاهداً على ذلك شخصية فارس الخوري المسيحي، وهو عالم وزعيم وطني سوري، وقد كان أحد الآباء المؤسسين للجمهورية السورية ومن قادة الكتلة الوطنية التي حاربت الانتداب الفرنسي. تسلّم رئاسة البرلمان السوري ثم رئاسة الوزراء في الثلاثينيات والأربعينيات، ليعود رئيساً للحكومة في عهد الاستقلال عام 1954م.

ولعل القارئ الكريم قد قرأ أو سمع عما فعله هذا الرجل الوطني في الجلسة المنعقدة في الأمم المتحدة لمناقشة القضية السورية، حيث قام بشكل مقصود بالجلوس على مقعد المندوب الفرنسي الذي خرج عن طوره وهو يخاطب الخوري طالباً منه القيام عن المقعد؛ لأنه مقعد فرنسا وعليه أن يجلس في المقعد المخصص له، وفارس الخوري لا يرد عليه إنما كان ينظر في ساعته، والحضور يتابعون الموقف الغريب الذي لم يحدث من قبل في هذا المكان، وبعد خمسٍ وعشرين دقيقة حيث خرج السفير الفرنسي عن طوره تماماً وراح يزبد ويرغي غاضباً، وقف الخوري ليقول له يا سعادة السفير أنت لم تتحمّل أن يجلس ممثل دولة أخرى على مقعد دولتك خمساً وعشرين دقيقة وغضبت غضباً شديداً شاهده كل هذا الحضور، فكيف لبلادي سوريا أن تحتمل احتلال دولتك لدولتي خمساً وعشرين سنة؟ فاشتعلت القاعة بالتصفيق لهذا البطل السوري فارس الخوري، ويومها اتخذ المجلس قراراً بالإجماع على استقلال سوريا.

لا أريد من وراء ذكر هذه الأحداث وهذه الشخصية الوطنية سوى أن أدلل على أن المجتمع السوري ذا الغالبية من المسلمين السنّة لم يتحرّج من تسليم قيادته في معركته للحصول على الاستقلال لرجل مسيحي ينتمي إلى أقلية دينية، وهذا يدل على أن هذا المجتمع لم يكن طائفياً ولم يكن انتماؤك الفئوي الضيق يقف عائقاً أمام اعتلائك لأعلى المناصب.

ولكي لا يقال إن ما حدث لفارس الخوري حالة فردية، فعلينا أن نذكر أن عدداً من رؤساء الجمهورية في العهد الوطني لم يكونوا من المكوّن العربي صاحب الأغلبية، ومنهم حسني الزعيم ذو الأصول الكردية، وأديب الشيشكلي ذو الأصول التركية، ومن الزعماء الوطنيين الذين استلموا مناصب عليا في الدولة خليل مردم بك ومحسن البرازي وهما من أصول كردية .. والقائمة تطول لو أردنا سرد أسماء أخرى.

ومنذ أن استلم حزب البعث السلطة سنة 1963م وتحكّم الضباط العلويّين به وبمفاصل الجيش والسلطة، بدأت رائحة الطائفية تزكم الأنوف، والتي بلغت أوجها عندما كان حافظ أسد وزيراً للدفاع وأمين الحافظ رئيساً للجمهورية.. حيث كان يقدم وزير الدفاع لرئيسه قوائم فيها مئات الضباط السنة لتسريحهم وقوائم أخرى فيها مئات لصف ضباط علويين لترقيتهم، وكان أمين الحافظ رجلاً ساذجاً أضف إلى كونه سكيراً منفلتاً؛ إذ كان حافظ الأسد يهيئ له حفلات حمراء مع فتيات جميلات، ووسط هذا الجو من السكر والعربدة يقدم له هذه القوائم ليوقعها، وقد سأله أحمد منصور مذيع الجزيرة في برنامجه شاهد على العصر.. لماذا لم تقدم على نقض القرار عندما تصحو صباحاً وتجد نفسك قد سرّحت مئات الضباط؟ فأجابه بقوله "حتى لا يقولوا عني طائفي"، فتخيّل هذا الجواب الساذج.

ومنذ ذلك الحين إلى وقت الناس هذا وسوريا تعيش الطائفية بأبشع صورها، حيث سيطرت الأقلية العلوية على مفاصل الدولة، فتجد في الواجهة عشرين وزيراً سنّيّاً مثلاً لكنهم في الحقيقة يأتمرون بأمر مساعد أو رقيب أمن علوي.

فالروح الوطنية التي كانت تتسم بها الدولة والمجتمع السوري في الخمسينات قد تحوّلت على يد حافظ أسد إلى طائفية مقيتة دفعنا نحن السوريين عامة والسنّة بالخصوص ثمناً باهظاً من أجل الخلاص من هذا النظام الطائفي الذي أعاد سوريا مئة سنة إلى الوراء بفعل آلة التدمير التي أعملها في البلد وبناه التحتية، هذا غير بيع كل مقدرات الدولة للإيراني والروسي مقابل دعمهم له للبقاء على الكرسي.

ولقد كان النظام حريصاً منذ انطلاق الثورة على إبعاد الأقليات عنها، فاتخذ الدروز الحياد فمنعوا أولادهم من التجنيد في جيش الأسد وهذا موقف يُحسَب لأهل الجبل، أما مناطق الأكراد فقد سلمها لحزب الاتحاد الديمقراطي مقابل منع الشعب الكردي من الانخراط في الثورة في مناطقه، وبذلك استطاع حصر الثورة ضمن الأكثرية السنية ومن وقف معها من المكونات الأخرى على شكل أفراد وجماعات قليلة، ولأن هؤلاء لا شفيع لهم قام بتدمير مدنهم وتهجيرهم عدا من قتله أو غيّبه في سجونه ومعتقلاته، ووصمهم بالإرهاب والخيانة وكل الأوصاف التي ما أنزل الله بها من سلطان، مدعياً للأقليات وعلى رأسها الأقلية العلوية أنه حاميها بوجه الأكثرية السنية المتوحّشة.

ثم جاءت انتفاضة السويداء لتقلب السحر على الساحر وتزلزل عرش الأسد المبني على دعائم من الكذب والبهتان وأنهار من دم الأكثرية السنية، ولتعيد الثورة السورية إلى سيرتها الأولى، ثورة من أجل كل السوريين.

وخلاصة القول إن الطائفية في المجتمع السوري ليست متأصّلة فيه، وتاريخه يشهد بذلك، وما حدث خلال حكم الأسد الأب والابن هو سياسة ممنهجة حتى يحافظ على كرسي الحكم ويبقى متربّعاً عليه هو وذريته من بعده، وما يأمله كل سوري حر شريف أن تنتهي هذه المحنة برحيل هذه العصابة التي عاثت في البلاد فساداً حتى يعيد أبناء سوريا الحرة بناء وطنهم من جديد.. ليس بناء الحجر وحسب بل بناء الإنسان السوري قبل ذلك.

التعليقات (5)

    سارة

    ·منذ 9 أشهر أسبوع
    كان المسلم والمسيحي واليهودي ساكنين جمب بعضون البعض وعايشين احلى عيشة حتى اجا اهاد الوسخ، كنا ما منعرف شي اسموا كردي وعربي وتركماني وفارسي والباني وشركسي حتى اجا هادا الوسخ

    ابو بلال

    ·منذ 9 أشهر أسبوع
    على كل حال هو يلي جاب البلاء على حالوا وعلى طائفته، الشعب السوري بكل طوائفة لح ينتقموا من هل ابن الحرام هاد

    مؤمون على

    ·منذ 9 أشهر أسبوع
    ورغم كل المشاكل يلي سببها هذا الملعون ولا يزال الشعب السوري غير طائفي

    بطرس

    ·منذ 9 أشهر أسبوع
    فرانسا كانت توجه له التعليمات

    ساخط سوري

    ·منذ 9 أشهر أسبوع
    خيال الكاتب خرج افلام هندية. فترة حكم العصملي كان السنة مكيفين والأقليات أكلة هوا وبرأي الكاتب أنه الأمور ممتازة كانت
5

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات