مأزق نظام أسد يزداد خطورة.. تظاهرات وإضرابات بسبب سوء الوضع المعاشي

مأزق نظام أسد يزداد خطورة.. تظاهرات وإضرابات بسبب سوء الوضع المعاشي

تشهد محافظات الجنوب السوري (درعا والسويداء وريف دمشق) حركة احتجاجات وتظاهرات وإغلاق محلات بسبب الغلاء الفاحش، وتدني الوضع المعاشي بصورة مريعة، فزيادة الرواتب التي أعلنها نظام أسد، ابتلعتها موجة رفع الأسعار، التي زادت أكثر من مئة بالمئة لكثير من السلع الضرورية، ما فجّر غضباً شعبياً سلمياً على فشل النظام في حل الوضع المعاشي، إذ بلغت نسبة ممن هم تحت خط الفقر المدقع أكثر من تسعين بالمئة من مجموع السكان، الذين يعيشون في مناطق سيطرة ميليشيات أسد وحليفاتها الشيعية القادمة من وراء الحدود.

ولفهم الأمر بصورة واقعية، ينبغي التعريج على بنية نظام الحكم الأسدي، فهذه البنية، ورغم مرور أكثر من اثني عشر عاماً على الثورة السورية، التي تفجّرت بصورتها السلمية في منتصف آذار من عام 2011، لم يقم النظام بأي تغيير فيها، فهي لا تزال بنية أمنية شمولية مغلقة، وهو ما يجعل من تناقضها الجوهري مع بنى المجتمع يراكم لانفجارات محتملة، سيما مع ما دمرته حرب النظام في قطاعات الاقتصاد الرئيسية كالزراعة، والصناعة، والسياحة، والخدمات.

المظاهرات يقف خلفها وضع معاشي سيّئ، وهذا الوضع ليس سببه العقوبات الاقتصادية على نظام الأسد فحسب، بل سببه بنية نظام حكمٍ يُتيح لمواليه من تجار طارئين "تجار حروب" أن يمارسوا لعبة نهب الشعب بطرق عديدة ومختلفة.

النظام الذي خسرت عملته قوتها الشرائية كثيراً، حيث كان الدولار الأمريكي عام 2011   يُصرف قرابة خمسين ليرة سورية، أما اليوم فيصرف الدولار الأمريكي مقابل 14000 ليرة سورية، وهذا يعني أن الرواتب الشهرية للعاملين في قطاعات الدولة كانت عام 2011 قرابة 400 دولار كمتوسط شهري، أما اليوم فهي اقل من عشرين دولاراً في الشهر.

حقيقة الاحتجاجات، التي يزداد أوارها يوماً وراء يوم في مختلف مناطق سيطرة ميليشيات أسد وحليفاتها الشيعية، ليست على الوضع المعاشي فحسب، بل على تدهور كل أشكال الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والتعليمية..الخ.

بمعنى آخر، تزداد هذه الأوضاع سوءاً نتيجة فشل نظام الأسد في السيطرة على الأوضاع العامة، ويقف خلف هذا الفشل وجود ميليشيات وقوات جلبها النظام لحمايته من السقوط، فهذه الميليشيات، لا تقاتل من أجل عيني بشار أسد الزرقاوين، بل من أجل السيطرة على البلاد وعلى مؤسساتها الوطنية كافة، وفي مقدمتها المؤسسات الاقتصادية والخدمية.

الاحتجاجات الجارية اليوم في محافظات الجنوب السوري، موجودة بصورة أخرى في مناطقة حاضنة النظام في الساحل السوري وحمص، فالتململ العلني، لم يعد حديثاً بصوت هامسٍ، بل بدأ عديد من الناشطين المخدوعين بالنظام بالإعلان عن تحميل حالة الجوع والبطالة، وتدني الخدمات الأساسية للحكومة الفاسدة، ولمن يحميها، ويقصدون بذلك أجهزة الأمن القابضة على كل أشكال الحياة السورية.

ولعل هذه الاحتجاجات ستأخذ مسارات أخرى في ظل عجز نظام أسد عن التصدي لحل المشكلات الحياتية اليومية الكبرى، فالنظام رفع الدعم عما تبقى من سلع غذائية وفي مقدمتها الخبز، مما راكم من خطر مجاعة محتملة، نتيجة الفقر الشديد للسوريين في مناطق سيطرة ميليشيات أسد.

النظام الأسدي لا يزال منغلقاً على بنيته، فهو يعرف تماماً أن وجوده ارتبط منذ صعود الديكتاتور الأب حافظ اسد إلى الحكم بانقلاب عسكري ببنية دولة أمنية متعددة الأذرع، هذه البنية، لا يستوي لديها غير أحد أمرين اثنين، فإما أن تنتصر وتبقى مهيمنة على البلاد، وإما تقاتل حتى سقوطها، وهو الأرجح بسبب التوازن الدولي الذي لا يخدم بقاءها في السلطة.

هذه الحقائق يجب أن يدركها السوريون الذين لا يزالون يراهنون على انتصار عسكري وهمي أنجزه نظام بشار أسد، الانتصار العسكري لم يحدث، وحليفا النظام الروس والإيرانيون استنفذا فعلياً الاستمرار في دعم هذا النظام، فهما غير قادرين على الاستمرار بالدعم، فحاجات النظام تزداد يوماً وراء يوم، مما يعكرّ استثمارها في الصراع السوري، ولهذا فهما يبحثان عن بديل مقبول لديهما يحافظ على مصالحهما في هذه البلاد المنهوبة منذ نصف قرن ونيّف.

وفق هذه الرؤية، يمكننا القول إن نظام بشار أسد نظامٌ عاجزٌ عن تجاوز مأزقه التاريخي الخطير، فهو أولاً استنفد دورة حياته كقوة صاعدة منذ سنوات طويلة، وهو متهم الآن دولياً كنظام ارتكب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية، إضافة إلى رعايته تصنيع وتهريب حبوب الكبتاغون المخدرة، كي يتابع حربه ضد الشعب السوري الثائر ضده.

وهو عاجز أيضاً بحكم عدم قدرته على تغيير بنيته، فمتى حاول تغيير هذه البنية ستنفرط سبحة نظامه الملمومة بخيط الاستبداد الفظيع وقهر السوريين المريع.

إن السوريين بحاجة للفت انتباه العالم لمأساتهم وأوضاعهم، وبيان أن من جعل حياتهم صعبة وفقرهم مدقعاً هو نظام يريد أن يصدقه الناس أن مؤامرة كونية تحاك ضده، وهذا يتم عبر تعميق الحضور السلمي للاحتجاجات المطلبية الخاصة بالوضع المعيشي للسوريين المنكوبين.

هذا الحراك السلمي يجب أن تقوده مجموعة وطنية سورية واحدة، كي لا يقع السوريون من جديد في العجز عن اختيار قيادة وطنية واحدة ذات مصداقية وثقة لديهم، وهذا يتطلب وضع برنامج عمل يتلاقى مع الجهد الدولي الرافض لتعويم نظام أسد والقفز من فوق جرائمه المرتكبة بحق السوريين.

إن عقد مجموعة الحراك الوطني السوري السلمي في داخل سورية لمؤتمر وطني يرتكز على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية وفي مقدمتها القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2015 سيكون مؤتمراً ذا جدوى، فالنظام ليس بمقدوره وبمقدور حلفائه الخروج من هذا المأزق التاريخي.

المطلوب عدم الركون على وعود، بل تشكيل لجان متخصصة على المستوى الوطني لمتابعة فرض التغيير سلمياً، فهل سينجح الحراك السلمي الحالي في مناطق سيطرة أسد؟ 

الجواب ستحمله الأيام القادمة المليئة باكتظاظ غيوم غضب الشعب السوري الذي ينذر بانتفاضة جديدة ربما تتمكن من اقتلاع جذر هذا النظام، لا سيما بعد جوع حاضنته.   

التعليقات (2)

    الداعم الاستراتيجي

    ·منذ 10 أشهر 3 أسابيع
    بعد أن تعهد الرئيس البيلاروسي لوكا شينكو بدعم الشعب السوري يعتقد بعض المحللين أمثال السيد واحد تنين تلاتي اتكلو عاالله ،وآخرين أن يتحسن الواقع المعيشي بصورة دراماتيكية و بوتيرة متصاعدة لكن لم يأخذ المحللين بعين الاعتبار كامل حديث الرئيس لوكا شينكو حيث حدد توقيت المساعدة في مرحلة إعادة الإعمار ويشبه كلام البيلاروسي مقولة شهيرة جاء المتعوس إلى خايب الرجاء او عالوعد يا كمون وهنا يطرح الواقع سؤال مهم هل سوف تسمح له إيران في تقاسم الكعكة حينها ؟وقد سبق وتم الإتفاق بين ايران وروسيا على القسمة لكن يبقى السؤال الكبييييير أين الكعكة وهل هناك كعكة ؟؟؟؟ لأن الكعك غالي وسعره بالسوق العربي ٢٢٥٤ وإذا تم دفع الثمن تختفي الكعكة فوضعها يشبه قطة تشوردر

    Lula

    ·منذ 10 أشهر 3 أسابيع
    لا يفل الحديد إلا الحديد؟؟؟ لا سلمية ستحل الوضع المذري الراهن مع هذا الخنزير بشار ونظامه الفاشل ولا السياسة ولا اللجوء إلى الأمم المتحدة ولا كل هذا الزفت هو اختارها بالرصاص ولن يتم النصر عليه إلا بالرصاص.
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات