الثورة السورية: في ضرورة نقد ما نظنّه معتقداً

الثورة السورية: في ضرورة نقد ما نظنّه معتقداً

بعد أن ظنّ نظام الأسد أن الأمر قد استتبّ له وأعاد البلاد إلى سابق عهدها، انتفض الناس في وجهه مرة أخرى، فها هي السويداء ودرعا تعيد الأمر لسيرته الأولى متحدّين جبروت النظام، فتفاعل معهم السوريون في مختلف مناطق السيطرة في سوريا. ولكن، ألم نؤمن لعقود أنه كما نكون يولّى علينا، وأن الناس على دين ملوكهم؟ فهل ما زلنا كذلك؟!

هل كما نكون يولى علينا؟

إن تعقيد المشهد السوري ألقى بكلكله على السوريين، ودفع البعض للاعتقاد بأن كل ما يجري قد دبّر بليل، ولا يمكن فعل شيء. أي إنه عزّز افتراضاً مسبقاً بعبثية البحث والتفكير بما يجري، وكل هذا يؤدي للإيمان بنظرية المؤامرة. لأن حدثاً شديد التعقيد كالثورة السورية لا يمكن فهم حيثياته بسهولة، فيختار الناس أيسر الطرق للفهم بالبحث عن تفسيرات بديلة تشرح ما يجري.

من تلك التفسيرات هي عبارة "كما تكونوا يولى عليكم". من لم يستطع فهم ما يجري، يبني رؤيته على مثل هذه العبارة، فكل ما يستقبحه الإنسان في السلطة، هو بسبب الشعب الذي أفرز هذه السلطة، لدرجة أن البعض يظنها حديثاً نبوياً يجب الاعتقاد به. 

وفي بيان صحة هذا الحديث، جاء في موقع "إسلام ويب" ما يلي: فحديث: كما تكونوا يولى عليكم. رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة، ورواه البيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلاً.

وقد ضعّفه غير واحد من أهل العلم، منهم من المتقدمين الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-، ومن المتأخرين الشيخ الألباني -رحمه الله-، فقد جمع طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/490)، وحكم عليه بالضعف، ثم قال: والواقع يكذبه، فإن التاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو. إن كان صحيحاً فإننا نحكم على الشعب السوري كله بالارتزاق والإجرام والفساد.

إذاً، فالناس على دين ملوكهم؟

إن من يسعون لإصلاح المجتمعات يختلفون فيما بينهم حول: من أين نبدأ الإصلاح؟ هل نبدأ بإصلاح الشعوب؟ فإن صلحت الشعوب صلح الحكام. أم نصلح الحكام، فإن صلحوا صلح الناس بناءً على أن الناس على دين ملوكهم؟ التجربة التاريخية تقول إن الناس على دين ملوكهم. مثلاً في دعوته للإسلام كان النبي ﷺ يخاطب عامة الناس وخاصتهم في البداية، ولكنه قبل دخوله المدينة "يثرب" تركزت دعوته على مخاطبة علية القوم (شيوخ القبائل ونقبائهم)، فعندما أسلم نقباء الأوس والخزرج؛ أسلم القوم كلهم. هذا الخطاب الموجّه لعلية القوم؛ جعل من النبي عند دخوله المدينة، الرجل الأول فيها. 

جاء في تاريخ ابن كثير والطبري ما نصه: بعد معركة القادسية التي وقعت في 13 شعبان 15 هـ (16 - 19 نوفمبر م636) بعد أن وصل تاج كسرى وسواراه للخليفة عمر بن الخطاب، قال: إن قوماً أدّوا هذا لأمناء. فقال له علي بن أبي طالب: لقد عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعت. نعم، فالناس على دين ملوكهم. 

 وذكر ابن كثير في ترجمة الوليد بن عبد الملك: قالوا: وكانت همة الوليد في البناء وكان الناس كذلك; يلقى الرجل الرجل، فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، فكان الناس كذلك; يلقى الرجل الرجل، فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، والصلاة والعبادة، فكان الناس كذلك; يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟ نعم، فالناس على دين ملوكهم. 

في الأحوال العادية الناس على دين ملوكهم. انظروا إلى حال السوريين قبل الثورة، ألم نكن نتقن تكتيكات تدبير الحال ضاربين بعرض الحائط كل القوانين؟ ألم يكن كثير من الناس نسخة مصغرة عن النظام بفساده وظلمه؟ حتى يكون الناس على دين ملوكهم، يجب أن يكون ملوكهم منهم، يعملون لأجلهم، يحفظون كرامتهم، لا يكرسون كل جبروتهم وقوتهم لقتلهم. في الثورات، الناس ليسوا على دين ملوكهم، بل دينهم الحرية والكرامة، دينهم شعورهم بألم الآخرين ومعاناتهم، دينهم رفضهم للظلم والذل، دينهم إنسانيتهم. 

إن ما يجري في السويداء ودرعا ما هو إلا دليل على أن الثورة السورية كسرت -على الأقل- ما كنا نظنه أنه قاعدة، كالقواعد التي ذكرتها آنفاً. والأيام كفيلة لتثبت لنا أن ما يجري في الجنوب السوري قد يكون شبيهاً لحد بعيد بما جرى في نفس المنطقة أيام الاحتلال الفرنسي، فما إن انتفض جبل العرب مشعلاً ثورة عارمة؛ حتى تبعته مختلف مناطق سوريا في شكل يعبر عن تواطؤ الشعور بالتضامن والتماسك لمقاومة وردع الفرنسيين. إلا أن النتائج قد تكون مختلفة. 

هناك صعوبات كثيرة تعيقنا عن فهم الديكتاتوريات، منها، أن صنع القرار فيها يدبر في الظلام، ومعظم الدراسات الأكاديمية تركز على الأنظمة الديموقراطية، وعدم التجانس بين الديكتاتوريات واختلاف صنع القرار فيها واختلافها عن الأنظمة الديموقراطية. لا أحد يعلم كيف سيتصرف النظام بعد المظاهرات الأخيرة، إلا أن ما نعلمه هو أن القرار النهائي سيصدر عن بشار أسد. لكن كسوريين، خبرنا على مدى أكثر من عقد أن المشكلة الرئيسية هي رأس النظام والقرار النهائي بيده، فهل لديه خيار غير القرار الذي اتخذه في بداية الثورة؟.

التعليقات (1)

    ابو اليمان

    ·منذ 10 أشهر 3 أسابيع
    رائع أحسنت النشر ❤️
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات