عن نظرية الرأس الصالح والجسم الفاسد وغباء السوريين

عن نظرية الرأس الصالح والجسم الفاسد وغباء السوريين

اعتاد البشر تبرير أفعالهم المشينة وسلوكهم المنحرف ببعض المسوّغات التي تضفي على ذلك السلوك وتلك الأفعال نوعاً من الشرعية، لذلك نادراً ما نجد مستبداً يقدم نفسه دونما علة يسوق بها استبداده، ولعل الثنائية المعروفة: ألمعية الحاكم وفطنته في مقابل جهل البقية وتخلفهم العقلي من أهم الأقنعة التي استخدمت لتغطية الاستبداد.

بنظرة موضوعية حيادية – غالباً – سوف يلاحظ المرء أن تلك المقولة صحيحة إلى حد ما، وخاصة فيما يتعلق بجهل البقية، أو جهل العامة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ لكي تكون النظرة أكثر موضوعية: هل الشعوب التي رزحت تحت نير أنظمة مستبدة هي جاهلة ومتخلفة نتيجة تخلف بيولوجي فطري؟ أم إنها وصلت إلى هذه الحالة المتردية من الجهل والتخلف بفعل فاعل؟ وهل يعقل أن يصل مستوى الغباء لدى الشعوب لدرجة الإيمان بنظرية "الرأس الصالح والجسم الفاسد"؟

يقول ممدوح عدوان: "احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف.. إذاً فقد دمرت كل جهاز تفكيره ونزلت به إلى ما دون مستوى الإنسان". وممدوح عدوان هنا لا يقدم نصيحة للمستبد إنما هو يصور واقع حال؛ حيث لاحظ كيف تتم عملية تشكيل الأفراد في بلده منذ نعومة أظفارهم، سواء عن طريق صرف اهتماماتهم نحو توافه الأمور، أو من خلال تلقينهم أنصاف الحقائق والترهات، أو عن طريق اللجوء إلى أساليب الترهيب المعتادة.

وينسب لعالم الفيزياء الشهير "ألبرت أينشتاين" قول: "شيئان فقط ليس لهما حدود، الكـون وغبـاء الإنسان". ولكن رغم ذلك، أي رغم إمكانية التصديق بوجود مستويات من الغباء مرتفعة جداً، ورغم الاعتراف بأن صناعة الغباء حرفة تتقنها الأنظمة المستبدة؛ لا يمكن تصور أن نجد شعباً بأكمله يشكل قطيعاً من الأغبياء. لذلك، يعتقد أن أسلوب الترهيب هو الأكثر حضوراً عندما يتعلق الأمر بضرورة أن يظهر الفرد ومن ثم المجتمع على درجة من الغباء لا يمكن تصورها. 

إن نظرية "الرأس صالح لكن البقية فاسدون" تجسّد حالة الإرهاب الجماعي بأعلى مستوياتها، وهي في الوقت ذاته تعكس مستوى القهر والظلم الذي تتعرض له الشعوب التي شاءت الأقدار أن تبتلى بنظام مستبد، فهذه النظرية أو المقولة ليس لها سوى معنى واحد، وهو: نحن كشعب سوري لسنا أكثر من تجمع للحمقى والأغبياء والفاسدين، وقد سخرت لنا الأقدار قيادة حكيمة تمتاز بالذكاء الخارق لتقود سفينتنا إلى بر الأمان. والدليل على ذلك أن تلك القيادة مهما حاولت تغيير الأشخاص الذين يشغلون المواقع الإدارية فالنتيجة واحدة: غباء وفساد وفشل.

قد يقول قائل: بل تحتمل هذه النظرية تفسيراً آخر، وهو: لدى الشعب السوري الكثير من الكفاءات القادرة على إحداث الفارق، وهم ليسوا أقل شأنا من نظرائهم في الدول المتقدمة؛ إلا أن القيادة الحكيمة تتعمد أن تكلف الأغبياء والفاسدين بالمناصب الإدارية العليا، وهؤلاء يجلبون أمثالهم للمناصب الأدنى، وهكذا تبدو الصورة على هذا الشكل المشوه. وهذا التفسير رغم منطقيته في السياق العام؛ إلا أنه لا يمت إلى نظرية "الرأس الصالح" بصلة، بل هو يقلبها رأساً على عقب، ويجعل من الرأس مصدر الفساد، والدليل على أن هذا التفسير بعيد عن أذهان القائلين بهذه النظرية أنك لو سألت أحدهم: أهذا ما تقصده؟ سيجيبك: أستغفر الله!

كلهم يعلمون، أو لنقل أغلبهم يعلمون أن هذه النظرية تندرج في إطار التدجين والمطاوعة، وأن ادعاء الإيمان بها تماهياً مع القطيع ليس أكثر من وسيلة للنجاة في بقعة من الأرض يعد الذكاء والفطنة والحس النقدي فيها جريمة نكراء قد تودي بصاحبها إلى التهلكة! وتندرج هذه النظرية أيضاً ضمن طقوس الابتهال وطلب الرضى من القيادة الحكيمة؛ تماماً كما يبتهل المؤمن لخالقه، إذ يعتبر الامتناع عن تأدية هذه الطقوس أحد أنواع الكفر التي تستوجب العقاب.

كلهم أو جلهم يعلمون، لكنهم جمع من الرهائن يردد ما يلقنه الخاطفون دون زيادة أو نقصان، وهم لا يستطيعون تحريف أو إعادة القراءة بطريقة مختلفة، بل هم لا يستطيعون الامتناع عن ترديد عبارة "الرأس صالح لكن البقية فاسدون". فعلى سبيل المثال: هل يستطيع أحد الرهائن أن يقول: كان الله في عون الرئيس لأنه ابتلي بشعب أحمق وغبي لا يوجد فيه من يصلح لمساعدته في إدارة شؤون الحكم. وهل يستطيع أحد الرهائن أن يسأل – بعد سيل من عبارات المديح والابتهال – لماذا لا تختار سوى الأغبياء والفاسدين كمسؤولين يا سيدي؟ أخيراً: هل يجرؤ الرهائن على مجرد السكوت (السكوت بغضب) الذي يعني أننا لن نخادع أنفسنا، ونحن في نفس الوقت لا نجرؤ على قول الحقيقة؟ 

بالطبع ستفسر المقولة الأولى كنوع من السخرية، وسيفسر السؤال – رغم أنه سبق بعبارات الإطراء والإجلال – بأنه اتهام مباشر للرأس بالفساد، وسيفسر السكوت بأنه نوع من الاحتقان الذي ينذر بخطر الانفجار. وكل هذا يعلمه السوريون (الرهائن). وفي هذا دليل قاطع على أن الخوف والترهيب هو الفيصل فيما تبدو عليه الصورة من غباء جماعي يخيم على سوريي المعتقل الكبير (الرهائن)، وأنه لا يمكن لصناعة الغباء أن تنحدر بمستوى الإنسان إلى هذه الدرجة من الغباء.

إنهم ليسوا أغبياء إلى هذا الحد لكنه الخوف. ولكن للأمانة: من حقهم أن يخافوا، فهناك مستوى القمع والترهيب ليس له حدود.  

التعليقات (2)

    يوسف اليوسف

    ·منذ 6 أشهر أسبوعين
    احسنت واوجزت

    فعلا

    ·منذ 6 أشهر أسبوعين
    السوريون الذين فروا وباعوا ديارهم وكرامتهم هم الاغبياء ،، لانه لن يعمل احد لاسترجاع حقوقك بل يتركوك هائم على وجهك متسولا تستجدي من يحارب عنك بل الاقذر من ذلك انهم وبشراسة بالغة يطالبون من دول اللجوء جنسياتها و كثير ما نرى ممن باعوا هوياتهم وعادوا الى سوريا سياح و هم مشفقون على الصامدين في بلدهم نعم صامدون لو كنا نخاف ارهاب النظام لهربنا مثل الاغبياء الذين تركوا واجبهم وطلبوا حماية الكلاب
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات