انعطافة تركية "حذرة" نحو الغرب تُقلق بوتين

انعطافة تركية "حذرة" نحو الغرب تُقلق بوتين

كان من الطبيعي أن يقول فيكتور بونداريف، رئيس لجنة الأمن والدفاع في المجلس الفيدرالي الروسي (مجلس الشيوخ) في 10 يوليو/تموز الحالي إن تركيا مستمرة بشكل تدريجي وثابت في التحول من دولة محايدة إلى دولة غير صديقة بعد أن اتخذت سلسلة من القرارات الاستفزازية، ومثل هذا السلوك لا يمكن وصفه بأي شيء آخر سوى طعنة في ظهر روسيا.

صحيح أن عبارة "طعنة بالظهر" يستخدمها عادة زعماء المافيات والعصابات لكن القيادة الروسية ليست ببعيدة عن ذلك، خاصة أن تصريح المسؤول الروسي صدر بعد أن استفادت أوكرانيا من طائرات تركيا المسيرة التي غيّرت من وجه المعادلة العسكرية على مسارح أوكرانيا، وبعد أن استقبل الرئيس أردوغان الرئيس الأوكراني زيلينسكي وقدّم له ضيافة مميزة عبر منحه قادة آزوف ليصحبهم معه بطريق عودته للوطن، ثم موافقة تركيا على انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو، الأمر الذي يزعج روسيا ورئيسها بوتين.

الانعطافة التركية "الحذرة" نحو الغرب كانت خطوة لا بد منها وتحتاجها تركيا والاقتصاد التركي، والرئيس أردوغان يدرك تماماً أن مفتاح الفرج للاقتصادي التركي لن يكون عبر بوابة الشرق، لا في موسكو ولا في طهران، وأن 25 مليار دولار التي تعكس حجم التبادل التجاري بين روسيا وتركيا بما فيها قطاع السياحة هي مهمة لأنقرة، لكنها لا تكفي ولا تعوض خسارة تركيا إذا ما ابتعدت عن الغرب.

وأردوغان الخارج منتصراً من انتخابات مفصلية منحته تفويضاً رئاسياً وبرلمانياً لخمس سنوات قادمة وقد تكون الأخيرة، يدرك أن ما أفرزته صناديق الانتخابات أزاح الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية عن قراره السياسي، وأن عليه التقاط الفرصة، والتحرك وبسرعة بعيداً عن أي اعتبارات جانبية لإنقاذ الاقتصاد التركي بدءاً بالعودة لسياسة صفر مشاكل مع الجوار، ومن ثم فتح البوابات المستعصية أو المغلقة، وخاصة على الاتجاه الغربي والعربي، وأردوغان يدرك أيضاً أن الرئيس الأمريكي بايدن الذي قرر ترشيح نفسه مرة أخرى للانتخابات الأمريكية في العام القادم بحاجة تركيا، وبالتالي خطوة أردوغانية نحو الغرب ستجعل بوابة واشنطن نصف مفتوحة، فكانت الموافقة على انضمام السويد وفنلندا لحلف الناتو التي قابلها الرئيس بايدن بعودة صفقة طائرات إف 16 لطاولة البحث، ومعها إمكانية عودة تركيا لمشروع الطائرة إف 35، وواشنطن البارعة بسياسة الاحتواء قد تكون وجدت أنه خطيئة كبرى العداء الأمريكي مع تركيا وتركها لخيار وحيد هو الاتجاه شرقاً نحو روسيا وإيران، وإن كان الدور التركي مع روسيا في المرحلة الأخيرة وخاصة دور أنقرة كوسيط بين موسكو وكييف قدّم خدمات كبيرة يحتاجها الغرب.

أيضاً صانعا القرار السياسي التركي والأمريكي يدركان تماماً أن صداماً أو خلافاً أمريكياً تركياً في شرق الفرات السوري ليس في مصلحة أهم قطبين بحلف الناتو، وأن واشنطن التي تعزز بشكل لافت وجودها العسكري بالشرق الأوسط بالآونة الأخيرة عبر سرب طائرات قاذف A-10 تم الزج به في قواعد أمريكية بالشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية، ثم لحق به سرب مقاتل قاذف من طراز F-22 رابتور ليحط رحاله في قاعدة أمريكية بالأردن، ثم نقل الغواصة الأحدث بالعالم يو إس إس فرجينيا مع 154 صاروخ توماهوك تحملهم، لتعزيز الأسطول الخامس الأمريكي العامل في الخليج العربي، إضافة لتعزيزات عسكرية ومناورات وتدريبات في شرق الفرات، كلها مؤشرات عن ملامح عمل عسكري أمريكي قادم قد يكون بمساعدة القوى الجوية الإسرائيلية، وقد تكون ميليشيات إيران في سوريا هي الهدف المرتقب لتلك العملية عبر سحب الكوريدور ما بين قاعدة التنف ومعبر البوكمال من يد إيران على الحدود العراقية-السورية، وكل ذلك يحتاج هدوءاً وتوافقاً ما بين واشنطن وأنقرة وأن يكون ظهر أمريكا وحلفائها في المنطقة محمياً عبر توافق حتمي مع أنقرة إذا ما اندلعت أعمال قتالية مرتقبة، وبالتالي تكون الانعطافة نحو الغرب كحاجة تركية لها، ما يقابلها في الجانب الآخر من حاجة غربية لجهود أنقرة السياسية والعسكرية في المرحلة القادمة، وأن أردوغان اقتنص الفرصة بالتوجه ولو ببطء نحو الغرب ليقطف ثمار التحرك اقتصادياً وعسكرياً وحتى سياسياً.

التحرك التركي الهام أيضاً كان عبر جولة حالية للرئيس أردوغان نحو أهم دول الخليج وقد تلحق بها زيارة لمصر، مصطحباً معه ركائز أساسية من الحكومة التركية وحديث عن أكثر من 200 رجل أعمال، وأن محطته الأولى في الإمارات قد أسفرت عن صفقات بقيمة 50.7 مليار دولار بين حكومتي البلدين، وإذا ما كان نفس الزخم ببقية العواصم التي سيزورها أردوغان فنحن أمام نقلة نوعية بالاقتصاد التركي، لكن يبقى السؤال:

هل زخم الصفقات الخليجية الحالية مع تركيا ومن قبلها إيداع بعض دول الخليج لعشرات المليارات من الدولارات كودائع في البنك المركزي التركي في فترة الانتخابات دعماً للرئيس أردوغان، هي خطوات تأتي في إطار العلاقات والمصالح المتبادلة بين دول المنطقة، أم إن تحرّك دول الخليج لملاقاة الرئيس أردوغان في منتصف الطريق بل أكثر من المنتصف كان بإيعاز أمريكي وغربي لإعادة الشريك التركي من الشرق الروسي والإيراني؟

أيضاً تبقى هناك أسئلة ملحّة، هل ما يجري يأتي فقط في إطار الصفقات التجارية الاقتصادية أم إنه يمهّد لإنشاء تحالف سياسي جديد في إطار عالم بات يتطلع للتخلص من أحادية القطب الأمريكي والسعي لبناء تحالفات جديدة وقيادة جديدة للمجتمع الدولي؟

النقطة الأخيرة، زخم الكرم الإماراتي بصفقات واتفاقيات كبيرة مع أردوغان، وبحكم العلاقات الوطيدة بين دولة الإمارات ونظام الأسد، هل سينعكس الموقف الإماراتي والكرم الإماراتي ضغطاً آخر على موقف تركيا يُضاف للضغط الروسي لتسريع تطبيع أنقرة مع الأسد؟.

التعليقات (3)

    محمد المسالمة

    ·منذ 6 أشهر 4 أسابيع
    سيادتك مقال *** تلحس صرمش شو مكتشف الذرة انت و نجومك و فردة صرمايتي سوا

    7

    ·منذ 6 أشهر 4 أسابيع
    الأتراك خدعونا و ظهرت حقيقتهم و كنا مغفلين

    تحية

    ·منذ 6 أشهر 4 أسابيع
    سيادة العميد أحمد يا ريت تضل بالتحليل العسكري وبلا تحليلك السياسي مع التحية
3

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات