العملات الرقمية ملاذ مئات الشباب في إدلب رغم المخاطر

العملات الرقمية ملاذ مئات الشباب في إدلب رغم المخاطر

تعلو وجهه ابتسامة خفيفة، يضع جواله جانباً ويشرب رشفة ماء بعد أن بدا على شفاهه العطش في هذا الطقس الحار،  تلك حال الشاب "فؤاد سلامة" من مهجري ريف حلب الجنوبي.

يروي سلامة لـ"أورينت نت" أن تداول العملات الرقمية هو سبب تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه، إذ استطاع تحقيق بعض المكاسب الجيدة هذا اليوم، مقارنة باﻷيام الماضية.

يقول "سلامة" إنه دفع بالتشارك مع بعض اﻷصدقاء مبلغاً مالياً ليتعلم أصول "تداول العملات الرقمية" على يدي مدرب خبير من "فلسطين" يُقيم في الأردن، عبر منصّة "زوم".

وأشار إلى أن الفكرة تدور حول دراسة سوق التداول والشمعات اليابانية، وعند نقطة محدّدة وضمن إجراء عمليات حسابية دقيقة، وضعها مختصّون، تكون عملية البيع والشراء آمنة إلى حدّ كبير.

وأردف ضاحكاً، علم اﻷرقام لا يكذب أحد، لكن من يقع في الخسارة سببه الطمع أو المغامرة.

ولكن الشابة "نسرين.ف" البالغة من العمر 18 عاماً المهجرة من مدينة الحولة بريف حمص وتسكن في مخيم قاح قرب الحدود التركية، تعمل برفقة زوجها على الجوال، وتؤكد لـ"أورينت نت" أن السبب الرئيسي وراء عملها بالعملات الرقمية هو الرغبة في تحقيق كسبٍ جيد، وخاصّة بعد أن توقف زوجها مؤخراً عن العمل في أحد المطاعم في مدينة سرمدا شمال إدلب.

البطالة

يجمع كثير من الشباب مِمّن استطلعنا رأيهم خلال إنجاز هذا التقرير أن "البطالة" هي الدافع الرئيسي للدخول عالم التداول بالعملات الرقمية، إﻻ أنّ من خرج من هذا المضمار يكون بخسارةٍ وديون، كونه غامر وابتعد عن المسار العلمي، وفق ما يرويه بعض المتداولين لـ"أورينت نت".

وشهدت محافظة إدلب شمال سوريا، إقباﻻً كبيراً منذ نحو عامين، على سوق العملات الرقمية، وتحديداً منتصف 2020، التي شهدت قفزات كبيرة في هذا السوق أغرت الشباب بدخوله.

أساسيات التداول 

معاذ بازرباشي قال لموقع أورينت نت، إن العملات الرقمية لا يمكن إحصاؤها لكثرتها وتعددها، ولكن أبرزها شهرةً ومداولةً في الأسواق هي "البيتكوين والإيثريوم واللايت كوين والدوج كوين وشيبا وسولانا".

وأوضح أن أبرز ما يحتاجه المتداول هو وجود إنترنت جيد وهاتف محمول أو جهاز لوحي لاستخدام منصة التداول أو البرامج بهدف تحليل العملات لمن يمتلك المعرفة بالتحليل، إذ يتعامل المتداولون على منصات عالمية شهيرة، أبرزها منصات "كوكوين أو كوين إكس".

ولفت "بازرباشي" أن الكثير من الشباب المقبلين على التداول يتعرضون في بداياتهم لخسارات كبيرة تفوق ثلث رأسمالهم، نتيجة ارتفاع سقف الطموحات وعدم التقيد بالمبادئ العلمية الضامنة للنجاح بسقف محدد، فالسمة التي تمتاز بها سوق العملات الرقمية هو "المخاطرة العالية".

وأكّد خلال حديثه لـ"أورينت" على أنه من الصعب وضع متوسط دخل الفرد أمام التغيير صعوداً وهبوطاً في أسعار العملات، ما يجعل الأمر أشبه بالمستحيل في وضع تصوّر أو رقم دقيق، ولكن يمكن القول، إن ما يحدد الربح والخسارة، هو حجم الصفقة التي دخلها المضارب، إضافة لقيمة رأس ماله، وطريقة إدارة عملية التداول واﻻلتزام بالقواعد العلمية.

وأكمل القول إن أصحاب مكاتب التصريف لهم حظوظهم الجيدة في هذا السوق، وفق بارزباشي، إذ يتركز عملهم على شراء العملات والبيع لمن يريد شحن محفظته بالدولار الرقمي المستخدم USTD.

طريقة العمل

يرى "صالح شمس" وهو شاب مهجر من ريف إدلب الجنوبي ويسكن في ريف حلب الغربي ويعمل بتداول العملات منذ ما يزيد عن سنة، أن الخطوات الأولى لدخول عالم "التداول بالعملات الرقمية" يبدأ من خلال التسجيل في إحدى المنصات الإلكترونية، إذ يتم إنشاء حساب للعميل على المنصة، عبر البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف، ومن ثم يوثّق الحساب بواسطة وثائق رسمية كالهوية الشخصية أو جواز السفر، ثم يتم تحويل الدولار إلى عملة "USTD أو BTC".

وأضاف شمس أن المتداول يحتاج بداية دخوله إلى رأس مالٍ بسيط يتراوح ما بين 50 إلى 100 دولار، اﻷمر الذي فتح شهية الدخول لهذا السوق.

وأما إنهاء العمل والخروج من السوق، فما على المتداول إﻻ سحب أمواله من خلال مكاتب التصريف، أو تحويل ما لديه إلى محفظة أخرى، مقابل سحب ما يعادل عملته الرقمية وفقاً للسعر المتقلب بين الدقيقة والأخرى.

وخلال استطلاعنا لآراء العديد من المتداولين لم يُخفِ من تحدثوا إلى موقع "أورينت" اعتمادهم على التحليلات التي تنشر عبر منصات التواصل أبرزها تويتر"، رغم أنها قد لا تكون دقيقة أحياناً، وهذا يرجع لخبرة المحلل المعتمد عليه في التوصية.

متاجر خدمية

يعمل في الشمال السوري ما يزيد عن 40 متجراً لبيع وشراء العملات الرقمية، التي تزعم أنها تقدم خدمات ونصائح للعملاء "المضاربين"، كالتقارير عن وضع السوق، والصفقات من ناحية اﻷفضل واﻷكثر ربحاً، بل وحتى موافقتها للشريعة اﻹسلامية وفق فتاوى بعض العلماء.

ويؤكد أحد أصحاب الشركات التي تختصّ بالعملات والتداول في مدينة إدلب الذي رفض ذكر اسمه في حديثه لـ "أورينت" أن مهامه هو إنشاء حسابات للمقبلين على التداول، مشيراً أن نسبة المقبلين على التداول في سوق العملات الرقمية هم من شريحة الشباب الفقراء والنازحين الذين انعدمت لديهم فرص العمل، أو ركنوا إلى هذا اﻷمر باعتباره أكثر راحة، حسب تعبيره، خاصة كونهم يجلسون في بيوتهم.

وأضاف أن عدد المقبلين على العملات الرقمية في مدينة إدلب فقط بلغ قرابة 500 شخص، فيما يفوق الرقم بأضعاف في مخيمات النازحين، وفق قوله، لافتاً أن معظم هؤلاء العاملين وقعوا في ديون وخسائر، لعدم امتلاك مقومات العمل العلمي، وحظوظ النفس والمغامرة أو "المقامرة في التداول".

واسترسل قائلاً إنه إلى اليوم لا يزال العمل في سوق العملات الرقمية، حدثاً جديداً ناشئاً في إدلب، فهو لا يملك كافة مقومات النجاح لكنه بالنسبة للبعض يمثل المثل الدارج "الغريق يتعلق بالقشة"، لافتاً إلى أن العديد من المتداولين ينظرون إلى هذه السوق على أنها تجارة تحمل ربحاً وخسارة.

وبلغ متوسط ما يكسبه المداولون يومياً ما بين 10-20 دولاراً، أما عمولة صاحب المكتب الخدمي وتكون مقابل عمليات التحويل (شراء / بيع) ما بين 1 و2%، وفق قوله.

مغامرة خطيرة

ولاشك أن دخول سوق العملات الرقمية، يحمل بين طياته مغامرة وأحياناً مقامرة، وفق رأي اﻷستاذ "عبد الله نجيب" المختص بالشأن اﻻقتصادي.

ويعتقد نجيب أن المشكلة تتلخص في عدم اﻻنضباط بمبادئ العمل ومن ثم مدى موافقتها للشريعة اﻹسلامية، فمن خلال المتابعة تبين أن سوق العملات الرقمية يعتمد على معادﻻت رياضية وضعت من طرف بعض خبراء اﻻقتصاد اليهود، والنقطة التي تضمن تحقيق مكاسب عند زاوية ترتسم من خلال دراسة الشمعات تشبه نجمة داود، فهي علم قائم على مفهوم اﻷرقام ورمزيتها.

واعتبر نجيب أن الدخول إلى السوق بالعموم يفترض أن يكون مشروطاً بتعلم مبادئه خشية الوقوع في الربا والحرام، أمّا من الناحية اﻻقتصادية فالتداول بالعملات الرقمية ليس عملاً مجدياً إذ لا يترافق مع "إنتاج" يحقق فائدة للمجتمع.

وعاد ليعلق نجيب بالقول: "اﻷولى في هذا الوقت النظر على رأي علماء الشريعة وأهل الخبرة في هذا الباب للتحوط ومن ثم يتم قوننتها إن أمكن لضمان الحقوق".

خلاصة الكلام، لا يرى كثير مِمّن استطلعنا رأيهم خلال إنجاز هذا التقرير أملاً في أي تحوّل في مسار حياتهم البائس، إذ أكّدوا في معظمهم أن التداول بالعملات الرقمية هو أشبه بالقارب الهش والسبيل الأخير لمصارعة البقاء أمام ما يحيط بهم من ظروف أمنية واقتصادية سيئة.

التعليقات (1)

    موسى امهان

    ·منذ سنة يوم
    كل الشكر على هذه التغطية النوعية لموضوع مستجد حقا ولكن حبذا لو وضعتم رابط للفتاوي التي تحدث عنها المقال ليطلع عليها الناس
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات