ملف الصراع السوري وآخر تطوراته.. حلقة الحل السياسي المفقودة

ملف الصراع السوري وآخر تطوراته.. حلقة الحل السياسي المفقودة

بديهي أن نعترف أن ملف الصراع السوري لم يعد ملفاً سورياً بحتاً، فالصراع الذي وُلِد نتيجة تفجّر الثورة السورية في آذار عام 2011، لم يعد صراعاً بين شعب ثائر ونظام مستبد وقهري، بل انتقل ليكون صراعاً بأدواتٍ ووسائل متعددة بين أجندات إقليمية ودولية بمقدمات مختلفة.

هنا موضع التعقيد في هذا الصراع، ولعل التناقضات بين القوى المنخرطة فيه، سواء كانت لصالح النظام الأسدي، أو لصالح قوى الثورة، هي من يحدد مربع الحل السياسي لهذا الصراع، إذ إن مصالح تلك القوى تداخلت وتشابكت ضمن لوحة الصراع السوري، وبالتالي، يمكن أن نقول إن لهذا الصراع بعدين خارجيين، أحدهما إقليمي، وثانيهما دولي.

انتقال الصراع السوري إلى مستوييه الإقليمي والدولي، لا ينفي جوهره الحقيقي كصراعٍ أساسي بين الشعب السوري بمختلف فئاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبين نظام شمولي مستبد نخره الفساد حتى عظامه، هذه الحقيقة، هي من يجب أن تعيها قوى الثورة والمعارضة السورية بعمومها، ومفهوم "عمومها" يعني المتأطرة منها ضمن مؤسساتها الحالية (ائتلاف وطني، هيئة تفاوض، حكومة مؤقتة) وغير المتأطرة، أي الأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية والمدنية الرافضة لنظام حكم أسد.

قوى الثورة والمعارضة بوضعها الحالي، ستبقى غير قادرة على التقدم نحو فرض إرادة التغيير السياسي في نظام الحكم في سوريا، والسبب في ذلك، أنها لم تسع لأن تنجز استقلالية قرارها الوطني، هذه الاستقلالية تستمد قوتها الرئيسية من دعم الحاضنتين الشعبية والثورية، أي إن هاتين الحاضنتين بحاجة قصوى لتأطير عملها وكفاحها، لإنجاز الانتقال السياسي وفق القرارات الدولية، وفي مقدمة هذه القرارات القرار 2254.

هنا خلل الكفاح الوطني للخلاص من الاستبداد المهيمن على سوريا، فالاعتماد على جهد أصدقاء سوريا في المساعدة على إنجاز مهمة تنفيذ القرار الدولي لا يكفي، لأن الجهد الوطني الحقيقي غائب في مستوييه السياسي الجماهيري، وفي مستواه الثوري الكفاحي المسلح.

هذا الخلل لا يمكن أن تصححه قوى ودول أصدقاء سوريا، فهي لها ظروفها وتوازنات سياساتها الدولية، والتي تقوم على مصالحها بالدرجة الأولى. فهذه الدول يمكنها فرض عقوبات رادعة على النظام الأسدي إلى درجة محددة، وقد تصبح هذه العقوبات عبئاً على بعض هذه الدول، ما يدفعها لتقديم مصالحها على حساب مصالح الحل السياسي للصراع السوري. 

هذه الحالة، يمكن قراءتها على مستويين في الموقف العربي من التطبيع مع النظام الأسدي، المستوى الأولى: وهو ما ينبغي لقوى الثورة السورية فهمه، أن غالبية الدول التي وقفت مع الثورة منذ بداياتها، لم تقف معها لأنها مؤمنة بجوهرها الديمقراطي، فهل أحدٌ يصدّق أن أنظمة ملكية أو شمولية أو ديكتاتورية تريد أن تنصر ثورة جوهرها بناء دولة مؤسسات ديمقراطية؟

موقف هذه الدول أتى من مقدمات مختلفة، فبعضها، والتي تأخذ بأيديولوجيا الإسلام السياسي، كانت تريد دعم القوى السورية الحاملة لهذا التوجه، وهي بذلك، لا يمكننا أن نقول عنها إنها نصيرة الثورة السورية الديمقراطية، وبعضٌ آخر أراد ألا تنتشر شرارات الثورة الديمقراطية فعمل على تخريبها من داخلها عبر استخدام المال السياسي، والذي لجم أي كفاح حقيقي في إنجاز مهام هذه الثورة، لأن قرار الكفاح لم يعد بيد من قبل بهذا المال.

القوى التي كان من الممكن أن تحمل برنامج التغيير سياسياً وكفاحياً هي القوى ذات الإيمان العميق بالديمقراطية، هذا الإيمان يتأتّى من بنيتها، ونقصد "القوى الليبرالية ذات التوجه الاجتماعي الإنساني".

وفق هذه الرؤى والحقائق، يمكننا فهم اندفاع أنظمة سياسية عربية نحو تطبيع علاقاتها مع النظام الأسدي، فهذه الأنظمة، تقدّم مصالحها المؤقتة (وقف الكبتاغون، واعتماد سياسة الخطوة مقابل الخطوة) كمدخلٍ متخيلٍ للحل السياسي في سوريا، متغافلة عن جهلٍ أو دراية، أن النظام الأسدي ذو بنية مغلقة على ذاته.

هذه البنية، لا يمكنها أن تستمر في وجودها بغير أنساقها الداخلية المتضافرة (حكم أمني توليتاري مطلق)، وكل شيء سيكون في خدمته، وفي مقدمة ذلك السيطرة على اقتصاد البلاد وتحويل الشعب إلى جيش من المعوزين له، وفرض الخوف والرعب عبر أجهزة أمنية كالأخطبوط، وتفقير الثقافة في وعي الناس، وزرع قيم الولاء المترافق مع الرعب.

هذه الحقائق لم تدخل في سياسات الأنظمة العربية، وبالتالي، فهي تريد أن تجدّد في بنية نظام لا يقبل التجديد، وهذا سيُلحق بها الضرر في المستقبل، إن لم تغيّر من سياساتها.

إن عملية التطبيع مع النظام الأسدي هي خطوات ملموسة إلى الوراء، أي خطوات تعقّد عملية الحل السياسي في سوريا، وتعقّد أوضاع السوريين كنازحين داخل بلدهم، أو كلاجئين في بلدان الجوار والعالم.

وإن الاجتماع الأخير الذي ضمّ وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية الأمريكية "بلينكن" وصدر عنه بيان يوافق على مبدأ (الخطوة مقابل الخطوة)، هو بيان يرشح بالعجز في وضع إستراتيجية حقيقية لفرض الانتقال السياسي في سوريا، وهو يكشف عن أولوية مصالح هذه الدول الضيّقة على حساب الشعب السوري، الذي قدّم مئات آلاف الشهداء وعانى من الدمار ولا يزال.

هذا الاجتماع لن يضع القضية السورية كقضية أولى، ولجعلها كذلك، ينبغي وضع إستراتيجية جديدة، تقود منذ البدء إلى عقد مؤتمر وطني شامل يدعو إليه الائتلاف الوطني السوري، ويحضره ممثلون منتخبون من قوى الشعب السوري بكل فئاته، ليصبح هذا المؤتمر مرجعية وطنية لقوى الثورة والمعارضة، ويصبح هذا المؤتمر ومخرجاته قاعدة لكل تفاوض مع النظام الأسدي برعاية الأمم المتحدة، وفق نصوص القرار 2254، كأساس لأي مفاوضات قادمة.

فهل يمكننا كسوريين إصلاح الخلل، الذي لا يزال يفعل فعله ببقاء قرارنا المستقل رهن أجندات الآخرين المنخرطين بالصراع في سوريا، أم ترانا ننتظر الحل ممن يضعه في آخر اهتماماته؟

التعليقات (5)

    شرقي

    ·منذ سنة أسبوع
    مقال يرشح بالنفاق للائتلاف لا أعتقد ان هذا رأي أورينت!

    معاذ

    ·منذ سنة 6 أيام
    يعني ما فهمت يا اورينت كيف بتسمحو لواحد لسا نايم مع الائتلاف وفصائل الحر المرتزقة يكتب عندكم بيقبل العميد احمد رحال وعدوان قرنفل بالهشي

    صلاح ابو نصر

    ·منذ سنة 6 أيام
    قلتلي اصلاح خلل الائتلاف ههههه

    الإدارة

    ·منذ سنة يومين
    نذكر بأن قسم مقال الرأي في أورينت وجد ليعطي مساحة واسعة لكل التيارات الفكرية والمكونات السورية للتعبير عن آارئهم بحرية ، الحرية التي يسعى لها جميع السورييين، ، وكما هو معنون في أعلى هذا القسم (قسم مواد الرأي)، فإن المقالات المنشورة فيه لا تعبر بالضرورة عن رأي وموقف أورينت

    ماجد حمدان

    ·منذ 11 شهر 3 أسابيع
    ما لم يتحرك دمشقيو الداخل لن يحدث آي تغيير
5

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات