أحدها الجهل.. 3 أسباب وراء ظاهرة التخلّي عن الأطفال في الشمال السوري

أحدها الجهل.. 3 أسباب وراء ظاهرة التخلّي عن الأطفال في الشمال السوري

شهدت البشرية منذ نشأتها صوراً متعدّدة لانتكاس الفطرة، لعلّ أخطرها اليوم هو انتكاس غريزة الأمومة التي تعتبر من أقوى الغرائز لدى المرأة السورية، فبين فترة وأخرى نسمع عن طفل مرمي على قارعة طريق أو أمام مسجد أو داخل حاوية للنفايات في شمال سوريا، ومعظم من يُرمون من حديثي الولادة، ليكبروا من دون معرفة ذويهم، في المقابل هنالك نساء تحلمن بإنجاب طفل.

لكن المؤسف أن هذه الظواهر جاءت بعد تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية وتراكمها في شمال سوريا، بعد مضي ما يزيد 12 سنة من الحرب التي عصفت بهم، وحوّلت رعاية أطفالهم وتربيتهم وتأمين الحد الأدنى من مستلزماتهم إلى أكبر التحديات اليومية التي يواجهونها.

وتتخلّص النساء من أطفالهن في معظم الحالات التي سُجلت في شمال سوريا، خلال ساعات الفجر الأولى، بوضعهم أمام المساجد، بغية العثور عليهم في وقت قريب من قبل مصلٍ يخاف الله، لتطمئن نفوس النساء بأن أولادهن في أيدٍ آمنة.

شاهد على "وطن"

منذ نحو عامين، عثر الحاج "عبد القادر محمد عبده" (45 عاماً) على طفلة لا يتجاوز عمرها ساعات مغطاة بـ"قطعة قماش بيضاء اللون"، مرمية أمام باب المسجد وهي تبكي بشدّة، ليحملها إلى الإمام والمصلّين للتعرف عليها.

يروي "أبو محمد" قصته لـ "أورينت نت"، قائلاً: "في تلك اللحظات علمت أن الله وهبها لي تحديداً عن دون المصلّين الآخرين؛ لكي أعتني بها، فلم أتوقع يوماً أن أذهب إلى صلاة الفجر وأعود محتضناً طفلةً وتصبح أحد أفراد عائلتي".

تستغرب "أم محمد" (زوجة الحاج عبدالقادر)، من هذه الطفلة، وتتسارع لفهم القصة؛ وسرعان ما بدأت بالبكاء حسرةً على هذه الطفلة وتارةً على ما يحدث من غرائب في هذه الدنيا، ليشاركها زوجها بالبكاء ويقول لزوجته "بإذن الله سأربيها حتى يتبين من هو والدها أو أمها.. هذه طفلة لا ذنب لها"، هكذا شرح الحادثة الحاج أثناء حديثنا معه.

يقول: أسميتها "وطن" تيمناً بحال هذا البلد وقصة هذه الطفلة البريئة، ويتذكر: "كانت تبكي طوال الليل رغم أنني استطعت تأمين حليب لها، لكن "أم محمد" كانت تجيد إرضاءها عبر وضعها في سرير أحد أحفادي وهزّها حتى تنام".

تبلغ "وطن" اليوم عامين، وباتت فرداً كأفراد العائلة، حتى أنني أحبها وأدلّلها أكثر من أحفادي الثمانية"، وفق قوله، فهي بمثابة "الأمانة والمظلوم".

أسباب منطقية مجرّدة أخلاقياً

تؤكد تقارير حقوقية ومن ضمنها تقرير لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" أن ظاهرة حالات التخلي عن الأطفال الحديثي الولادة في شمال سوريا، تعود بالدرجة الأولى لتفشي الفقر وانتشار ظاهرة تزويج القاصرات بين الأسر وخاصّة في مخيمات النزوح والتي أصبحت مدناً من قماش على حدود تركيا.

ويعيش نحو 89.24 بالمئة من سكان الشمال السوري تحت خط الفقر، وفق آخر تقرير لمنظمة "منسقو استجابة سوريا".

ترى الأستاذة في علم النفس "رؤى الكامل" والعاملة في مؤسسة "بدائل"، أن أسباب انتشار حالات التخلي عن الأطفال لعوامل عدّة؛ أولها "الفقر" الذي اعتبرته أحد أهم العوامل المؤثرة في تلك الظاهرة، والثاني "الجهل" الذي يتمثل بغياب الوعي الكامل لدى كثير من النساء والشبان المراهقين والتي قد يكونون ضحية تسرعهم وإنشاء علاقة غير شرعية، وعدم إدراك الطرفين لما تحمله هذه العلاقات من حساسية شديدة في مجتمعنا وتحديداً المحافظة منها، فقد يؤدي الكشف عنها إلى عواقب كثيرة في أغلب الأحيان، قد تصل إلى قتل البنت وعشيقها لدواعي "الشرف".

وتكمل قائلةً: "مع الأسف باتت ثقافة مجتمعنا خلال السنوات الأخيرة تنحصر على مستوى نضج الفتاة جسدياً، دون النظر إلى عقلها الصغير والطفولي الذي لم يُمنح فرصة أن يُكتمل في مقاعد الدراسة أو بجلسات توعوية، لتكون منحصرةً داخل المنزل وسجينة أفكار ومعلوماتٍ تتلقاها بالصوت والصورة على الهاتف المحمول غير المراقب، ليكون وسيلة للتعرف إلى ثقافة شعوب تخالف مجتمعنا".

وتضيف: "فالمتزوجات الصغيرات غالباً ما يَكنّ غير مؤهلات لهذه التجربة، التي ينتج عنها مبكراً إنجاب أطفال، دون أي اعتبار للوضع الأمني المتردي الذي قد ينجم عنه فقد أحد الوالدين، وغالباً ما يكون الأب، فتجد هذه المرأة الصغيرة نفسها بمواجهة واقع هو بمثابة جحيم لا يمكن التصدي له بمفردها، خاصة أن أهلها في معظم الأحيان يعيشون واقعاً معيشياً سيئاً ويعتمدون على المساعدات الإنسانية للعيش".

واستطردت قائلةً: "على إثر ما ذكرته ومع غياب الوعي تقوم المرأة الصغيرة (الأرملة) للبحث عن فرصة زواج جديدة لتحفف عن نفسها ظواهر "التشرد والفقر والتعب والخوف"، ومع تدفق الأفكار والخوف ومتطلبات الزوج المتقدم بالعيش معها دون أولادها، تضطر تلك النساء للتخلي عن الطفل الذي يُعتبر حملاً وعائقاً أمام الحياة الجديدة".

وقد يُطبق هذا السيناريو في ثلاثة احتمالات عندما يتم فقدان أحد الوالدين، أو لدى انفصال الوالدين عن بعضهما، أو في حال بقائهما معاً لكن مع وجود واقع اجتماعي لا يمكنهما مجابهته، وفق قولها.

وختمت حديثها بالتشديد على ضرورة العمل على توعية الأسر السورية والفتيات الصغيرات من مخاطر الزواج المبكر، وكيفية حماية أنفسهن، والابتعاد عن الارتباط برجال يحملون ثقافة التنصل من المسؤولية، ويبرهنون لأنفسهم أن (العار) يأتي على النساء فقط، اللواتي ينجبن بطريقة غير شرعية.

لا تبنّي شمال سوريا

تعتبر فكرة التبنّي في مجتمعنا العربي، أمراً غير مرغوب فيه باعتباره ظاهرة محرّمة في الإسلام، وجاء تحريمه استناداً لقوله تعالى في الآية 5 من سورة الأحزاب التي تقول بعد بسم الله: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً}.

ففي ظل هذا الواقع، كان البديل المناسب لمعالجة هذه القضايا هو الرعاية البديلة، أي أن يعيش الطفل مع أسرة بديلة تتمتع بشروط معينة ريثما يتم العثور على أبويه الحقيقيين.

يقول الأستاذ المحامي "أحمد البكور"، بالنسبة للوضع القانوني لهؤلاء الاطفال، "لا يجوز تبني هؤلاء الأطفال في الشمال السوري وفقاً للقوانين المشروعة، يمكن فقط تربيتهم ورعايتهم لحين بلوغهم "سن الرشد" في مناطق إدلب وحتى شمال حلب، حيث يعامل هؤلاء الأطفال بموجب معاملة اليتيم تماماً، إذ يتم في بداية الأمر تنظيم شهادة ولادة له، بموجب ضبط الشرطة في المنطقة، ومن ثم تُرسل نسخة عن شهادة الميلاد التي أقرها الشهود أثناء كتابة الضبط ومن ثم تُرسل إلى السجل المدني، ويُنسب إلى نسب العائلة ودينها في حال لم يُعرف دينه، ويُسجَّل بالسجل المدني، منوّهاً أنه وفي حال هذا الطفل وجد له أقرباء أو نسب، فيتقدم المدعون بدعوى إثبات النسب وفق قانون الأحوال الشخصيّة إلى المحكمة لتثبيت النسب، ويُطبق بعدها على أحكام النسب المواد "134 – 135 – 136".

وخلال حديث "البكور" لـ"أورينت نت"، حذّر بكل صرامة من مستقبل هؤلاء الأطفال والتداعيات النفسية والاجتماعية التي قد تنشأ عندهم مع تقدمهم في العمر، وخاصّةً عند معرفتهم بحقيقة وضعهم، لاسيما أنهم سيقضون حياتهم بحثاً عن والديهم الحقيقين عندما يبلغوا "سن الرشد".

وتُفتقد الإحصائيات لأعداد الأطفال مجهولي النسب في شمال سوريا، لكن منظمة "بيت الطفل" التي تأسّست في تشرين الأول عام 2021، تؤكد أن الأطفال الذي استقبلهم المركز منذ تأسيسه إلى اليوم ما بين صغير وكبير يبلغ 40 طفلاً مجهولي النسب، تم لم شملهم جميعهم مع عائلات بديلة، وفق ما ذكره مصدر مطلع على علاقة مع أحد إداريي المنظمة.

يؤكد "درويش الصالح" وهو ناشط إعلامي، خلال حديثه لـ"أورينت نت"، أن أبرز الأسباب وراء هذه الظاهرة تتعلق بالدرجة الأولى لاتساع نسبة الفقر بين الأسر، وغياب الطبقات الوسطى، مقابل انتشار الطبقة الفقيرة، وبالتالي يصبح إنجاب الأطفال حملاً إضافيّاً عليها حينما لا تجد العوائل الحد الأدنى من القدرة على العيش، ما يدفعها لرمي أطفالهم والتخلي عنهم، لافتاً إلى غياب الوعي والإرشادات الكافية للأسرة حول عملية الإنجاب، والعلاقات غير الشرعية، سواء بسبب الحاجة أو بسبب غياب الرادع.

ويصف الصالح تلك الظاهرة على أنها "جريمة" في حق الأطفال من الآباء والأمهات الذين دخلوا دائرة الحرام والجريمة، مشدّداً على ضرورة معاقبة كل من يتم التوصل إليه من هؤلاء الآباء بكل قسوة ليكونوا عبرة للآخرين، داعياً جميع السلطات في شمال سوريا إلى ضرورة زيادة كاميرات المراقبة في جميع الشوارع، للتوصل لمرتكبي تلك الجرائم.

ظاهرة رمي الأطفال لا تقتصر على مناطق شمال سوريا (إدلب – أجزاء من ريف حلب) الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، حيث تؤكد تقارير أن الظاهرة تتكرر دائماً في جميع مناطق سوريا، سواء في مناطق ميليشيات أسد وقسد، وما زاد هذه الظاهرة غياب المؤسسات المعنية بمثل هذه القضايا ومعالجتها.

التعليقات (1)

    محب بلاد الشام

    ·منذ سنة شهر
    لا حول ولا قوه الا بالله العظيم
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات