السياسة الأمريكية في وصفة الخراب السوري!

السياسة الأمريكية في وصفة الخراب السوري!

لم تنهض سياسةٌ أمريكية صالحة تجاه السوريين طيلة العقد الماضي، لا على قدمَي أوباما، ولا على قدمَي ترامب، ولا حتى على قدمَي بايدن. كانت "البراغماتية" الصلفة هي رأس مالها الكبير، والذي وظّفته بأعلى الفوائد الممكنة، أو ربما كانت الطلاء الباهت الذي كَتبَ بواسطته آخر ثلاثة رؤساء للبيت الأبيض العناوينَ المثيرة لطريقتهم في التعاطي مع الملف السوري طيلة اثنَي عشر عاماً الماضية.

سياسةٌ تعاطفت لفظيّاً مع ثورة السوريين في بدايتها وكأنها تحاكي حصّة تعبير مدرسي، ثم راحت تدعم بالصمت والخسّة الفريق الأكثر دمويةً وعنفاً، وكأنها تشجّع بحماقة فريق "دالاس كاوبويز" للرُكبي بغضّ النظر عن هويّة منافسه، إلا أنها تمادت في صناعة غيابٍ سينمائي مدهش للغاية عن الفيلم الدموي "الكارثة السورية" في أجزائه الأخيرة، متذرّعةً بحجج كان أوهاها غياب بديل مناسب لبشار الأسد، والآن نجدها تشرف بعناية الأم على تفصيل الملابس الربيعية الملائمة من حيث اللون والمقاس لأجل التطبيع مع النظام في حفلة لم يتحدد موعدها النهائي بعد.

الرصيد المتدني للحليف الوهمي

أيُّ يقينٍ ذاك الذي أمسكَ بعقل النظام السوري، وجعله يتيقّن من أن الخطوط الحمراء التي وضعها أوباما لأنواع الإبادة المسموحة والممنوعة، كان بالإمكان الاستيلاءُ عليها وطرحها أيضاً، كيف كانوا متأكدين من أن استخدام السلاح الكيماوي في صيف عام 2013 ضد الغوطة الشرقية سيمرُّ مرور الكرام من بين خطوط أوباما وأمام ضحكته ناصعة البياض، حينها قالت أرقام المعارضة السورية إن عدد القتلى في تلك المجزرة وصل إلى 1466، بينما أحصتهم منظمة أطباء بلا حدود بنحو 355، ووصل عدد المصابين إلى قرابة 3600.

مرّت تلك المجزرة من دون محاسبة فعليّة، فلم يتدخل أوباما عسكرياً كما كان يَعِدُ حينها، ويكون بذلك قد أنهى عملياً شرف العمل بفرضية الدعم الكلامي لقضية الشعب السوري في التحرر من نظام بشار الأسد، ويكون أيضاً قد استمال مخيلة النظام وعقله الإلغائي إلى مزيد من ارتكاب العنف الممنهج والتدمير، حينها برّرت إدارة أوباما امتناعها عن توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، بأن تكاليف مثل تلك الضربة ستكون مرتفعة، وأن صواريخ "توما هوك" ليست قصائد شعر يُمكن إلقاؤها مجاناً على السوريين المفجوعين بالموت والخذلان معاً، تفهم "سامانثا باور" مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مثل تلك الأجندة العمياء التي تسوّق السياسة الأمريكية حين تقول: "يجب على صانعي القرار الأمريكيين أن يفهموا مدى إلحاق الضرر بالسياسة الخارجية التي تفضّل النظام والربح على العدالة على المدى الطويل".

ترامب الذي أدار ظهره لسوريا

صحيح أن إدارة أوباما وزّعت بعض الاهتمام على الملف السوري، مثل برنامجها المتواضع لدعم ما أسمته بالمعارضة السورية المعتدلة المرتبطة بالجيش الحرّ، لكنه لم يكن اهتماماً كافياً على الإطلاق، قالت حينها بأنها أوكلت مهمة تنفيذ ذاك البرنامج إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية، وجنّدت له موازنة سنوية قُدّرت بنحو مليار دولار على هيئة دعم غير قتالي، كانت إدارة أوباما للملف السوري توحي برفض نظام الأسد، دون الخوض الجدّي في تغييره، وهذا ما استعاره ترامب منها، وزاد عليه مقامات موسيقية عجيبة ومحبطة تجافي فكرة إزاحة بشار الأسد، حتى إن ترامب قالها بصراحة بأن بلاده لا تريد التورّط بالملف السوري،ومع أنه دعم الأكراد في شمال سوريا، لكنه وفي الوقت عينه كان قد أوقف برنامج دعم المعارضة السورية، وبرنامج التدريب والتجهيز التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، وهذا يجافي برمّته ما ذهب إليه يوماً ثعلب السياسة الأمريكية، ووزير خارجيتها هنري كيسنجر ذات يوم حين افترض بأن صدمة السياسة الخارجية الأمريكية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت ناجمة عن تطبيق مبادئ صحيحة على ظروف غير مناسبة، لكن، ألم يكن الظرف السوري بعد العام 2011 مناسباً لتطبيق مبادئ صحيحة؟! إلا إذا افترضنا أن الإدارة الأمريكية بصرف النظر عن اسم حاكم البيت الأبيض، أرادت ومنذ البداية كلّ هذا الدمار دون تغيير سياسي حقيقي في سوريا.

الإفلاس في زمن بايدن!  

مِنْ أبلغ ما قاله روزفلت الرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة أن الرذيلة النموذجية للسياسة الأمريكية هي تجنّب قول أي شيء حقيقي بشأن القضايا الحقيقية، بقي على بايدن أن يقرّ بذلك، وأن يفعله دون تلعثم لغوي أو حتى زهايمر طارئ التكوين، ولعل بايدن هو أكثر رؤساء البيت الأبيض منذ بداية الثورة السورية جنوحاً نحو نبذ فكرة وجود مصلحة إستراتيجية للولايات المتحدة من حدوث استقرار سياسي في سوريا، الأمر الذي أطلق الطموح الروسي والإيراني إلى أقصى حدود، وجعلهما تستوليان على القرار السياسي السوري، وجعل من قانون مكافحة كبتاغون الأسد مجرّد ورقة ضغط على النظام السوري، لكنها منزوعة المفاعيل حتى الآن، خلافاً لقانون قيصر الذي تبنّته إدارة ترامب، وساعد على تضييق الخناق على حركة الحسابات المصرفية للدائرة الضيّقة في أعلى هرم السلطة في سوريا، دون أن يساهم في خنقها، فهل بقيت حشمة في السياسة الأمريكية؟ هكذا يتساءل السناتور الأمريكي بايرون دورغان، دون أن يقدّم لنا أيّة إجابة ودون أن نقدّم له نحنُ أيّة إجابة أيضاً!

التعليقات (1)

    مسخرة

    ·منذ سنة شهرين
    يعني ما بتعجبكن روسيا ولا بتعجبكن اميركا …اي حيرتو سمانا و ربنا …
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات