أهم الأخبار

 

غناء على ناصية الربيع العربي

"غناء

صورة تعبيرية

أورينت نت - أيمن الشوفي

نتذكر أغنية "ارحل" حين كانت تجوب خيام ميدان التحرير بالقاهرة، ولا نتذكر صاحبها رامي عصام بوجهه الأنيق، وصوته المسالم، وغيثارته المرتّبة إلى جواره كأحد أعضاء جسده، نتذكر ثورة مصر، ولا نتذكر ثورة اليمن، بالرغم من أنّ صوت خالد الزاهر اليمنيّ الطازج كالخبز، وهو يغنّي "حرية حرية، نحن شعب حرّ" قبل اثني عشر عاماً لا يزال يشيّد ناصيةً إضافية للمعنى البسيط حين يسرد الكلمات واللحن، ويجافي "النخبويّة" بوصفها عقماً طارئاً قد يصيب الثورات، ويأكل نسلها المحتمل.

وقبل كلّ ذلك غنّى "الجنرال" حمادة بن عمر هجاءً لاذعاً، موّجهاً إلى زين العابدين بن علي، ذاك الراب المؤثر الذي يصعب نفي معناه بآخر، كان يقول: "ريّس البلاد شعبك مات"، وغنّى "الحاقد" معاذ بلغوات المغربيّ الراب الرائع "إرادة الحياة" المقتبس من إحدى قصائد أبي القاسم الشابيّ مطلع العام 2011 حين ارتدى المغرب ملابسَ احتجاجات قصيرة الأكمام سرعان ما تم استبدالها بصمت طويلِ الأكمام.

كلُّ ذاك الغناء ترافق مع اهتزاز عروش، أو زوال أخرى، إلا في سوريا، فثورتها تشبه حكايات الجدّات، تروى ولا تُصدّق، وكان على الناس تجربة الحكاية بأنفسهم، عاشوها ولم يصدّقوا كيف أنّ "الغول" أكل البلاد قبل أن يطردها من جغرافيا الحكاية، ثم صار يطير بجناحين، لن يصدّقوا أن "الغول" باقٍ، وهم الزائلون.

غناء سوريا لا يتعب

لم يتعب صوت إبراهيم القاشوش من ترديد أغنية "يالله ارحل يا بشار" منذ  سمعناها أول مرّة في مظاهرات حماة الباكرة، لم يكن الرجل مغنّياً، لكن صوته اهتدى إلى زجلياتٍ بسيطةِ الصياغة، مرعبةِ المعنى بالنسبة لنظام بوليسيّ اعتاد ألا يتطاول في الكلام عليه أحد، فكيف في الإنشاد والغناء؟!

كلامٌ غير متكلّفٍ في المعنى، مقفّىً وموزون كما تقتضي الضرورة، يحلّلُ على عجالة طبيعة السلطة السياسية في سوريا، ورغبة الناس بإزالتها، وبأن الوقت حان، كلامٌ تعارك مع البوليس مرّاتٍ كثيرة، ونجا، وبعد اثني عشر عاماً لا يزال صداه يُسمع.

اقتلع النظام حنجرة القاشوش، وهو يصنع رمزيّة إخماد الصوت المناوئ له بهمجيّة ووحشية، لكن الغناء لأجل التعافي منه لم يقع أرضاً، لم يتوعّك، ولم يسكت، إنما الناس ملّت الغناء، اثنا عشر عاماً والعالم لا يمتدح ثورتهم، وفي كثير من الأحيان لا يعترف بها، يختزلها في أستانا المملّة، أستانا العقيمة حدّ الضجر، وفي منصّات لا تعترف بالغناء أصلاً، تُقرفص بين القاهرة وموسكو مروراً بالرياض.

ثورةٌ لم يتحمّس لها أوباما حين كان رئيساً، ولم يلتفت لها ترامب، ونسيها بايدن تحت تأثير الزهايمر المُلحّ، وغير المرئي عليه، ثلاثةُ رؤساء للولايات المتحدة تعاقبوا على إعدام حنجرة القاشوش، ولم يفهموا معنى الأغنية، أو فهموا المعنى، لكنهم عجزوا عن ترديده باللكنة الأمريكية التي تُفخّم حرف الراء.

الربيع العربي مرّتان

بدا استنطاق صمت الشعوب العربية أمراً مكلفاً للغاية، لكنّه أثمر بإزالة فكرة الصنم الطاغية، عبر محاكاته لنموذج احتكار السياسة، والتربّح الهيّن من مراكز النفوذ والقوى، وخلال العقد الأخير كنّا شهوداً على زوال حكّامٍ عرب من الوجود، أو اندحارهم من مراكزهم السياسية، وبقاء آخرين لم تشأ الإرادة الدولية زوالهم، كما في النموذج السوري.

قبل ثلاثة أعوام توافد العراقيون إلى الشوارع، السلطة السياسية في بلادهم تجلس إلى جوار ولاية الفقيه بكل صفاقة. شعروا بالتسمّم العام وهو يحصدهم من هواء إيران الخبيث، فطاردها البعض من خلال رواج أغنية "ذيل أعوج" في هجائها اللاذع لكل القوى السياسية العراقية ذات الهوى الإيراني الملعون.

وفي لبنان وقبل ثلاث سنوات أيضاً، تبرّع الآلافُ من الغاضبين إلى الالتصاق اليومي بالشوارع، في محاولة منهم لهدم "تابو الطائف" تلك المحاصصة السياسية المقيتة للسلطة والحكم، والتي أوصلت بلادهم في آخر فصول بثّها المباشر إلى الإفلاس المهين.

تزامن خروج العراقيين واللبنانيين ذاك مع شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2019 وكأنه حدث بالتخاطر، وفي جزءٍ منه كان نابذاً لإيران المحتلّة بما جمعته من مفردات محلية تُترجم معنى حضورها السيئ في كلا البلدين، وفي العام نفسه لكن في شهر نيسان/ أبريل، كان السودانيون يسكنون الشوارع لهدم صنم سلطتهم السياسية، الغناء كان حاضراً أيضاً، هذه المرّة مع مغنّي الراب السوداني المعروف أيمن ماو، نتذكره في أغنية "الدم" ذائعة الصيت، والتي تحولت إلى مرادفٍ غنائي مبهج لثورتهم.

يشبه استيقاظ الشعوب العربية إذاً، إزالة التعرّق بالماء، يشبه الولادة الجديدة، الخروجَ من رحم الخوف بلا عودة، وحال حدوث ذلك سيكون صعباً أن يجرّبوا الخوف مجدداً، وحدهم السوريون يستطيعون اختصار حكاية الربيع العربي، حيث قدّموا أنفسهم قرابين لفكّ سحر الطاغية عنهم، ولا أحد سواهم أفنتهُ المعتقلات والبراميل والقصف من الجو والبر والتهجير والجوع والمهانة، هم أجمل فصول الربيع العربي، هم الربيع الذي لن يتكرر.             
  

1 تعليق

  1. سوري

    يا رجل.. بربكم هلق وقتو هالكلام؟

    قيم هذا التعليق

اضافة تعليق

يرجى الالتزام باخلاق واداب الحوار

الأكثر مشاهدة

منظمة أممية تحتفي بلاجئ سوري في الأردن يحوّل القمامة إلى ثروة

منظمة أممية تحتفي بلاجئ سوري في الأردن يحوّل القمامة إلى ثروة

أخبار اللاجئين
الأمم المتحدة تشجّع اللاجئين السوريين على العودة لـ "حضن الوطن": لا يخشون الاحتجاز

الأمم المتحدة تشجّع اللاجئين السوريين على العودة لـ "حضن الوطن": لا يخشون الاحتجاز

أخبار اللاجئين