عندما يكون الشعر مرآة تعكس المأساة وسلاحاً في وجه الطغيان

عندما يكون الشعر مرآة تعكس المأساة وسلاحاً في وجه الطغيان

(أنا يمكن ما راح أرجع، بس أنت لازم ترجع) درسٌ موجع لمن يرى ويسمع، يلقّنه أبٌ موجوع مهجّر لابنه الصغير الذي يرى فيه المستقبل.

تأبى صور المأساة السورية المستمرة منذ اثنتي عشرة سنة أن تنقطع، فكل يوم هناك قصة وجع جديدة، وكل يوم هناك حكاية ألم فظيعة، وكأنما قصص الوجع السوري وحكايات الألم فيها تتوالد بالعدوى، قصة تلد قصة، وحكاية تنجب حكاية.

لقد آثر كثير من السوريين المهجرين أن يسكنوا في أماكن أقرب ما تكون إلى مدنهم وقراهم، ليطلوا عليها من بعيد بين الفينة والأخرى، فيكون النظر إلى بيوتهم من على تلة عالية بلسماً يداوي تقرحات أرواحهم المتصدعة.
المواطن السوري المهجّر علي عرموش ابن سراقب واحد من ملايين المهجرين قسراً عن ديارهم، يأبى أن يكون بعيداً عنها، يقف مع ابنه كل يوم إن استطاع على مرتفع عال من الأرض مطلّ على سراقب وعلى داره فيها، ليقول لابنه الصغير، انظرْ .. تلك هي مدينتنا وتلك هي دارنا، يمكن أنا ما راح أرجع، لكن أنت لازم ترجع، فيهز الطفل رأسه موافقاً، وكأنه يعطي لأبيه وعداً مقدساً بذلك، ويتمثّل أبياتاً شعرية تعكس المأساة السورية للشاعر السوري عبد السلام زهران، فيلقيها بقلبٍ متصدع حطّمه الحنين والشوق إلى مدينته سراقب، يقول الشاعر عبد السلام زهران:

كيف اللقاء وقد شطّت بنا السبلُ
                      وذرّفت من دمٍ في ليلها المقلُ
وكيف ننسى بتلك الدار لمّتَنا
                          وهل بمأساتنا يحيا بنا أملُ

إن الأدب العظيم هو ذاك الذي يحاكي الوجدان، وينبثق دفاقاً من المعاناة، وقديماً قالوا ما يخرج من القلب، فمستقره في القلب.

يقف المواطن علي عرموش على تلة مطلة على مدينته وداره فيها ليبث ما يفيض به وجدانه وروحه من شوق وحنين إلى مرابع الطفولة والشباب في سراقب، متابعاً تمثّله بأبيات الشاعر عبد السلام زهران الذي يقول:

مرابعُ الروح ما جفّت شواطئها
                     وذكرياتٌ لنا في الصدر تشتعلُ
يا دار فيك تركنا بعضَ مهجتِنا
                       فهل للقياكِ يبقى عندنا أجلُ؟

والشاعر فيما يبث من وجع إنما يترجم آلام ملايين السوريين الذين هجّرتهم آلة القتل الأسدية لتحوّلهم إلى أطلال بشر بعد أن كانوا أعزّة كراماً في ديارهم وأراضيهم:

تبكي الزوايا فكم ضمّتْ لنا قصصاً
                   وفي الفناء خطاً لم يمحُها هطلُ
وفي الشبابيك آهاتٌ مخبّأةٌ
                      الليلُ يعرفها والشمسُ والظّللُ

ولعل أبرز ما يميّز السوريين عن أغلب شعوب الأرض هو الكرم الذي جُبِلت أنفسهم عليه، والتاريخ قديمه وحديثه يشهد، فقد فتح السوريون قلوبهم قبل بيوتهم لكل من جاء إليهم هارباً من الموت من إخوتهم العرب من فلسطين والجزائر والعراق ولبنان، ومن إخوتهم في الدين كالشركس، أو في الإنسانية كالأرمن.

إنّ كرم السوري لم يتوقّف عند شخصه، بل تعداه إلى أحجار بيته وأشجاره وأزهاره، فهي تمد يدها مرحبة بالضيوف، وكأن الكرم صار طبعاً من طباعها وشيمة من شيمها، يقول الشاعر زهران: 

غصنٌ يمدّ على الجدران أذرعَهُ
                    مرحّباً بضيوف البيت إذ وصلوا
للعزّ قد نُذِرتْ تلك الديار فكم
                  في حضنها شبّت الأخلاقُ والمُثُلُ

ولعلّ أنسنة الجماد في الشعر ليست جديدة، بل قديمة قدم الشعر، فقد بثّ الشاعر العربي الروح فيما حوله من جمادات عبر العصور، فكان الشاعر الجاهلي يخاطب الأطلال وكأنه يخاطب إنساناً حياً أمامه من لحم ودم، وها هو الشاعر الموجوع عبد السلام زهران يبث الروح في داره، فتصبح إنساناً يشعر ويحسّ، وهو يرى ويسمع أنينها متألمة على فراقهم، وتود لو أنها ترحل معهم، فهي تؤثر الهجرة مع أهلها على البقاء خوف أن تكون مسكناً للغرباء، يقول: 

عند الوداع انثنت جدرانُها ألماً
             ودّتْ لوِ احتُمِلتْ في رحل من حملوا
فكيف لم تزهق الأرواح حين نأتْ
                 وكيف لم ينفطرْ قلبٌ إذِ ارتحلوا؟
حتى الحجارةُ قد حنّتْ لساكنها
               فكيف بالقلب إذ ضاقتْ به الحيلُ؟
يا صاح لا تحسب الجدرانَ من حجرٍ
                   بل أنفسٌ في سكون الليل تبتهلُ

إنّ المأساة السورية مأساة مركّبة وشديدة التعقيد، فلا يكاد بيت يخلو من شهيد أو مفقود، والسوري العظيم وسط كل هذه المصائب والمحن لم يشكُ همّه وحزنه لأحدٍ إلا لله رب العالمين، فهو الوحيد الذي لجأ إليه السوري ليشكو له ظلم القريب والبعيد، يقول:

لله نشكو إذا ما الشوقُ أوجعنا
                  أرواحُنا رحلت في إثر من رحلوا

ولعلّ هذه النفحة الوجدانية المشتعلة بنار الصدق وما تحمله من معانٍ سامية ومشاعر فياضة تجاه الوطن السليب، لهي درسٌ واضحٌ للأجيال القادمة، مفاده أن حلم العودة إلى هذه الأرض أمانة ينقلها الآباء من أعناقهم إلى أعناق أبنائهم جيلاً إثر جيل حتى يأتي اليوم الذي يتحقق فيه الحلم وينتصر فيه الحق على الباطل، عندها فقط يمكن أن ترتاح أرواح الشهداء الذين ضحوا بها رخيصة في سبيل الحرية والكرامة.

وكأنّ صرخة الشاعر هذه إنما هي صرخة في وجه نظام الأسد المجرم الذي لم يدّخر وسيلة أو طريقة إلا استخدمها لإذلال السوريين وتهجيرهم وحرمانهم من أوطانهم ومرابع طفولتهم وشبابهم، وكأنّ لسان حال الشاعر كما حال الملايين من السوريين المهجّرين والمشرّدين يقول للنظام المجرم إنك مهما فعلت فلن تكسرنا.

إنك تستطيع أن تطيل المأساة مادام العالم يتآمر معك علينا حتى نتحطّم من الداخل، فتجهز علينا بالضربة القاضية، ولكن هيهات هيهات.

إن شعباً عظيماً بهذه العظمة وهذا الكبرياء لا تستطيع أن تكسره كل قوى الشر مجتمعة مهما فعلت، وسينتصر في النهاية؛ لأن قدر الشعوب العظيمة، والشعب السوري على رأسها، قدرُها أن تنتصر مهما طال الزمن، والتاريخ بيننا.

التعليقات (2)

    جميل

    ·منذ سنة 3 أشهر
    عاطفة جياشة صادقة تعبر عما نشعر به جميعا بعد اضطرارنا لمغادرة بيوتنا ومراتع طفولتنا. شاعرية جميلة لا سيما تلك التي أعطت الجمادات نبضا من الحب والحنان والشوق. لا فض فوه

    عهد

    ·منذ سنة 3 أشهر
    .والله إننا لمُحزنون؛ على ما أصاب الشعب السوري ،نتمنى أن يُفرج الله عنهم 🙏🏻
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات