التطبيع: زوبعة في فنجان

التطبيع: زوبعة في فنجان

استغلت بعض الدول العربية كارثة الزلزال لإعادة تعويم النظام المجرم، واقترحت مبادرة للحل في سوريا، بينما بقيت دول أخرى ثابتة على مواقفها من النظام، وتفاجأ الأولون بالموقف الأمريكي الذي جعل جهودهم -حسب البعض- تذهب أدراج الرياح. فهل ستحقق حملة التطبيع العربية مع النظام المجرم أهدافها؟

ما إن هدأت الصفيحة العربية وصفيحة الأناضول، حتى خرجت النوايا الحقيقية، ليعج بعدها مطار دمشق بطائرات التعاطف السياسي. سياسيون عرب كانوا لعقد من الزمن يقفون على أعتاب دمشق في انتظار الفرصة المناسبة، فكان الزلزال فرصة لهم للقول: الزلزال يجبّ ما قبله، إلا أن أطرافاً أخرى كانت تراقب بصمت انتهاء استقبال الأسد لضيوفه، حتى تأكد وضع العصا في عجلة التطبيع العربية. 

علاقة يصعب فهمها ومحال قطعها

تحاول الدول العربية، بسطحية سياسية غبية وجهل بطبيعة المنظومة الأسدية وعلاقاتها مع إيران، انتزاع الأسد من الحضن الإيراني. العلاقة بين نظام أسد وإيران معقدة ومتعددة الأوجه، متجذرة في تاريخ مشترك من المصالح الجيوسياسية والانحياز الأيديولوجي. بالإضافة إلى ذلك، فإن علاقات النظام السوري بإيران متأصلة بعمق في هياكله السياسية والعسكرية. حيث أقامت إيران علاقات وثيقة مع شخصيات رئيسية في حكومة النظام وجيشه، وأنشأت عشرات المليشيات. وقد أعطى هذا إيران نفوذاً كبيراً على النظام السوري وجعل من الصعب على النظام أن ينأى بنفسه عن نفوذ طهران.

إن صح فعلاً أن هدف الدول العربية من التطبيع مع النظام السوري هو إبعاده عن إيران، فإن هذا الافتراض يبدو غير واقعي بالمطلق، وغبياً. فلا يمكن للأنظمة العربية التي تتشابه مع النظام السوري بنيوياً، ومتخلفة جداً عن النظام في العلاقة مع إيران؛ أن تفكك علاقة النظام مع إيران، فعلاقة النظام مع إيران متأصلة بعمق ويصعب تفكيكها بمثل هذه الخطوات، فالأمر يحتاج لحسم عسكري فعلي، وهذا ما لا تقدر عليه دول التطبيع. 

من جهة أخرى، تعد الشراكة الإيرانية والروسية في أوكرانيا عاملاً قوياً يمنع الأنظمة العربية من انتشال النظام من البوتقة الإيرانية. فلا يمكن أن يكون ثمن الدعم الإيراني لروسيا في أوكرانيا الضغط عليها في سوريا. فما يجب على الأنظمة العربية فعله هو الاستعداد لما يمكن أن تنتج عنه تلك الشراكة من زيادة للنفوذ الإيراني في المنطقة.

العصا الأمريكية

ما زال القرن أمريكياً، أو ما زال الهوى في شرق المتوسط أمريكياً. النظام السوري على مدى عقود، لقّن السوريين العداوة للولايات المتحدة، إلا أنه وفي الوقت عينه، "أظهر برغماتية في التعامل مع نفوذها باعتبارها قوة عظمى"، وما يهمه هو أن يتم قبوله كما هو. وبالتالي، دائماً ما يترقب النظام ردة الفعل الأمريكية، ويعمل بموجبها، لأنه يعلم يقيناً أن الكلمة الفصل تصاغ في البيت الأبيض. 

صحيح أن الأولوية الأمريكية اليوم هي الصين والحرب الأوكرانية، إلا أن القضية السورية جزء من السياسة الخارجية الأمريكية الموجهة لروسيا. فالحملة الأخيرة التي أطلقتها الولايات المتحدة تحت اسم "شهر المحاسبة"، وهي حملة تهدف للضغط على المجتمع الدولي لمحاسبة النظام السوري وحلفائه، تبشر بفشل حفلة التطبيع العربية مع النظام. صحيح أنها لن تسقط النظام، ولكنها دليل على مدى الاهتمام الأمريكي بمنع تعويم النظام من قبل أي جهة كانت.

الموقف الأمريكي الأخير لم يسمح بمحاولات تعويم النظام، وكذلك الموقف السعودي المراوغ بصمت، لم يعطي النظام جائزة التطبيع بدون شروط سياسية حازمة. والموقف القطري كذلك لم يتغير. فلا تطبيع مع الأسد طالما أن الأسباب الرافضة للتطبيع ما زالت قائمة. 

عبرة التاريخ

الأنظمة العربية الحالية، أو من يريد التطبيع مع نظام أسد، يمكن تصنيفهم بأنهم ثورة مضادة، يسعون إلى منع تحرير الشعب السوري من الاستبداد الأسدي الوحشي. بنظرة خاطفة على تاريخ الثورات الفرنسية والإنكليزية والأمريكية، نجد مثلاً، أن محاولات التطبيع مع النظام شبيهة بمحاولات الملكيات الأوربية لوأد الثورة الفرنسية. "فالملكيات الأوربية التي أصابها الهلع من عدوى الثورة الفرنسية، وبدلاً من التلاقي مع شعوبها في منتصف الطريق -كما فعل ويليام وزوجته ماري في بريطانيا- حشدت الملكيات الأوربية قوتها لوأد الثورة الفرنسية في مهدها."

أوعز إمبراطور النمسا ليوبولد الثاني قائد الثورة المضادة الأوربية، إلى ملوك أوربا لإنقاذ النظام الفرنسي، وأصدر مع حلفائه مبادرة/إعلان "بيلنيتز" الداعم لرئيس النظام، وأسس حلفاً عسكرياً ضد فرنسا الثورية، حيث ضم الحلف بريطانيا والنمسا وبروسيا وهولاندا وإسبانيا وسردينيا. إلا أن المقصلة كانت أسرع منهم. ما أشبه اليوم بالبارحة. لا يهم من يقود حملة التطبيع، المهم أنهم يريدون وأد الثورة السورية، فهل تصيبهم عدواها؟ 

 إن الله الذي حرم الظلم على نفسه، حاشاه أن يخيب آمالنا في الحرية والكرامة، وحاشاه أن يجعل العاقبة للمجرمين. وفي النهاية، كل محاولات تعويم النظام السوري ستبوء بالفشل، وهي زوبعة في فنجان، فلا شيء لديه ليعطيه. وأصبح اليوم لزاماً علينا وعلى من يريد التطبيع، أن يستوعب عبرة التاريخ، هذه العِبرة تدلنا على أن الثورة المستقرة في الوجدان تنحني، لكنها لا تنكسر. "ثم يأتي الصباح، وتمر الفصول. سوف يأتي الربيع، إن تقضَّى ربيع".  

 

التعليقات (2)

    عمر العلي

    ·منذ 11 شهر أسبوعين
    مقال هادئ وموضوعي، لكن يحتاج للاهتمام المنهجي أكثر. موفق استاذ عيسى

    حسان المحمود

    ·منذ 11 شهر أسبوعين
    فعلاً هاد يلي صار، أمريكا وقفت الكل.
2

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات