لا تعينوا الديكتاتور على العودة!

لا تعينوا الديكتاتور على العودة!

قد تعني عودة نتنياهو رئيساً لحكومة إسرائيل، أنَّ الفرصةَ باتت مواتية لإجراء تنفّس اصطناعيّ آمنٍ يعيدُ الحياة إلى المخطط الإسرائيلي الإقليمي القديم، والذي حمل عنوان "تعويم الأسد".

ولعلّنا إذ نعيد تفحّصه الآن كما لو أنّه لقيةٌ أثرية نبشناها من التراث السياسي للعام 2019، فإننا نجد بعض التفسيرات أو ربما التأويلات للذي يحاك داخل الأروقة المعتمة التي يقبع الملفُ السوري داخلها.

ذاك المخطط جرى بحثه باستفاضةٍ في شهر حزيران/ يونيو قبل أربع سنوات، حين اجتمع مستشارو الأمن القومي لروسيا وأميركا وإسرائيل في القدس، وتداولوا فيما بينهم صوابيّة احتمال نجاة بشار الأسد، وإعادة انبثاق نظامه إلى الوجود، وكأنه بريء الذمة من كل آفات المجازر والدمار والتهجير التي باركها بثقة المقتدر وتدابيره، بشرط فكّ ارتباطه بإيران، وهذا الذي لاحظناه مؤخراً من إقصاء نظام طهران عن حضور مباحثات التطبيع النيّرة بين تركيا ونظام بشار الأسد، الأمر الذي يُرجِح كفّةَ قبول بشار للمقترح الإسرائيلي الساعي لإعادة "تعويمه" عربياً أولاً، ثم دولياً، ضمن مساعٍ خليجية نيّرة أيضاً، مقابل المضيّ بدعوى التفريق بحق زواجه غير اللائق أو المتكافئ من النظام الإيراني.

 

حساباتٌ تجعل السوريين عديمي القيمة!

لو أنَّ بشار الأسد مثل "بول كاغام" رئيس روندا الذي كان مسؤولاً عن مقتل قرابة مليون راوندي خلال الحرب الأهلية، لكان أراح نفوس الموالين لحكمه بعض الشيء. ذلك أن "كاغام" استطاع جعل روندا من أغنى الدول الأفريقية خلال فترة حكمه، والسوريون أنفسهم يعلمون ذلك جيداً حين يقصدونها هرباً من جحيم بلادهم. كما إن بشار الأسد ليس "لي كوان يو" رئيس وزراء سنغافورة طيلة ثلاثة عقود، والمعروف بتسلّطه في الحكم، لكنه نقل بلاده إلى خانة الدول الأكثر تطوراً وغنى في آسيا، حتى إن مواطنين سنغافورة باتوا يحوزون على ثالث أعلى دخل فردي في العالم.

بشار الأسد إذاً ليس"كوان يو" ولا حتى "كاغم"، ونظام الحكم في سوريا يبدو حالةً متفرّدة يصعب استنساخها، أو الإتيان بمثلها، وكأنها معجزةٌ في الاستبداد لن تتكرر، إذ يبدو النظام السوري في حقبة الديكتاتور الأب أقرب إلى النموذج الستاليني، حيث معادلة الرعب من الطاغية هي المعادلة المتجذّرة في وعي الأفراد بمن فيهم المقربون من الديكتاتور، وحين مات ستالين مطلع شهر آذار/ مارس 1953 بسكتةٍ دماغية، ظنّوه نائماً، فلم يجرؤوا على الاقتراب منه إلا بعد أيام!   

ومن غير الصعب أيضاً تشبيه نظام الديكتاتور الابن في سوريا بنظام "عيدي أمين" ثالث رؤساء أوغندا، وصاحب لقب "جزار أوغندا" المسؤول الأول عن ترويع وتعذيب وموت حوالي نصف مليون أوغندي. أو ربما يكون نظام بشار قريباً أكثر من نظام "منجستو هيلا مريام" رئيس إثيوبيا بين عامي 1974 و1991، صاحب حملة ما يسمى بالإرهاب الأحمر، والتي يمكن تصنيفها بأنها أسوأ جريمة إبادة جماعية في أفريقيا، أثمرت نتائجها بين يدي "مريام" بمليوني قتيل إثيوبي.

أما إذا دمجنا عهدي الأب والابن في سوريا، فلن نجد ما يقاربهما واقعياً سوى نموذج حكم "فرانسوا دوفالييه" الذي أطلق على نفسه لقب "بابا دوك هايتي" وطوّب نفسه هناك رئيساً مدى الحياة، لكنه مات عام 1971، وأودعت جثته ضريحاً فخماً، يشبه قبر حافظ الأسد، وحين سقط ابنه ووريث حكمه "جان كلود دوفالييه" عام 1986 هدم المنتفضون حينها ضريح الديكتاتور الأب.

كل تلك المقاربات تظلُّ عاجزةً عن اللحاق بنُدرة نظام الحكم في سوريا، ولا تمسّ أساساً أسراره الخفية، فكل الأنظمة الاستبدادية التي أشرنا إليها سابقاً لم يستغرق إزالتها كل هذا الوقت الذي أمضاه النظام السوري يقتل ويدمّر ويهجر شعبه، وكأنه يتنزه في مرج فسيحٍ أخضر، وكأنه يعلم بأن أحداً لن يحاسبه، فالسوريون هنا ليس لهم وزنٌ لا في حسابات النظام، ولا في حسابات من يصنع القرار في هذا العالم السوريالي للغاية.

 

عودة نتنياهو ليست كعودة الابن الضال!

صحيح أن نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق لم يُعر مخطط نتنياهو الخاص بإعادة تعويم بشار الأسد أي اهتمام يذكر، بل نجد أنه وخلافاً لذلك قد أوقف متابعة تنفيذه كلياً، غير أن تلك الصورة انقلبت الآن رأساً على عقب، فصاحب المخطط عاد رئيساً لوزراء إسرائيل، وهي عودةٌ غير سارّة للسوريين، إذ إنها تعيد تمرير شبح بقاء هذا النظام أمام أعينهم المنتظرِة زواله، سيكره السوريون نتنياهو أكثر من الإسرائيليين أنفسهم من غير المنتمين لأحزاب اليمين المتشدّدة، والرافضين عودته إلى سدّة حكمهم مجدداً.

فالمؤشرات على الأرض تدل في مكرها المفاجئ، وتقاطعاتها الملتبسة على إمكانية سير الأحداث باتجاه بوصلة ذاك المخطط، الذي يكون قد أُجريت عليه بعض التعديلات سواء كانت طفيفةً أو عميقة، فنحن نتحدث عن أربع سنوات مرّت منذ أن اقتراح نتنياهو على جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، ونيكولاي باتروشيف أمين عام مجلس الأمن الروسي خطةً بمراحل متعدد تعيد الاعتبار لبشار الأسد ونظامه، بحيث تشمل المرحلة الأولى دعوة بشار الأسد القوات الأجنبية التي دخلت سوريا بعد العام 2011 إلى المغادرة، ثم وفي المرحلة التالية تعود سوريا إلى جامعة الدول العربية، على أن ينتقل الاقتصاد السوري من الوصاية الإيرانية عليه إلى التداوي بإنعاش خليجي واسع الطيف يشمل حتى مشاريع إعادة إعمار سوريا، أما المرحلة الثالثة فتكون بإجراء إصلاحات سياسية تحددها مباحثاتٌ دولية في فيينا، تقود في نهايتها إلى إجراء انتخابات جديدة في البلاد.

ستكون سابقةً تاريخية صادمةَ الأثر إعادةُ الاعتبار لنظام قمعي دموي بصحبة زعيمه إن كان مخطط نتنياهو ما يجري العمل عليه حالياً ببعض التكتّم والتستّر في الخفاء، وسيكون ذلك سبباً كافياً لتوالد العديد من الأنظمة الاستبدادية الجديدة في العالم، والتي لن تأبه لعواقب ممارساتها القمعية. يكفي أن تقف مكانها، وتشير بيدها إلى النظام السوري، ولسان حالها يقول: ذاك نظامٌ سياسي نكلَّ وقتلَ ودمّر وهجّر...وبقي. فلا تعينوا الديكتاتور على العودة مجدداً مهما كنتم براغماتيين، أو بارعين في صياغة فنّ الممكن والتكيف مع صيغه المتعددة، وإلا صار العالم برمّته مثل سوريا، مكاناً غير صالح للحياة أو حتى مجرّد الحلم بما هو أجمل.         

التعليقات (1)

    بشار عميل لاسرائيل

    ·منذ سنة 5 أشهر
    بشار لن يستطع عمل شي في سوريا سوى تدميرها وتخريبها وتجويع وتهجير اهلها لانه عميل صهيوني يرفع شعار محاربة اسرائيل .... وفي الواقع هو يحارب سوريا باسلحة سوريا وشعب سوريا ؟؟؟ ارجوا من المتابعين التفكير جديا في هذا التحليل
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات