أهم الأخبار

 

هنا السويداء ..هنا سوريا

مقال اليوم || إيمان أبو عساف 2023-01-21 09:25:06

أرشيف
أرشيف

الموعد كان ساحة الكرامة، هكذا أطلق عليها الأحرار بعد إسقاط النُصُب في حدث تاريخيٍّ مشهود، وفي وقت كان النظام يملك جُلَّ قوته وله عيونٌ مبثوثة في كل زاويةٍ وكل تفصيل، مع استعداد لتجاوز أي مقدّس أو خط أحمر حتی لو كانت الإدانة كلمة أو رأي، فكيف لو كانت رمزاً يمثّل النظام، وهنا تكمن اللحظة التاريخية الفارقة.

السويداء التي قررت من حينها دخول أنساق من التغيرات الكاملة تجاه الحدث السوري العظيم، ما كان قبله لم يعد بالإمكان أن يستمر، لقد عرف الشعب طريقه، مثل الصعقة كان الحدث موقظاً للوعي المتسرنم بمفاعيل وقوة الهيمنة السلطويةِ المستبدّة، والتي كانت إحدی تعيناتها الحزب الحاكم والتنظيمات الرديفة وفروع الأمن، كلُّها معاً تآزرت مجتهدةً لتبلغ ذروة المفارقة للقيم الإنسانية والأخلاقية.

بعد سقوط الصنم، تقطَّرَ الحديث بعدها عن ذهولٍ ودهشةٍ أمام القذائف والأساليب التي اتُبِعت في القتل والإقصاء وإثارةِ النعرات الطائفية والإثنية، ومع كل ظهورٍ مستورٍ أو مخبوء، كان الوعي الجمعي لمجتمع السويداء يتعمق، وترافق ذلك بحالة قلق وأزمة، قلق مركب وأزمة مُعقّدة، قلق من حالة الشواش الفكري، ومن قدرة النظام وتمرُّسه في تشويهِ أي حراك.

وبدا الواقع تماماً حالة بؤريَّة، وكل حالة تنتسب لجهةٍ ما أو توجه أو عصابة.

ولا يخفی علی أحد أن الحراك استمرّ رغم عنف الرد وأصبح هاجس الأحرار، كيف نجمع القوی الحُرة وما هي طرق وأساليب المقاونة، وخاصةً عمل النظام عبر إعلامه الذي اتهمَ حراك السويداء برغبة الانفصال وكان من الأهميةِ بمكان أن يعملَ تجمع قوی الأحرار علی تحديد وإيضاح غاية النضال السلمي.

ومع كل مغامرة أمنية وكل تفجير، تستنفر السويداء بحضورها المستمر عبر أشكالٍ مُتعددة، ورغم أن المحيط القريب والبعيد ظهر غارقاً باليأس.

وفي الآونة الأخيرةِ ظهرت إرهاصات تؤسس لوعي مُتقدِّم للهوية والانتماء، وأولمَ المجتمع في الجنوب لمناهضة النظام وإظهار حقيقة القضية السورية التي تتلخص بحكم دكتاتوري يريد إفقار الشعب وتهجيره وكان من قبل قد سجن وقتل الكثير وأعلن أن ذلك لحماية الأقليات، وفعلاً وقف أهل السويداء أول وقفة، وكالعادة كان الأمن مستعداً لتمرير موبقاته متابعاً سيرته الثابتة والمبتذلة والمرذولة في التشويه.

لكن الأمر هذه المرة اختلف، ورأی أهلُ السويداء سورية خلف عيون السلطة وخلف عيون المتصدرين للمشهد من معارضة وموالاة وحتی مجتمع دولي، وقررت السويداء أن تُعيد إظهار القصة السورية، وتلا اعتصام تلو الآخر في ساحة الكرامة، وكان الاعتصام الأخير يمثل المدنية والحضارة بأسمی معانيها.

ولما أُسقِطَ في يد البعث؛ قرر البعث أن يُخرجَ الأمن والزباينة علی الرصيف المقابل للأحرار، وعلی غير ما يشتهي النظام عبر الأمن والبعث، ظهر المشهد هزيمة قاسمة للجماعات البعثية التي ابتذلت الهتافات والأهازيج الممجوجة، وظهرت حالة الارتباك، فالأدلوجة التي تقول بأبدية القائد مخالفةً للعلمِ والواقع ولكنهم فعلوا ما يعتقدون أنه يخدم مصلحتهم، بوعي زائف، تكللت وقفتهم وظهر وعيهم بحالة إنكار للتغيير وضرورته الحتمية.

وأما الأحرار فقد صمتوا ورفعوا لافتات حسمت الأمر لسورية الحرة المستقلِّة، سوريا التي تنتظر أن تقوم بقوة شعبها.

وتبدو السويداء اليوم مستمرة بطقسها السلمي التحرري المتماهي مع المشروع الوطني السوري، وستكون.. عبارة هنا السويداء هنا سورية.. الباب المشَّرع لعودة الهواء النظيف الذي يطرد كل السموم والأخطار وتبدو سورية حينها في مسارها الصحيح المعافی.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات