يالله ارحل يا إسكوبار

يالله ارحل يا إسكوبار

مطلع العام الجديد حطَّ "بابا نويل" في مطار دمشق قادماً من تل أبيب، وهبَ شحنةَ أسلحة مُرسلة من طهران إلى مليشياتها العاملة في سوريا بضعة صواريخ فمحاها من الوجود، وأخرج مطار دمشق عن الخدمة بخفة ساحر، لكن ميشيل حايك لم يخبرنا بذلك قبل يومين من حدوثه، حين فاضت توقعاته من قناة mtv اللبنانية، وأغرقت شواطئ المتلهفين للاطلاع على علوم الغيب والسياسة.

من جديد تصيبُ صواريخ إسرائيل مطار نظام دمشق بوعكة صحيّة قاسية، فترد إيران بتخفيض سعر صرف الدولار في السوق السورية التي تحتلها أكثر من ألف ليرة للدولار الواحد دفعةً واحدة، وفي صبيحة يوم الضربة، وكأنها جائزة ترضية تُكافئ بها النظام السوري على الضرر الذي لحق بهيبته وبمطار عاصمته بسببها، وهذا أيضاً ما لم تخبرنا به ليلى عبد اللطيف، وهي تضرب بالرمل على قناة lbc اللبنانية كاشفةً مصائرنا الملتبسة داخل طيّات العام الجديد.

بازار الشمال في آخر العام للفرجة والتسلية!

 تنقضُّ أخبار التسوية التركية مع النظام السوري شكلياً، ومع الروس عملياً، على أحاديث البسطاء من السوريين، فيعتقدون بأنها ستُخرج النظام الحاكم لهم من عنق الزجاجة المحشور بها حدَّ الاختناق، وستنعش حياتهم المتصلّبة بآفات البرد والجوع والعتمة كما يأملون، وهذا الذي لن يحدث، حتى وإن رغب بحدوثه ثلاثيّ عرّافي رأس السنة مجتمعين حايك وعبد اللطيف وفغالي، ليس لأن تلك التسوية هي بهرجة انتخابية قد يرتديها أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات، أو إنها خطوة تكتيكية يسحب من خلالها أردوغان ورقة التفاوض مع نظام بشار من يد المعارضة التركية، بل لأنها مسعى روسي حثيث اقتنع به الأتراك خلال الأشهر الماضية حتى لا يحرجوا بوتين المصاب بوسواس أوكرانيا وبهواجس استنزاف جيشه هناك إن قاموا بعمل عسكري في الشمال السوري كما كانوا عازمين، باعتباره الحاكم الفعلي في سوريا، وهذا أرضى الأتراك، وجعل سلّتهم ملأى بالعنب دون الحاجة إلى قتل الناطور، بل على العكس سيقوم الناطور بقتال الأكراد نيابةً عنهم، وما جعل روسيا تستحث هذا الاتفاق هو تأكيدها على حقها الحصري ببنوّة الملف السوري بالتزامن مع صدور قانون "كيبتاغون الأسد" باللهجة الأمريكية التي لا تحب موسكو سماعها في سوريا، ولايتها الجديدة في قلب الشرق الأوسط. 

ثم يتحدث نظام دمشق المصاب بمتلازمة الفصام والزهايمر نادرةِ الحدوث بغبطةٍ مدهشة عن بسط سيطرته المرتقب على شمال البلاد، وكأنها فسحةٌ أو رحلةٌ مدرسية لجيشه المتهالك إلى هناك، إذ سيلاقيه الناس في إدلب -كما المفترض- ومعهم التشكيلاتُ العسكرية بالورود والأهازيج المعدّة خصيصاً لمناسبة عودته، وربما سيفعل الأكراد ذات الشيء، إنها مقبرةٌ جديدة بعرض ثلاثين كيلو متراً، واستنزافٌ إضافي لنظام مفلس لم يفعل شيئاً سوى تدمير بلادٍ بالكامل، واستقدام أربعة احتلالات عسكرية مباشرة إليها، وها هو يعود لنبش تاريخه المفعم بالحماقات السياسية التي لن تتكرر خلال القرن القادم بأقل تقدير. إذ لا معنى سياسياً هنا يمكن البناء عليه للانسحاب التركي من الشمال ما دامت سوريا محتلّةً عسكرياً واقتصادياً ومستلبةً بقرارها السياسي من قبل إيران وروسيا معاً.

ظهور "إسكوبار" بالنسخة السورية

ربما من اللائق أيضاً إعادة إحياء أحد هتافات الثورة السورية على نطاقٍ واسع، لكن بنكهةٍ كولومبية هذه المرّة، ذاك الذي يقول:" يالله ارحل يا إسكوبار" وهذا أحد المرامي التي يصيبها قانون "كيبتاغون الأسد"، واللافت في القانون بأنه موجّهٌ ضدّ شخص بشار الأسد ودائرة المسؤولين من حوله، والتي تكوّن النظام القائم حالياً، الأمر الذي لم يكن موجوداً لدى قانون قيصر، وبموجب قانون "كيبتاغون الأسد" تستطيع الولايات المتحدة بمساعدة حلفائها -وما أكثرهم- ملاحقة بشار ومعاونيه بوصفهم خارجين عن القانون، فهو قانون جنائي الطابع إذاً، سياسي المضمون، يحثُّ الإدارة الأمريكية على تطبيقه خلال ستة أشهر، واصفاً بشار بـ "ملك الممنوعات الأجنبية في العالم" وهذا التوصيف لم يزاحمه عليه أحد سوى الكولومبي بابلو إسكوبار زعيم منظمة كارتل ميدلين لتسويق وتجارة الماريجونا والكوكائين خارج حدود بلاده، والذي قضى ميّتاً عام 1993.

القانون الجديد يفوّض الولايات المتحدة وحلفاءها بتفكيك شبكات إنتاج وتوزيع الكيبتاغون التي يديرها نظام الأسد، وملاحقة زعيم النظام وشركائه أينما كانوا، ومحاكمتهم، أو ربما تصفيتهم، وعلى الأرض تستطيع الولايات المتحدة مثلاً، ودون التنسيق مع أحد دخول الجنوب السوري على سبيل المثال، وإنشاء قواعد عسكرية فيه بغرض تنفيذ القانون، بمساعدة الحليف الأردني، وهذا يعيد إنعاش فرضية تقسيم الجغرافيا السورية وتحويلها إلى فيدراليات يبررُ انبثاقها نظام مركزي متهالك ومفلس، في منحًى يتطابق مع الظرف الموضوعي الذي تعيشه القضية السورية، حيث لا أحدَ من الأطراف الدولية الفاعلة يدفع باتجاه الحل السياسي الجاد لإنهاء معاناة السوريين، فروسيا تريد الرئيس الدمية وتخفيه في أحد جيوبها السريّة وتخرجه فقط لمجرد التوقيع على الاتفاقيات الدولية، أو بيع ما تبقى من البلاد لها، وإيران لم تعد ترغب بهذا الرئيس الدمية القريب من روسيا أكثرَ من قربه منها، تخشى من وراء ذلك على تقلّص نفوذها تدريجياً في سوريا المحتلّة، لذا قد نجد بأنها تفضّل شقيقه عليه، أما الولايات المتحدة فتبدو كالمتفرّج البريء على تتالي فصول هذه التمثيلية الهزلية، لكنها القادرة وبمفردها على إعادة خلط الأوراق مجدداً، وتغيير مسار الحدث السياسي في سوريا، وربما ستنتقل مع إسرائيل لاحقاً إلى خيار تصفية الوجود الإيراني، وذلك بمجرّد أن نستيقظ ذات صباح، ولا نجد "إسكوبار" الأسد بيننا.  

التعليقات (1)

    ahmad alsabouni

    ·منذ سنة 6 أشهر
    exactly bravo
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات