أهم الأخبار

 

أحمد اليوسف في ديوان "قتلت مايا": الشاعر عندما يغوص في آلام أهله ووطنه

"أحمد

صورة تعبيرية

لعلّ أشدّ ما يؤرّق الشاعر ويمنع عن عينيه النوم والاسترخاء هي اللحظة الشعرية، فهي الخط الفاصل بين الطبيعي واللاطبيعي أو بين المعقول واللامعقول؛ ذلك أنها نتاج تماس كهربائي عالي التوتر في الروح، إذ يحيلها إلى بركان يغلي على وشك الانفجار، أو غيمة حبلى على وشك الانهمار، وهذا الانفجار أو الانهمار هو ذلك الشعر الملتحف بالوجدان، بل المتوحّد معه وحدة عضوية، فهما جسدٌ وروحٌ، ولا غنى لأحدهما عن الآخر أبداً. 

وإن الشاعر في هذا الحيّز من هذه اللحظة هو ذلك الكائن الخرافي الذي يخلق من عوالمه اللامعقولة صومعته التي يمارس فيها طقوسه الفنية ليعيد إنتاج الواقع جماليّاً بعد أن يكون قد عجنه في روحه ووجدانه.

وإذا كان المقياس الذي نوازن به بين شاعر وآخر يعود إلى حساسية كليهما تجاه الواقع ومدى قدرة الواحد منهما على ملامسته والانفعال به دون أن يقع في مطبِّ المباشرة والخطابية، فإنه يتوجّب علينا في هذا الصدد أن ننبّه إلى أن ذلك لا يتأتى إلا للقلة من الشعراء ذوي المواهب الفذة التي خصّهم بها المولى عزّ وجل.

ولعله عليّ أن أوضّح أنّ ما سبق من مقدمة يخصّ الشعر عموماً، وهو مفتاح يمكنني من خلاله الدخول إلى ديوان "قتلت مايا" للشاعر السوري أحمد اليوسف الذي يمتلك موهبة حقيقية يمكن البناء عليها ليكون رقماً مميزاً في خارطة الشعر السوري المعاصر.

ولقد صدر للشاعر ثلاث مجموعات شعرية حتى الآن، كان أولها "منك تغار النساء" 2017، والثاني "لك الورد غنى 2018، والثالث "قتلت مايا" 2022.

ولعلّ المطّلع على نتاج الشاعر أحمد اليوسف عموماً، وآخرها ديوانه "قتلت مايا" موضوع المقالة، يدرك مدى حساسية شاعرنا تجاه واقعه، وانعكاس هذا الواقع بكل ما فيه في مرآة روحه؛ ليظهر جليّاً في شرايين حروفه وكلماته، وبلغة بعيدة عن المباشرة، بقدر ما هي بعيدة عن التعقيد والغموض المطلسم، يقول متسائلاً:

من أين 

نسلب بسمةً للقلب 

لو ماتت جميع الأمنياتْ؟

أو كيف يجتاح الهوى قلباً تمرّغ بالغيابْ

ملأ الرحيلُ سوادَه

وتحوّلت أصقاعُهُ لمخيّماتْ

فالشاعر ابن بيئته ومجتمعه، ولن يكون الشاعر شاعراً حقيقياً إن لم يكن شعره صدى لمعاناة ناسه وأهله، وشاعرنا يجد نفسه في مواجهة هذا الواقع السوري البائس بعد الثورة السورية عام 2011، إذ سرعان ما تطوّرت الأحداث بعدها لتتحوّل إلى حرب مدمّرة أكلت الأخضر واليابس، بعد أن تحوّلت البلاد إلى إقطاعات يحكمها أمراء الحرب، فالشاعر وسط هذا البؤس لا يرى ربيعاً في الأفق القريب: 

لا زهر في هذا الربيع ولم يعد نيسانُ

يلبس حلّة خضراء هذا العام

فالجوّ يعبق بالرصاصْ

فهذه الحرب اللعينة كشفت الأقنعة عن وجوه البشر، فظهر منها ما يفزع الروح بسبب ما تحمله من بشاعة ولؤم:

عدنا إلى عصر الحضيض قبائلاً متناحرة

ومبرمجين على الخيانة نائمينْ

لكن الشاعر رغم ما يحيط به من واقع بائس وظلامٍ دامس، إلا أنه لم يستسلم لليأس، فهو مؤمن أن خلف الأفق صباحاً، وأن الظلم مهما طال عمره وقويت شوكته، فلا بدّ أن يُشطَر بسيف الحق، وعندها تتزيّن الأرض بثوبها الأخضر بعد أن تسقى بغيث الخلاص من الظالمين:

سيجيء غيثٌ من سماء الحلم 

يهتف بالربوع تزيّني

نيرون ماتْ

ولعلي لا أجانب الصواب إذا ما قلت إن أشدّ ما يقتل الشاعرية والشعر معاً هو المباشرة المقيتة والخطابية السقيمة، فيتحوّل الشعر بهما وبفعلهما من بؤرة الوجدان والانفعال المنقوع بماء الحياة، إلى سطحيّة ما تنشره الجرائد في نقلها للأحداث اليومية، وهذا هو الفارق بين الشعر والنظم، وشاعرنا أحمد اليوسف يبرعُ في تحويل المشهد الشعري إلى مشهد درامي تستطيع أن تتخيّله أمامك وأنت تقرأ، وذلك من خلال حيوية الحوار الذي برع في استخدامه، فنقل القطعة الشعرية المقروءة إلى مشهدٍ ممثّل في مسلسل أو فيلم: 

يقدسك الجمال!

سلبت ذاتي

وأسبغت المجاز على دواتي

- أنا تعني؟!!!

- نعم أعنيكِ.

- حقّاً؟!!

- وحسنك أنتِ أفقدني ثباتي

- متى هذا؟ وأين؟ وكيف؟ قل لي

- صباحاً في الحديقة، بـ التفاتِ

ويقول أيضاً:

كم امرأةً قتلت؟

- قتلتُ مايا

وأهرقت الدماء على الزوايا

وكيف نجوتَ؟

- لا أنجو لأني

أنا المقتول في لغة المرايا

أحقاً أنت؟

- إي والله حقاً

قتلت بها على مضضٍ أنايا

والشاعر قلقٌ متوتر ومنفعل بما يحدث في وطنه المنكوب، فغربته عن الشام أورثت له الأرق؛ لأنه لا يرى سواها وطناً ومكاناً يشعربه بالاطمئنان والراحة النفسية، فالشام بالنسبة إلى شاعرنا هي عشتار آلهة الحب والجمال المستبدة بالقلوب العاشقة لها، ولا تستطيع الفكاك من سطوتها الجبارة، فهو مرعوب من المصير الذي آلت إليه حبيبته الشام التي رمز إليها بـ عشتار، فذليل القوم أصبح سيداً، والسيد أصبح ذليلاً: 

وكيف لممنوعٍ عن الشام أن يرى

سواكِ بها داراً وروضاً ومغنما

أتدرين يا عشتار يا جنّة الهوى

بأنّ الصّبا جافى وشيبي تقدّما

لأنّ ذليل القوم قد عاد سيّداً 

وأنّ كبيرَ القدر ظلماً تقزّما

وهنا تصل درجة الارتقاء الوجداني عند الشاعر في تفاعله مع موضوعه (الوطن المنكوب) إلى الدرجة التي لا تعرف الحدود، والتي يتولّد منها الشعر العظيم على رأي الناقد الفلسطيني الكبير يوسف سامي اليوسف رحمه الله، يقول أحمد اليوسف في نفحة وجدانية عظيمة غلّفها بصورة بديعة معجونة بفيض من الصدق العاطفي والفني:

تمرّين في شريان حرفي شرارةً

فيحسبني القرّاء ناياً تكلّما

ولعلّ توظيف التراث من أبرز سمات الشعر المعاصر، وخاصة شعر التفعيلة أو النثر الفني الذي يسمّونه قصيدة، وقد دخل الشعر العمودي إلى هذه الحلبة ليثبت قدرته على مواكبة العصر ومستلزمات الكتابة الحديثة وأن الوزن والقافية الواحدة ليست سداً منيعاً أمام الإبداع فيما لو امتلك الشاعر الموهبة الفذة التي تؤهّله لذلك، وهناك أسماء كثيرة وكبيرة سجّلت اسمها بجدارة في هذا المضمار.

والشاعر أحمد اليوسف يحاول أن يكون أحد هؤلاء الشعراء الذين اقتحموا هذه الحلبة، فحاول توظيف التراث والقصص القرآنية، محاولاً أن يكون ذلك حاملاً للفكرة التي يريدها بغية إيصالها للقارئ بأسلوب شيّق بعيد عن المباشرة، فأحباب الشاعر في قلبه لا يغادرونه، وهم محاصرون بنار الحرب وطوفانِ الإرهاب الذي طغى وتجبّر، والنص الغائب الذي بنى الشاعر عليه هو قصة النبي نوح عليه السلام مع ابنه الكافر الذي أبى أن يركب الفلك، وقال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، فأحباب الشاعر هنا مؤمنون على عكس ابن نوح، لكنهم لم يتبعوه ويركبوا سفينة الخلاص، فضاقت بهم السبل: 

يا سائلين عن الأحباب إنّ لهم

في مضغة القلب جرحاً ليس يندملُ

لم يتبعوا نوحَ والطوفان حلّ بهم

هم آمنوا إنّما قد ضاقت السّبُلُ 

ولم يغب عن الشاعر ومخيّلته الشاعرة وذاكرته الموجوعة صور من تم صلبهم في الساحات العامة من قبل تنظيم داعش، فصورة ذلك الشاب المصلوب تفطر القلب ألماً، وأمّه تأبى أن تفارقه بمشهدٍ تشيب له الولدان:

قلبي على الولد المصلوب تحمله

عصا الحياة بحبلِ الموت يتصلُ

قلبي على امرأةٍ شابت لها كبدٌ

وما تزال بحضن الآه تبتهلُ

لكنّ الشاعر لا يكسره اليأس، فهو يتفاءل بفجرٍ قادم ينبلج من أنقاض مئذنة، كما ينهض الفينيق من رماد احتراق جسده، وسيعود أبناء الشام إليها رغم بغي البغاة:

سيطلع الفجر من أنقاض مئذنةٍ

وسوف يرجع رغم البغي من رحلوا

ويقول:

ألا فاستفقْ فالليل لا بدّ منجلٍ

وللنور وعدٌ للمتاهات كاشفُ

وأخيراً لا يسعني إلا أن أقول إنّ الشاعر المنبجي أحمد اليوسف من الأصوات الشابة المبشرة بالخير الكثير، وشعره علامة مهمة في الشعر السوري المعاصرعموماً والمنبجي خصوصاً، ولعلّ القارئ الكريم للديوان سيجد فيه الكثير من غير ما ذكرت، لكن مقالة صغيرة بهذا الحجم لا تستطيع أن تلم بكل جوانبه، فهذا يحتاج إلى بحث من عشرات الصفحات، تقف المقالة الصغيرة عاجزة عن فعل ذلك، ولذلك عمدْتُ إلى أهم ما لفت انتباهي فيه وأشرت إليه، وللقارئ الكريم إذا أراد الاستزادة أن يعود إليه ويقرأه، فلربما يجد الكثير غير ذلك.

ثقافة وفنون
17
8

اضافة تعليق

يرجى الالتزام باخلاق واداب الحوار