السويداء.. وأزمة الأقلية والأكثرية

السويداء.. وأزمة الأقلية والأكثرية

حتماً هي صدمة الحداثة تلك التي جعلت كل من الإيديولوجية السنية والقومية تغرق في أزمة الهوية وبسبب غياب الوعي ومحنة العقل، ذهبت الأولى نحو استحضار زمن السلف الصالح، والثانية اعتقدت أن الأمر شعار رومانسي، ولا يحتاج إلّا للهتاف ويتحقق عبر أمة عربية واحدة. 

وفات كل من الاتجاهين أن الهويّة هي منجز مركب ومعقد من الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتشكل في التاريخ هو مساهمة نوعية وكونية وأنه عند ذلك فقط تتحدد الهوية.  

ومن الجدير بالذكر أن أزمة الهوية تفاقمت مع العولمة، وذلك بسبب أن العولمة توحد أنماط العيش والاستهلاك والاهتمامات وتمعن في إثارة الخصوصيات الإثنية والطائفية.

الأمر الذي فاقم أكثر فأكثر إنتاج الدولة الأمة لدينا، ويبدو أن صدمة الحداثة وما بعدها فككت عملية الادعاء الإيديولوجي بالقدرة على الدمج والالتحام، وخلق المزيد من عمليات الاحتقان والتفجر، ويأتي البعث في كل من العراق وسوريا ليلعب دوراً كبيراً في التخلع المجتمعي، معتمدة إنتاج السلطة المذهبية التي ترتكز على تراص الأقليات، الأمر الذي أدى إلى تدمير سيسيولوجي. 

ومن الجدير بالذكر أن أغلب المجتمعات البشرية هي مجتمعات متعددة ومتنوعة، إلا أن المتقدمة منها استطاعت حل الأمر عبر المجتمع المدني ودولة القانون.

الدولة هي مجال وحدة المجتمع سياسياً وحقوقياً، أي حققت ما يُعرف باسم الكل الاجتماعي، ولكن في سوريا كانت الأمور تتجه مع التكسير الاجتماعي والفوضى في الاندماج نحو السلطة المستبدة، التي عبرت من خلال البعث وارتباكه الفكري والتنظيمي والقيمي إلى الهيمنة على المجتمع.  

وكانت الفوضى الاندماجية ضالتها في إيجاد تربة خصبة لعملية التراصّ الأقلوي، والذي فعلته أثناء الثورة السورية لتصل به حد همروجة حماية الأقليات من حيف الأكثرية.

وفي الحقيقة تلحق الأكثرية السنية مسؤولية كبرى لكونها لم تبادر إلى استيعاب الأقليات عبر وكالة حصرية من الخالق للرفض والإقصاء، والأقليات بدورها لعبت عبر الباطنية دور الضد للدولة الوطنية، ومن ثم انغلاقها وانزوائها دون أي فعل له مواصفات وطنية وقومية، وما بين أكثرية متعالية وأقلية منزوية كان لعب السلطة الذي أخّر انتقال مجتمعنا إلى إنتاج الدولة الوطنية والمجتمع المدني، والذي وسّع الهوة إلى درجة تغييب الذاكرة وتدمير الجسور التي كانت ممتدة وراسخة وهنا أستعين بالطائفة الدرزية نموذجاً أقلوياً عكست عبر تاريخها المشترك مع السنة عملية اندماج وصل إلى حد أن الأكثرية السنية كانت رافعة لكل المشاريع الوطنية والقومية للدروز. 

والدروز كما هو معروف طائفة باطنية تجمع في عقيدتها بين الفلسفة والتراث الإسلامي والقرآن والبعد العرفاني للعقل الإسلامي ولم تحاربها الأكثرية السنية على معتقدها في سوريا، ولم تقم الطائفة الدرزية في الالتفاف حول رجال الدين بل كانت حول شخصيات عامة حملت مشاريع نهضوية ووطنية وقومية مثل كمال جنبلاط وشكيب أرسلان وعادل أرسلان وسلطان الأطرش.

وفي الوقت الذي دخلت الطائفة مقاومة الاحتلال الفرنسي انفتح السنة بكل ثقلهم على تلك المقاومة إلى درجة الانضواء تحت قيادة الأطرش.

وفي مرحلة الازدهار الدستوري والحريات في الثلاثنيات من هذا القرن كان الدروز يملكون حضوراً قوياً بدعم سني، وعندما قامت الوحدة بين سوريا ومصر كانت الطائفة تتبنى المشروع القومي بكليته لدرجة أدهشت عبد الناصر القائد السني والذي عرف مناقبية الطائفة من تاريخها ومساهمتها الوطنية والقومية. 

ولما اعتدى الشيشكلي على أهل السويداء كان اعتداءً لأسباب سياسية ويكفي الطائفة الدرزية تبنيها المشروع القومي في لبنان بقيادة جنبلاط الذي دفع حياته ثمناً لذلك.

وما زالت أقلام السنة تذكر مواقف الرجل العظيمة والمتفردة، وهذا يدل وبصورة قطعية، حيث يطرح مشاريع وطنية وقومية تؤسس نواة الدولة الوطنية وتكون الأكثرية والأقلية بحالة إنتاج للهوية والدولة الوطنية. 

وإن ما اعترى هذه العلاقة من تشويش هو عمل أمني ومخابراتي ممنهج لمزيد من الفراغ والفوضى والتشويش، لكن ستأتي الأيام على غير ما تشتهي السلطة، وتكشف عملية الاعتداء على القرى الشرقية قذارة تقمص دور داعش المنسوبة للسنّة، وتبدأ السويداء بتغيير خطابها جذرياً وتوجهها وتعلن أن لا مشروع انفصالياً مطلقاً لديها وأن طائفتها سوريا، وعندما تهتف الحناجر هنا سوريا هنا السويداء تعنيها بكل عزم وإرادة.  

التعليقات (3)

    سويداء القلب

    ·منذ سنة 5 أشهر
    هنا السويداء هنا جبل العرب هنا سوريا.....

    سويداء القلب

    ·منذ سنة 5 أشهر
    سوريا لينا وماهي لبيت الاسد... عاش الاحرار... عاش أحفاد سلطان الأطرش.. عاش جبل العرب....

    سمر

    ·منذ سنة 5 أشهر
    يا خيتو شو هالخبيصة ... مو مقال هاد
3

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات