لماذا تصمت الفصائل عن مصادرة أملاك الفلسطينيين لإقامة ضاحية جنوبية أخرى في دمشق؟

لماذا تصمت الفصائل عن مصادرة أملاك الفلسطينيين لإقامة ضاحية جنوبية أخرى في دمشق؟

نشر موقع "أورينت" الأحد الماضي تقريراً موثقاً عن مصادرة نظام الأسد ممتلكات الفلسطينيين في مخيمي الحجر الأسود وفلسطين ضمن مخطط عام لإقامة ضاحية جنوبية طائفية "شيعية" على غرار تلك التابعة لحزب الله في العاصمة اللبنانية بيروت، والتي باتت تحكم البلد ككل وتحوّلت عملياً إلى الذارع الإقليمية المركزية للسياسات الاستعمارية الإيرانية في الدول العربية.

التقرير الموثق أشار إلى مصادرة ممتلكات الفلسطينيين بحجج واهية، منها عدم دفع أحد أصحاب البيوت مبلغ مليون ليرة سورية ما يعادل 200 دولار تقريباً كغرامة، علماً أن الأمر يتركز الآن في مخيمي الحجر الأسود وفلسطين جنوب دمشق، وهما المتاخمان مباشرة لمنطقة السيدة زينب، حيث نقطة التموضع الرئيسية للميليشيات الطائفية والحشود الشعبية سيئة الصيت، ومركز الوجود الإيراني في دمشق وسوريا بشكل عام.

لا بد من الإشارة إلى أن المخطط الأسدي الإيراني الطائفي لا يزال في بداياته الأولى، والخطوة الجديدة جاءت بعد توجيه ما تسمى محاكم الإرهاب التابعة للنظام في السابق تهم صورية للفلسطينيين لمصادرة ممتلكاتهم، حيث أثار الأمر ردود فعل واحتجاجات واسعة، لذلك لجأ النظام إلى مسار آخر يبدو مدنياً جزائياً إجرائياً في الظاهر وبعيداً شكلاً عن السياسة، ومحجوباً قدر الإمكان عن الإعلام والأضواء، وبالطبع دون اتباع الإجراءات الإدارية القانونية على علاّتها في نظام استبدادي لا يقيم أصلاً للقضاء والعدالة وزناً.

خطوة النظام الأخيرة في مخيمي الحجر وفلسطين أتت متناغمة مع قيام إيران بتهجير قسري وتغيير ديموغرافي في منطقة السيدة زينب ومحيطها وطريق المطار وجواره ضمن مخطط واضح لإقامة ضاحية جنوبية طائفية في دمشق شبيهة بتلك التي أقامتها في العاصمة اللبنانية بيروت لذراعها الإقليمية المركزية حزب الله.

المشروع الإيراني يلحظ السيطرة أو التوسع جنوباً حتى المطار الذي بات بؤرة للسيطرة وللتهريب على أنواعه سواء كان العسكري والمدني وشمالاً باتجاه مخيمي الحجر الأسود وفلسطين المتاخمين وصولاً إلى مخيم اليرموك. علماً أن هذا الأخير كان صاحب أكبر ثقل سكاني للاجئين بدمشق وسوريا والدول العربية بشكل عام. وكان فعلاً عاصمة اللجوء الفلسطيني بالخارج، لذلك يبدو أن ثمة تعاطياً مختلفاً نسبياً معه لوجوده تحت الأضواء بشكل أكبر، ولكن دائماً ضمن نفس مخطط الضاحية الجنوبية في نسخته السورية.

بداية قام النظام بقصف المخيم بالطائرات المقاتلة لتشريد أهله وإجبارهم على النزوح، ثم سهّل سيطرة تنظيم داعش عليه لتدميره بشكل نهائي، حيث وصلت نسبة الدمار فيه إلى 80 بالمئة حسب دراسة رسمية لوكالة الأونروا المالكة أو المستأجرة بالأحرى لمعظم أراضي المخيم لمدة 99 عاماً، بدأت في العام 1949 وتنتهى في 2048 أي بعد 25 عاماً تقريباً.

طوال السنوات الماضية وبعد إخراج أو ترحيل عناصر داعش من المخيم بباصات مكيّفة إلى صحراء السويداء وسيطرة النظام على المخيم بشكل تام شهدنا التلاعب والتحايل في أحاديث إعادة الإعمار، بما في ذلك المخطط الذي تم وضعه عبر محافظة دمشق وتجاوز ممثلي اللجنة المحلية للمخيم والأونروا، ويتحكم به النظام بشكل كامل دون خصوصية وكأنه أحد أحياء المدينة.

يجب الانتباه دائماً إلى أن هدف النظام النهائي كان ولا يزال الهيمنة والسيطرة على المخيم ومحيطه بشكل عام، وإبقاء الوضع فيه على ما هو عليه، حيث 80 بالمئة منه مدمّر، بينما المخطط نفسه نظري أو صوري كي يبقى الوضع على حاله مع عودة صورية لبعض شبيحة الفصائل وأدوات النظام ضمن حملة دعائية لتببيض صورته وإخفاء نواياه الحقيقة.

إذن، ستبدأ الضاحية الجنوبية في نسختها الدمشقية من مخيم اليرموك ثم تتمدد جنوباً حتى المطار – تماماً مثل نظيرتها في بيروت -، واليرموك سيتحول إلى مساحة فارغة وربما موقف كبير للسيارات، وأشبه بمنطقة أمنية مفتوحة وعازلة لتأمين ظهر الضاحية الطائفية جنوباً، كما مناطق سيطرة النظام بالعاصمة بما فيها القصر الجمهوري شمالاً.

بالعموم، تؤكد المعطيات السابقة حقيقة نظرة النظام إلى اللاجئين الفلسطينيين كأعداء، وبالنسبة له هم ليسوا ولا يمكن أن يكونوا مواطنين أو حتى رعايا في سوريا الطائفية المتجانسة للأسد والمفيدة لرعاته من الغزاة الأجانب، كونهم أي الفلسطينيين انحازوا بذاكرتهم العصية وعقلهم الجمعي إلى سوريا التاريخية العظمى. ولذلك جرت معاقبتهم وقتلهم وتشريدهم وتدمير مخيماتهم في تغريبة جديدة. وفي السياق مراكمة الصعوبات أمام عودتهم سواء إلى اليرموك ومخيماتهم في سوريا، وبالتالي إلى فلسطين نفسها.

المعطيات السابقة بما فيها المخطط الطائفي تجري في ظل صمت تام من الفصائل الفلسطينية التي تغاضت عن تدمير المخيم وقتل وتشريد أهله، بينما تسارع الآن تحديداً من وتيرة تطبيعها مع نظام الأسد.

والفصائل التي تجري المخططات الأخيرة تحت سمعها وبصرها يمكن تصنيفها إلى أربعة أنواع هامشية صغيرة - القيادة العامة والصاعقة - بدون حضور في الشارع الفلسطيني، وتستمد شرعيتها من النظام وتقتات من الفتات الإيراني، وهي اعتبرت نفسها دوماً جزءاً من النظام وحاربت معه ضد الثورة السورية كما ضد المخيمات الفلسطينية ليس فقط في سوريا وإنما في لبنان أيضاً.

ثم فصائل اليسار - الجبهتين الشعبية والديموقراطية - الصامتة عن المخطط وسياسات النظام تجاه اللاجئين بشكل عام، والمكتفية بالثرثرة الأيديولوجية الفارغة عن المؤامرة المزعومة ضد نظام بشار الأسد.

أما فتح وسلطة رام الله فتتعاطى مع النظام بصفتها جزءاً من منظومة الاستبداد والفساد العربية الساقطة التي ينتمي إليها الأسد، وهي تدعي شرعية القيادة الرسمية للفلسطينيين في سوريا دون أن تدافع عنهم أو توقف الظلم بحقهم. وتطبيعها مع الأسد فكري وسياسي لانتمائهما إلى نفس المنظومة مع رغبة في قطع الطريق على وجود منافستها حماس هناك.

من جهتها، تنظر هذه الأخيرة، وللدقة القيادة المتنفذة فيها، للأمر من زاوية مختلفة، وقضية فلسطينيي سوريا ليست على جدول أعمالها أصلاً، علماً أن إعادة العلاقة مع نظام الأسد كانت ضمن حزمة شروط فرضتها إيران على الحركة لاستئناف تقديم الدعم لها وقبولها مرة أخرى بمحور الممانعة المزعوم في انفصام لا يمكن فهمه أو تبريره كون حماس على علاّتها هي الحركة المقاومة الأبرز في فلسطين والمنطقة.

إلى ما سبق كله، وعوضاً عن نظرته الطائفية السلطوية يوجه النظام رسالة ضمنية إلى إسرائيل عبر تدمير المخيمات وتهجير الفلسطينيين، وبالتالي شطب قضية حق عودة اللاجئين عن جدول الأعمال ذلك مقابل دعم بقائه في السلطة خاصة مع خدماته الأخرى أيضاً في الجولان والمنطقة.

ثمة رسالة أيضاً من قبل النظام إلى الغرب وأمريكا تحديداً لجهة مساعدته في أمن إسرائيل واستقرارها -حسب تعبير رامى مخلوف الشهير- على جبهات عدة إضافة إلى التخلص من عبء أو وزر قضية اللاجئين الفلسطينيين التي عجزت عملية التسوية عن حلّها حلاًّ عادلاً باعتبارها واحدة من قضايا مفاوضات الوضع النهائي الصعبة والحسّاسة والشائكة.

في كل الأحوال، لا يزال المخطط في بداياته رغم انطلاق العمل به منذ سنوات لكنه يسير ببطء ويحتاج إلى تمويل كبير لا يبدو بالمتناول حتى مع وجود الخطط الجاهزة، حيث لا إعادة إعمار في ظل الواقع الحالي، وأزمة نظام الأسد الاقتصادية، وانهيار الأوضاع بشكل تام في مناطق سيطرته، ثم أزمة بل أزمات النظام الإيراني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية إثر الانتفاضة الشعبية المستمرة ضده، وتفاقم عزلته والعقوبات ضده خاصة بعد مراهنته الخاطئة عبر دعم روسيا عسكرياً في حربها المجنونة ضد أوكرانيا. المراهنة التي أكدت مأزق الطرفين وازدياد عزلتهما الدولية وضائقتهما السياسية والاقتصادية.

ورغم موقف الأونروا الصامت حتى الآن لكن لا يمكن تمرير المخطط دون موافقتها، علماً أنها تعتبر إعمار المخيمات جزءاً من إعادة الإعمار في سوريا بشكل عام، وهي مرتبطة بدورها بالعملية السياسية كما العودة الطوعية والآمنة للمهجرين والنازحين بما فيهم اللاجئين الفلسطينيين، وهي قضايا وملفات تبدو مستحيلة في ظل الواقع الراهن المفيد للنظام وحلفائه.

التعليقات (1)

    اللهم عليك بالظالمين

    ·منذ سنة شهرين
    اللهم عجل بهلاكهم
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات