"عفواً فيروز".. القصيدة المتعددة بين نزار قباني وفيصل بليبل ومنتدى يوم الجمعة

"عفواً فيروز".. القصيدة المتعددة بين نزار قباني وفيصل بليبل ومنتدى يوم الجمعة

شغلت قضية الشِّعر المنحول التي فجّرها عميد الأدب العربي طه حسين الناس، بعد نشر كتابه "في الشِّعر الجاهلي" عام 1926، واليوم ينشغل بعضنا ببضع قصائد نُسبتْ إلى بعض الشعراء المشهورين، مع أننا لسنا في عصر الرواة، ولا يوجد بيننا حماد الراوية، ولا خلف الأحمر حتى!

قصيدة "سيف فليشهرْ"، أو " الآن الآن وليس غداً" هي أغنية من كلمات الشاعر سعيد عقل، وألحان الأخوين رحباني، غنتها فيروز ضمن ألبوم (القدس في البال) الذي صدر عام 1967

عارض القصيدة كثيرون، ولعل أشهر تلك القصائد ما نُسبتْ إلى نزار قباني، وهي ليست له، وإنما لشاعر لم ينل كنزار شهرة واسعة، وهو الشاعر فيصل بليبل (1919- 1984) ابن مدينة الرقة، والذي عُرف بكتاباته السياسية، ومعارضة الطغاة، وطُبع له كتابان: "قصائد مزقها عبد الناصر" و "وافيصلاه"، وله عدد من المخطوطات الشعرية منها: إني معلم- أصنام من السماء – الدروب إلى حزيران- أهل حزيران – زغاريد البعث – واذلاه – رسائل إلى اتحاد الكتاب العرب – هذا جيشكم – وأخيراً شالوم – في يوم الكفاح.

يبدو أن في هذا العصر شِعراً منحولاً، وليس الأمر مقتصراً على العصر الجاهلي، أو بالأحرى قصائد قليلة منحولة نُسبت إلى غير قائليها، من الشعراء المشهورين كمحمود درويش، ونزار قباني، ومظفر النواب، وأشهر هذه القصائد قصيدة "عفواً فيروز" المنسوبة لنزار قباني، والتي جاء فيها:

غنت فيروز مُغـرّدةً   وجميعُ الناس لها تسمع

الآنَ، الآن وليس غداً  أجراسُ العَـودةِ فلتـُقـرَع

مِن أينَ العـودةُ فـيروزٌ  والعـودةُ تحتاجُ لمدفع

والمدفعُ يلزمُه كـفٌّ  والكـفّ يحتاجُ لإصبع 

والإصبعُ مُلتـذٌ لاهٍ   في دِبر الشعبِ له مَرتع 

عـفواً فـيروزُ ومعـذرةً  أجراسُ العَـودة لن تـُقـرع

خازوقٌ دُقَّ بأسـفـلنا  من شَرَم الشيخ إلى سَعسَع 

غـنت فيروزُ مرددةً  آذانُ العـُرْبِ لها تسمع

الآنَ، الآنَ وليس غداً  أجراسُ العـَودة فلتـُقـرَع

عـفواً فيروزُ ومعـذرةً  أجراسُ العَـوْدةِ لن تـُقـرَع 

ومنَ الجـولان إلى يافا  ومن الناقورةِ إلى إزرَع

خازوقٌ دُقَّ بأسـفلِنا  خازوقٌ دُقَّ ولن يَطلع

وممن ردّ على فيروز، ونزار قباني الشاعر تميم البرغوثي، حيث يقول من وحي العدوان على غزة:

عـفواً فيروزٌ ونزارٌ   فالحالُ الآنَ هو الأفظع

إنْ كانَ زمانكما بَشِـعٌ   فزمانُ زعامتنا أبشَع

أوغادٌ تلهـو بأمَّـتِـنا   وبلحم الأطفالِ الرّضـَّع 

تـُصغي لأوامر أمريكا   ولغير "إهودٍ" لا تركع

زُلـمٌ قد باعـوا كرامتهم   وفِراشُ الذلِّ لهم مَخدع 

عفواً فيروزٌ ونزارٌ   فالحالُ الآنَ هو الأفظع

كـُنا بالأمس لنا وَطنٌ   أجراسُ العَـوْدِ له تـُقـرَع

ما عادَ الآنَ لنا جَرَسٌ   في الأرض، ولا حتى إصبع


أما الشاعر العراقي فقد رد على قصيدتيْ نزار قباني، وتميم البرغوثي بقوله:


عفواً فيروز ونزار  عفواً لمقامكما الأرفع 
عفواً تميم البرغوثي  إن كنت سأقول الأفظع 
لا الآن الآن وليس غداً  أجراسُ التّاريخ تُقرع 
بغدادٌ لحقت بالقدس  والكلّ على مرأى ومسمع 
والشعب العربي ذليلٌ  ما عاد يبحث عن مدفع 
يبحث عن دولار أخضر  يدخل ملهى العروبة أسرع

ورد عليهم الشاعر السوداني قيس عبدالرحمن عمر بقوله:

عفواً لأدباء أمتنا  

فالحال تدهور للأبشع

فالثورة ما عادت تكفي  

فالسفلة منها تستنفع

والغيرة ما عادت تجذبنا   

فالنخوة قد ماتت في المنبع

ثم ردت عليهم جميعاً الشاعرة السودانية سناء عبد العظيم بقولها:

عفواً فيروز ونزار عفواً لمقامكما الأرفع

عفواً لتميمٍ، وعراقي، إني بكلامك لم أقنع

عفوا لأخينا سوداني من أيدِي شعراءٍ أربع 

النخوة لازالت فينا شيباً شبّاناً أو رٰضَّع 

سنعود نعود كما كُنَّا وسترفع أمتنا الأشرع 

وتسير سفينة أمتنا وتخوض الموج ولن تُصرع 

ونَقودُ الناس كما كُنَّا في عهد مُحمد لم نجزع 

فيروزُ انتظري عَودتنا كادت أجراسكِ أن تُقرع  

قباني صبراً قباني المدفع يحتاج لمصنع 

والمصنع أوشك أن يُبنى والخيرُ بأمتنا ينبع 

عفواً لتميم البرغوثي فالشعب محال أن يقنع

كثير من الشعراء لم يعرفوا أن القصيدة لفيصل بليبل، وكل ظنهم أنها لنزار قباني، فردوا عليه، ومنهم أنا صاحب هذه السطور، حيث قلت في عام 2019 رداً على القصيدة، ومعبّراً حينها عن انتفاضة الجوع في بعض الأقطار العربية، وتظاهر الناس في الشوارع مستخدمين القرع على الصحون والطناجر:

عفواً فيروزٌ ونزارٌ

فلْتُقرَعْ أدواتُ المطبخِ فلتُقرَعْ

قد صرنا نحلمُ بالمحتلِّ لكي يأخذَ 

ما أبقاهُ الحكّامُ منَ الوطنِ الأروعْ !

عذراً من سيّدةِ الطبخِ العربيِّ

 وما تُبدعْ

فطناجرُنا صُنعتْ للساسةِ 

لا للطبخِ لكي تُسمَعْ

فالساسةُ قد طبخُوا 

للشعبِ كثيراً 

لكنْ هو مفجوعٌ لا يشبع

في الوطنِ العربيِّ

 ومن كلِّ جهاتِ القهرِ الأربعْ

لم تبقَ سوى طنجرةٍ كي تصرخَ 

للشمسِ لكي تطلعْ !

عفواً فيروزٌ ونزارٌ

لا نبغي العودةَ 

للوطنِ الدافئِ كي نرتعْ

يبدو مَن يحكمُ في وطني 

أسوأَ من مُحتلٍّ بل أشْنَعْ !

يؤكد الكاتب والشاعر بسام بليبل، وهو المؤتمَن على إرث عمّه الشعري في كتابه: (الشاعر فيصل بليبل سيرة شاهد على العصر وذاكرة وطن) الصادر عام ٢٠١٠ أن القصيدة من تأليف فيصل بليبل:

 "هي مقطوعة شعرية بعنوان (أجراس العودة) توقف فيها فيصل بليبل عند بيتين من الشعر في أغنية فيروز (سيفٌ فليشهر، أو الآن الآن وليس غداً) التي غنتها في معرض دمشق الدولي ١٩٦٦ وفيها تقول:

"سيف فليشهر في الدنيا

ولتصدع أبواق تصدع

الآن الآن وليس غداً

أجراس العودة فلتقرع" 

وهذه المقطوعة الشعرية إحدى قصائد مخطوط (الدروب إلى حزيران) الذي لم يحظَ في حينه بالموافقة على الطباعة، وقد وردت الإشارة إلى أغنية فيروز هذه في قصيدة أخرى للشاعر فيصل بليبل، بعنوان (أهل حزيران) في ذات المخطوط المشار إليه آنفاً يقول فيها:

"لا تلومي الحكامَ يا نكبةَ العُربِ فإنّ حكامنا أهدانا

إنّ حكّامنا إلينا ومنا

لم تجئنا غينيا بهم أم غانا

عربٌ مثلنا خصام وخلفٌ

وارتجالٌ يولد الخسرانا

عربٌ مثلنا هتافٌ لفيروز ولكن لا يقرعون الآنا"

ويستشهد الشاعر بسام بليبل في كتابه عن عمه، وتميزه بشِعره السياسي، بما جاء في كتاب الدكتور بسام ساعي عن الشِّعر السياسي في سوريا:

"يُعدّ فيصل بليبل من أبرز رواد النظرة المستقبلية في الشعر السياسي الحديث في سوريا".

وحول استخدام الشاعر فيصل بليبل الأسماء المستعارة، وعن منتدى يوم الجمعة الذي كان يُقام في بيت عمه في دمشق قال الشاعر بسام بليبل في حديث لي معه: 

"فيصل بليبل كان ينشر أغلب قصائده السياسية إما مغفلة من التوقيع، أو إنها تنتشر عن طريق زواره، ولا سيما في منتداه، منتدى يوم الجمعة، الذي كان يقيمه في بيته في حي المزرعة بدمشق، والذي كان يرتاده الكثير من أبناء الجزيرة والفرات، والكثير من الشعراء والأدباء والدارسين الذين كانوا يكتبون عنه أحياناً ما يقرأ من أبيات في الندوة، ثم تنتشر هذه الأبيات بين الناس، وقد يزيدون عليها، أو ينقصون منها، كما هو الحال في كل ما يُنقل شفاهاً، وقد تنسب أحياناً لفلان، أو فلان، كما حصل مع هذه القصيدة".

ومما يؤكد أن القصيدة لفيصل بليبل أن الأديب الراحل الدكتور عبد السلام العجيلي في إحدى زياراته إلى بيروت التقى بالسيدة فيروز، وكانت تعرف مؤلف القصيدة الحقيقي، فسألته عن فيصل بليبل والقصيدة، وهذا ما قاله الدكتور العجيلي لفيصل بليبل، عند لقائه.

ومما يُروى أيضاً إثرَ هزيمة حزيران 1967 أنه تم استدعاء الشاعر فيصل بليبل، من قبل إدارة الأمن العام، وهو أعلى إدارة أمنية آنذاك، ويرأسها عبد الكريم الجندي الذي قام بتهديده، إذا نشر قصيدة جديدة، وحدّد قصيدة معينة بالاسم، وهي قصيدة (زوج الحمام، أو زوج الميغ).

التعليقات (4)

    حسون

    ·منذ سنة شهرين
    ممتع للغاية . تسلم ايديكم .

    حسون

    ·منذ سنة شهرين
    ممتع للغاية تسلم ايديكم . و عند انتهاء المقالة ....حزنت فعلا . ان امة فيها كل مقومات الفهم و الذكاء والبلاغة تسلم الحكم لحمار من سلالة مجهولة النسب حتى في سوق الحمير والبغال .

    مجهول

    ·منذ سنة شهرين
    عادة يكون قرع الأجراس على يد اليهود والنصارى ، وعلى ما يبدوا قد غاب نهائيا ( أذان العودة ) بغياب المسلمين الحقيقين في تلك البقعة من الأرض. وعلى ما يبدوا أن كل هؤلاء الشعراء الحمير لم تفهم فيروز ، عفوًا فيروز فالغلطه ليست غلطتكي فقد أعلنتي قرع الأجراسا فزحفت اليهود من أوربا إلى يافا .

    ابن ادم

    ·منذ 11 شهر أسبوعين
    لا يكمن الخلل بحكامنا وانما يكمن في شعوبنا النائمة ويا ليت انها نائمة، انها تحارب العلم والتطور وتؤمن بالشعوذة وبالخرافات البالية وتؤمن بالقوى السحرية الخارقة التي تعتقد انها تأتيها من السماء والذي لم ولن يحصل ذلك وتمجد بالماضي الذي ذهب ولم يعود وان عاد لحاربوه الا ان شعوبنا تتظاهر بحبها للماضي لمجرد انه مضى وأنها تعرف جيدا انه لم يعود. شعوب تتكلم طوال الوقت بالدين وان اغلبها غير مؤمنة باي شيء حتى بوجود الله. فهي تمجد الدين ليس لأنها تحبه او تؤمن به وانما حبا بالمنفعة التي تحصل عليها من ذلك اي استخدام الدين كتجارة وهذا هو المألوف في شعوبنا. ففيروز غنت في عام 1967 واليوم نحن في 2023 (أي بعد ست وخمسون سنة) يتضح اننا في زمن فيروز كنا افضل بألاف المرات مما نحن عليه الان !!!! والدليل واضع للعيان حيث أصبحنا شعوب نتقاتل فيما بيننا ونقاتل بعضنا البعض ونقف مع الاعداء ضد أنفسنا واي أعداء هو اننا أصبحنا أعداء لأنفسنا. نخرب في بلداننا ولا بقانون ولا بنظام ولا بأخلاق ولا بقيم ولا باي شيء يظهر حبنا لبلداننا اسوة بما تفعله الشعوب الأخرى غير العربية لبلدانها وعندما نكون متواجدين في بلدان غير بلداننا نحترم القوانين ونتصرف بسلوك حضاري مقبول.
4

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات