أهم الأخبار

 

اغتيال داوود جعفري في دمشق كيف ولماذا؟

مقال اليوم || أورينت نت - ماجد عزام 2022-12-10 08:30:33

داوود جعفري
داوود جعفري

أعلنت إيران الأربعاء الماضي، عن اغتيال الضابط الكبير في الحرس الثوري، العقيد داوود جعفري بتفجير عبوة بسيارته في ضواحي دمشق، ما أدى إلى مقتله مع مرافقه أيضاً.

وكالة أنباء تسنيم التابعة للحرس، اتهمت إسرائيل بالمسؤولية عن الاغتيال وقالت إن القتيل مسؤول فيما أسمتها القوة الجوفضائية للحرس، وكان يعمل كمستشار لمساعدة نظام الأسد على محاربة الإرهاب حسب تعبيرهم، قبل أن تتهم الوكالة إسرائيل صراحة، بالوقوف خلف الاغتيال، مع ترديد العبارات البالية المبتذلة والمكررة عن الرد في الزمان المكان المناسبين.

كالعادة طبعاً، لم يصدر أي رد فعل من النظام، ولا حتى بيان هزيل وإنشائي، رغم أن الاغتيال حصل في مناطق سيطرته، بينما لاذت إسرائيل بالصمت كالعادة أيضاً، ولكن مع تلميحات وتسريبات وقراءات بالصحافة العبرية، تشير إلى ملاحقة المسؤولين الإيرانيين المتهمين بمحاولة إقامة بنى تحتية للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة في سوريا.

بيان وكالة الحرس بدا لافتاً، والحقيقة تكمن بل تجب قراءته من زاوية ونقاط عدة، أولها أن إيران القوة الأصغر، القائمة بالاحتلال في مناطق النظام تحت سيطرة روسيا القوة الأكبر، لا تتحدث عن مقاتلين من ضباط وجنود، وإنما مستشارين فقط أتوا إلى سوريا، بدعوة من نظام بشار الأسد، بزعم أنه شرعي ويملك الحق بدعوتهم، وهي دوماً تعتمد على الميليشيات الطائفية من لبنان، العراق، أفغانستان وباكستان، كأيدٍ عاملة رخيصة للمشروع الاستعماري، وهنا نلحظ تعاطياً إيرانياً أو فارسياً متغطرساً ومتعالياً مع بقية القوميات التي تخدم تحت أمرتهم. ورغم فقدان إيران، مئات وحتى آلاف من عناصرها، إلا أنها تصرّ على قصة المستشارين حتى مع الحديث عن مقتل آلاف، مع عشرات الآلاف من الميليشيات الطائفية غير الإيرانية التابعة لإمرتها في مشروعها الاستعماري بالمنطقة العربية.

في السياق، لابد من التذكير بمقتل ضباط وعناصر إيرانية بغارات إسرائيلية مباشرة وعلنية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، العميد علي دادي الذى قتل-2015- بالقنيطرة، الجزء المحرر من الجولان - رفقة جهاد عماد مغنية - وكان مسؤولاً عن خلية الانتشار الإيراني قرب الحدود مع فلسطين، للتغطية على جرائمهم بحق الشعب السوري الثائر، والتي قضت عليها إسرائيل باغتيالات علنية أيضاً، قبل أن تقتل في آذار/ مارس الماضي، ضابطين من الحرس يتبعون نفس القوة المسماة الجوفضائية - المسؤولة عن جريمة إسقاط الطائرة الأوكرانية المدنية قرب طهران - وقصفت إيران بعدها فيلّا في أربيل بإقليم شمال العراق، زعمت أنها تابعة للموساد قبل أن يتضح أنها بملكية رجل أعمال عراقي-باز رؤوف كريم- مقرّب من زعيم الإقليم مسعود برزاني، يملك شركة مختصة في قطاع الطاقة تعمل على مشروع خط أنابيب لنقل الغاز من شمال العراق إلى أوروبا عبر تركيا، والغرض كان التأثير على المشروع كي تبقى إيران مهيمنة على سوق الغاز كما على العراق بشكل عام.

 في الماضي أيضاً، قتل عناصر وضباط من الحرس في مواجهات ومعارك مع الثوار أساساً، وبدرجة أقل مع تنظيم داعش، أي إن الاغتيالات الموضعية، لم تكن شائعة ضدهم.

وبالعودة إلى الاغتيال الأخير، وعندما يتم الوصول إلى ضابط كبير في ضواحي دمشق، وزرع عبوة ناسفة تقتله هو ومرافقه فقط، فهذا يعني أننا أمام اختراق إسرائيلي كبير لإيران وميليشياتها وأذرعها في سوريا، وإلمام أو اطلاع تام على تحركاتهم بما فيها كبار الضباط المفترض أنهم محميين. 

الاغتيال يشير كذلك إلى اختراق إسرائيلي داخل أجهزة نظام الأسد – تعقب قاسم سليماني قبل مقتله في بغداد بدأ من دمشق وبيروت أصلاً- هنا لابد من التذكير بواقعة اغتيال عماد مغنية نفسه في دمشق، في العام 2008 مع اختراق وتعاون أمريكي إسرائيلي، حيث رفضت أمريكا اغتيال سليماني الذي كان برفقته قبل دقائق من تفجير السيارة، وبعدها منع حزب الله عناصره من السفر أو التنقل في دمشق، بحجة أنها مكان غير آمن ومخترقة على نطاق واسع من قبل المخابرات الإسرائيلية.

الاختراق لا يتعلق بإيران وميليشياتها والنظام وأجهزته المهترئة، وإنما لا يمكن تبرئة روسيا أيضاً من التعاون الأمني مع إسرائيل، مع التذكير بما تقوله حركة الجهاد الإسلامي، حليفة إيران عن تقديم موسكو معلومات إلى تل أبيب، ساعدت في استهداف مسؤولها العسكري، أكرم العجوري في بيته الجديد بعد انتقاله إليه قبل أيام فقط، ما أدى الى استشهاد ابنه ومرافقه الشخصي 2019، حيث أرادت روسيا دوماً أن يكون تموضع إيران في سوريا تحت وصايتها، ولا يتجاوز القواعد التي ترسمها، ولا تشمل بالتأكيد نشر طائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة، قد تهدد أمن إسرائيل، باعتباره خطاً أحمر لموسكو وواشنطن، القوة الكبرى القائمة بالاحتلال في سوريا.

 يبدو لافتاً أيضاً نقل الاغتيالات الإسرائيلية، من إيران نفسها إلى سوريا، بعدما استهدفت مسؤولين كباراً بالحرس والنظام في عقر دارهم، مع التذكير بتصريح مسؤول كبير عن اختراق الموساد للسلطة والأجهزة الأمنية في إيران، بحيث بات كبار المسؤولين يخشون على حياتهم من الاغتيال.

الإعلان الإيراني عن الاغتيال كان لافتاً، حيث لم تقل طهران إنه قتل في حادثة أو اشتباك، ومع عدم استبعاد فرضية التصفية الداخلية نظرياً يعود اتهام إسرائيلي لعدة أسباب أو أهداف، أهمها ترويج النظام لزعم أنه في صراع مع إسرائيل، لإسقاط ذلك على الداخل والقول إن الانتفاضة الشعبية ضده بمثابة طعنة في ظهر من يواجه إسرائيل، أو حتى موجهة من هذه الأخيرة، مع اتهام تنظيمات إرهابية بالمسؤولية عن قتل متظاهرين، والزعم أنها مشغلة إسرائيلياً، رغم القمع والقتل الواضح من القوات الخاصة للمتظاهرين جهاراً نهاراً، حسب تقارير منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ذات الصلة.

إلى ما سبق، جاء صمت نظام الأسد مدوياً، وهو لم يصدر بياناً إنشائياً حتى، وكأن الأمر لا يعنيه كونه غير قادر على قول لا لإيران، ولا يستطيع التصدي لإسرائيل، هذا إذا أراد أصلاً بينما كل تفكيره منحصر في البقاء في السلطة، وهذه نقطة تلاقٍ مركزية إسرائيلية إيرانية أمريكية وروسية أيضاً.

الصمت الإسرائيلي لافت، ولكن غير مستغرب، وفق ما تصفها الدولة العبرية بالمعركة بين الحروب، والتي تدار بصمت وبعيداً عن الأضواء، وجرى أحياناً التضخيم والتفاخر، من قبل سياسيين لأغراضهم الخاصة، ثم سرعان ما أجبرتهم الأجهزة الأمنية على الصمت.

 بالعموم يبدو أننا أمام تصعيد قادم، بعد الغارة الإسرائيلية الأخيرة قرب معبر القائم، ثم التوغل البري وإقامة حزام أمني داخل الجزء المحرر من الجولان. وبعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة اليمينية والمتطرفة، سيكون تصعيد أيضاً في سياق تركيز تل أبيب على طهران وخطرها الإقليمي، رغم أن المعركة تدار من الجيش والأجهزة الأمنية أساساً، ولكن روح القائد لابد أن تترك تأثيرها على الجنود في الميدان، كما يقال في الصحافة العبرية.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة