أهم الأخبار

 

العملية البرية التركية مع وقف التنفيذ

مقال اليوم || العميد د. عبد الله الأسعد 2022-12-03 08:38:52

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

إن انطلاقة العملية العسكرية الجوية التركية قبل أيام قليلة، ماهي إلا تمهيد ناري وجوي كثيف، تُسمّى في نظام قتال القوات بالضربات الجوية المدمّرة للأهداف الهامة ذات البعد التكتيكي والإستراتيجي وغايتها تدمير نقاط الاستناد المعادية وكسر خطوط الدفاع وتدمير الوسائط القتالية المعادية وكسر صمود الدفاع لاحقاً ليكون قسد غير قادر على صد الهجمات البرية وفقدان الفعالية والصمود لقطاعات الدفاع.

 إذاً لابد من تدمير وإبطال القوات المدافعة لقسد من ساحة المعركة بنسبة الثلثين خارج المعركة قبل البدء بالهجوم البري، وهذه الضربات الجوية التركية تعادل في قدرتها التدميرية خطة تنفيذ العملية الإستراتيجية الهجومية التي يعقبها هجوم بري كاسح قادر على إلحاق الهزيمة بجيش نظامي مدرّب ومجهّز بأعتى أنواع العتاد والسلاح.

 لا شك بأن "قسد" أصبحت مدججة بأسلحة ثقيلة ومتطورة زوّدتها بها أمريكا، لا ينقصها سوى القوى الجوية والطيران المقاتل والصواريخ البالستية بعيدة المدى، وتركيا تعلم من خلال الاستطلاع الجوي والبري ومصادرها المتنوعة، بأن لدى قسد أيضاً سلاح متطوّر زوّدتها به القوى الغربية بالتنسيق مع أمريكا، من الــ م د والراجمات الصاروخية والمدفعية الثقيلة تفوق ميزاته الفنية والتعبوية سلاح الجيوش النظامية. 

لكن على ما يبدو بأن العملية البرية ستبقى قيد وقف التنفيذ حيث لا يستطيع أحد أن يجزم ما إذا كانت القوات التركية ستقوم لاحقاً بالهجوم البري أم ستكتفي بالطلعات الجوية التي تنفذها الطائرات الحربية القاذفة والمقاتلة، وذلك كله لأن روسيا وضعت كل ثقلها لثني تركيا عن القيام بالهجوم البري الشامل، مستغلة العلاقة القوية والصداقة التي تربطها مع الرئيس أردوغان، وذلك لمصالح الروس المتشابكة مع حزب الـ pkk الإرهابي وقسد والميليشيات الإيرانية المتحالفة مع مشيا أسد، ولأن الروس يعتقدون بأن بقاءهم في سوريا الطويل الأمد متعلق ببقاء المرتزقة والميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية وليس من مصلحة الروس وجود التركي القوي والمنافس للمصالح الروسية في الشمال السوري، كما إن روسيا ترى بأن المعلومات الاستطلاعية التابعة لنظام أسد والإحداثيات التي تزوّد بها استخبارات أسد القوات الجوية التركية، كافية لاصطياد رؤوس قسد وقياداته فهي تغني عن الهجوم البري الشامل.

 من الأرجح والأكثر احتمالاً هو تراجع تركيا عن القيام بالعملية البرية في سوريا، نتيجة التدخل الروسي القوي بين نظام أسد وتركيا خلال العملية العسكرية وإعادة المياه إلى مجاريها، ومنها رفع القيود المفروضة على تركيا من أجل مرور الطيران الروسي إلى سوريا مقابل تزويد جهاز الأمن التابع للأسد للأتراك بإحداثيات قيادات قسد.

وتأتي أمريكا ثانياً بعد الروس كقوة ضاغطة من أجل الحفاظ علىpkk الحزب الانفصالي الإرهابي الذي يخدم الأجندة الأمريكية التي تسعى بشكل دائم لدقّ إسفين  في وحدة واستقرار الشعوب والأمم، فهي تأتي إحدى العقبات الأخرى لمنع شن الهجوم البري.

من غير المفهوم لدى المتابعين للشأن الأمريكي بأن أمريكا القوة العظمى التي تقود حلف الناتو بأن تطلق تصريحات خجولة وتذرف دموع التماسيح على أرواح المدنيين الذي سقطوا في الجانبين، أليس أمريكا من زوّدت "قسد" بالسلاح المتطور وربما أيضاً زودتها بأسلحة م/ط ، مع بعض التصريحات الخجولة التي تصدح بها بأنها تتفهم بأن تركيا لديها مخاوف أمنيّة مشروعة فيما يتعلق بالإرهاب.

السؤال الأهم أليست تركيا هي القوة الثانية في حلف الناتو ومن حقها أن تطلب تفعيل المادة الرابعة من ميثاق حلف شمال الأطلسي "الناتو"، والذي يقضي بإجراء مشاورات طارئة في حالة تهديد إحدى الدول الأعضاء، وتركيا الآن أمنها القومي يتعرض باستمرار للخطر بوجود حزب إرهابي دائم تدعمه بالأصل أمريكا وتتخذ منه حليفاً لمقاتلة الإرهاب.

وهنا يتجلى الدور الأمريكي الذي يعمل على مبدأ الكيل بمكيالين، مع دول الحلف وهذا ما سيكون له مردود سلبي على أمريكا التي تنفذ سياسة إسرائيل، بسبب دعمها لحزب إرهابي، وتخليها عن دولة عضو في حلف الناتو.   

من المستغرب أن القيادة العسكرية الأمريكية تبذل نشاطاً مكثفاً مع القيادة التركية من أجل إيقاف الهجوم على قسد ذراع حزب الـــ pkk  وهذا النشاط الأمريكي لم يظهر نهائياً عندما كان الشعب السوري يُقتل بآلة الاحتلال الروسية، وعند حرق أطفال سوريا بالخيم بآلة القصف الروسي.  

  إن الجيوبولتيك التركي يقتضي استقرار المنطقة الشمالية من سوريا التي تحقق استقرار المنطقة الجنوبية من تركيا، حيث ما فَتِئت مشتعلة منذ أن قررت القيادة السورية منذ الثمانينيات البقاء على تلك المنطقة الشمالية من سوريا خنجراً في الخاصرة الجنوبية للجارة الشمالية تركيا، وكان أول من دعا لعقد المؤتمر الأول لحزب العمال الكردستاني هو حافظ الأسد، وهنا أقتبس من الوقائع التاريخية لنشوء حزب العمال الكردستاني حيث تبيّن أن الاقتباس يقول:

(عُقِد مؤتمر حزب العمّال الكردستاني الأول في سوريا في الفترة 15-25 تموز/ يوليو 1981، وحضر المؤتمر حوالي 60عضواً من أعضاء التنظيم، وبناءً على طلب الرئيس السوري في ذلك الحين حافظ الأسد) وأيضاً المؤتمر الثاني تم عقده في سوريا عام 1984).

وبعد أن انتهى حافظ الأسد من ترتيب صفوف حزب العمال الكردستاني كونه الراعي الرسمي والأب الروحي لهذا الحزب، بدأ ينظم صفوفه للبدء بالعمل العسكري ليبدأ عمله العسكري من القرى في شرق تركيا بدعم من حكومات سوريا ولبنان وشمال العراق واليونان وروسيا.

إن الموقع الجيوسياسي لتركيا بين أوروبا والوطن العربي والتي تطل على البحر الأسود وتتحكم بممر البوسفور، جعل منها لاعباً أساسياً في المنطقة لا يمكن تجاهله لذا كان لا بد من أن تلعب بعض القوى التي لا تريد الخير لتركيا، ولا أن تكون دولة قوية، أن تتلاعب بخيوط الأدوار المتحكمة في المنطقة من أجل خلق بؤر توتر في المنطقة لتكون أوراقاً ضاغطة بيدها، وهذا ما تم تكليف النظام السوري به لخلق pkk  سابقاً وخلق قسد لاحقاً، وتغيير اسمها لجعل مشكلة الأمن القومي التركي مصدر قلق دائم وغير مستقر.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة