أهم الأخبار

 

أصحاب الأكياس البيضاء.. رمز جديد للطفولة المعذّبة على أنقاض الرقة (صور)

أخبار سوريا || أورينت نت - زين العابدين العكيدي 2022-12-01 11:24:38

طفلة سورية تعمل بجمع النفايات في الرقة
طفلة سورية تعمل بجمع النفايات في الرقة

في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2017، أعلنت ميليشيا قسد المدعومة من التحالف الدولي، القضاء على تنظيم داعش في مدينة الرقة، وجاءت "عملية التحرير" تلك على حساب تدمير معظم البنية التحتية للمدينة، إذ قدّرت الأمم المتحدة تدمير ما نسبته 70-80 بالمئة من المدينة خلال المعارك.

وعلى الرغم من مرورِ ستّ سنوات تقريباً على انتهائها، إلا أنّ ثمةَ كوارث عديدة لا زالت تخيّم على الرقة، وفي هذا الصدد يقول الناشط خلف الخاطر لأورينت: "هناك صورةٌ وردية يحاول إعلام ميليشيا قسد رسمها عن مدينة الرقة، إلا أن للحقيقة وجهاً آخر مُغايراً، فعلى الرغم من الدعم الهائل الذي تتلقاه ما يسمى الإدارة الذاتية لإعادة إعمار الرقة، إلا أن كل شيء يسيرُ ببطء شديد، بسبب الفساد والسرقات".

وتابع: "لا يزال الدمار يخيّم على المشهد، ولم تُمنح تعويضات لغالبية المتضرّرين من عمليات القصف خلال المعارك، حيث يعيش اليوم في الرقة نحو مليون إنسان، نصفهم من النازحين، فيما لا تتوفر أساسيات الحياة في غالبية أحياء الرقة، وأكثر الناس يعيشون في منازل توشك على السقوط، وأشبه بالخرائب، وغالبية الشباب هاجروا، ومن لم يُهاجر يَهمُّ بالهجرة".

الفقر والعوّز وغياب الدعم فاقمت معاناة سكان مدينة الرقة، وكانت منظمة "Save the Children" ذكرت في أحد تقاريرها في يوليو/تموز 2021 أن "هناك القليل من عمليات إعادة تأهيل المدينة التي كانت تواجه في ذروة القصف 150 غارة جوية يومياً، ما ترك الأطفال يعيشون في منازل مُدمرة وليس لديهم مكان للتعلم أو اللعب إلا وسط الأنقاض"، وجاء في التقرير أنَ ثلاثة أرباع سكان الرقة يعتمدون في حياتهم على المساعدات الإنسانية لشراء الطعام والسلع، ولا تزال 80% من مدارس المدينة مُتضرّرة، حيث أدى الصراع وتداعياته إلى تدمير قطاع التعليم بأكمله".

الأكياس البيضاء

كل هذا الدمار في كفّة، وما يقاسيه أطفال الرقة بكفةٍ أخرى، إذ إنه مع مرورِ أي شخص بشوارع المدينة ستصدمه حُكماً مناظر عشرات الأطفال الذين لم يتجاوز بعضهم السابعة من العمر، وهم يتنقّلون بين حاويات القمامة، ومكبّات النفايات والخرائب، بحثاً عن البلاستيك والخردة، أو محاولين جمع الحديد من المباني المُدمرة، يُطلقُ عليهم سكان الرقة "الأكياس البيضاء" نسبةً للأكياس التي يحملونها على ظهورهم طوال اليوم والتي تعتمد حياتهم وحياة أسرهم على ما يجمعونه فيها. 

(علي) طفلٌ يبلغ من العمر تسع سنوات فقط، ألتقت به أورينت في منطقة الثكنة بمدينة الرقة حيث يُقيم مع والديه وأخويه الأصغر سناً، يخرجُ للعمل صباح كل يوم حاملاً كيسه على ظهرهِ، لجمع النحاس والعلب المعدنية، والبلاستيك من مكبّات النفايات الواقعة في طرف المدينة، ثم يتوجه نهاية كل يوم لبيعها، هذا إذا كانت الكمية تستحق البيع، وفي غالب المرات يكدّسها في إحدى الغرف المهدمة في المكان الذي يقطنُ فيه.

يعيش علي اليوم في ما تبقى من منزل عمه الذي هاجر خارج سوريا بعد تدمير منزل عائلته بقصف جوي، في حين أن والده عاجز عن العمل بعد تعرض قدمه للبتر إثر انفجار لغمٍ أرضي به.

تقول والدة علي: "لولا العوَز والحاجة لم أكن لأرسلهُ للعمل، نقضي أياماً بدون خبز، تقطّعت بنا السّبل، والده عاجز، ولا أحد يلتفت للآخر هنا، لا يوجد أي دعم أو مساعدات، اضطررنا لإرساله مع باقي أطفال المنطقة للعمل، كم أتمنى لو أنه يستطيع الدراسة، من المفترض أن يدرس في عُمر كهذا، لكن ليس باليد حيلة، مثلهُ مثل غيرهِ، (تقصد باقي الأطفال في المنطقة).

يُعد علي نموذجاً من آلاف الأطفال في الرقة، ممن تركوا طفولتهم وراء ظهورهم، وفرض عليهم الواقع أن يكبروا بسرعة، ويتحملوا مشقةً تصعبُ على البالغين، لا يختلف حال أطفال المدينة عن أطفال المخيمات وسكانها في الرقة.

وحسب إحصائية قمنا بها، يوجد اليوم في الرقة نحو 61 مخيماً عشوائياً، كان عددها بداية العام 2022 نحو (58) مخيماً، يقطنها نازحون من دير الزور وحمص وحلب وحماة ومناطق الرقة الخاضعة لميليشيا أسد، جميعهم مُهجرون من مناطقهم بعد سيطرة الأخير عليها، ولا يُقدّم لهم أي نوع من المساعدات.

وتتشابه أحوال قاطني المخيمات من حيث الوضع الإنساني الصعب، ومنها «مخيم سهلة البنات» الواقع شرق مدينة الرقة شمال المشلب، الذي تقطنه عشرات العوائل من النازحين.

قرب المخيم يوجد عدد من مكبات النفايات، والتي تعتبر الوجهة اليومية لأطفال المخيم للعمل فيه منذ الصباح وحتى المساء. تقول "حسينة" وهي أم لأربعة أطفال، ونازحة من مدينة دير الزور :"تنقلت مع أطفالي للعديد من الأماكن، وحطّت بنا الرحال هنا منذ عامين في هذا المخيم، ليس لدينا مُعيل إلا اللّه، توفي زوجي بقصف لميليشيا أسد 2017، أخرجُ أنا وأطفالي الأربعة للعمل في مكب النفايات القريب، مع بقية سكان المخيم، نجمع النايلون، والنحاس ونبيعه، إذا عمل أطفالي نأكل، وإذا لم يعملوا نقضي يومنا بدون طعام، نعيشُ في خيمتنا هذهِ، ونجلب المياه من سواقي الريّ".

الوضع الصحي في غالبية المخيمات والخرائب هو الآخر كارثي، حيث تنتشر الكوليرا والكورونا، فيما المياه في المنطقة ملوثة.

والأسوأ من هذا كله هو عمليات المداهمة التي تنفذها مخابرات ميليشيا قسد بشكل دوري على المخيمات وتعتقل الذكور على الشُّبهة بتهم الإرهاب، حيث هناك عدد كبير من الوفيات تحصل في هذه المخيمات بسبب سوء الوضع الصحي في حين تتكرّرُ نفس القصص المأساوية في جميع هذهِ المخيمات.

وفي مدينة الرقة يوجد ما يُسمى بمراكز الإيواء غير الرسمية وهي الخرائب، والأبنية حديثة البناء، والمدارس التي يقطنها نازحون، هؤلاء بالمجمل لا يتلقون أي نوع من المساعدات، وأعدادهم بالآلاف ويعيشون أوضاعاً كارثية، ويقطنون في المدارس المُدمرة، وفي شارع النور بالمدينة، ومنطقة الثكنة، والفلوجة، والدرعية والرميلة.

من تلك المباني يوجد مدرسة خديجة الكبرى، حيث تعيش فيها عوائل من محافظات دير الزور وريف حلب وريف حمص، ويعمل أطفالها في مكبات النفايات.

وتقول إسراء (13 سنة) وهي طفلة نازحة من حمص: "أخرجُ للبحث في الحاويات كل يوم، العمل صعب، نتعرض للضرب أحياناً من أطفال آخرين، ويحصل عراك بين الأطفال حول أماكن البحث في القمامة، أخي الصغير "محمد" ومنذ نحو شهر قام شخص مجهول بمحاولة خطفه، حقنهُ بإبرة ولكن شاهدهُ بعض الناس وترك أخي، والذي بقي مريضاً لأسبوع، أتمنى أن أذهب للمدرسة، وأن يكون لدينا منزل وأترك هذا العمل".

مهنة الأكياس البيضاء وضخامة أعداد العاملين فيها من الأطفال، أدت لزيادة أعداد المحلات والمصانع البدائية التي تشتري البلاستيك، والمعادن، وتتوزع هذه المحلات قرب دوار البتاني، نزلة شحاذة، البانوراما، وهناك من أنشأ مصانع صغيرة قرب المخيمات، مثل سهلة البنات، ومخيم يعرب، حيث يبيع الأطفال ما يجمعونه من القمامة ومكبات النفايات لهذه المحلات والمصانع، ويعمل في هذه المهنة حتى النساء وكبار السن الذين لا يملكون معيلاً.

ورغم ضخامة أعداد المنظمات الإنسانية العاملة في الرقة والتي تُشرف عليها ميليشيا PYD فلا يُقدم شيء لمساعدة هؤلاء البسطاء، ويقول (س.ع) وهو من سكان الرقة :"الفساد لا يوصف في عمل المنظمات الإنسانية، لك أن تتخيل أنهم يقدّمون كرتونة تحتوي على منظفات غسيل وكيس معكرونة كل نصف سنة".

حجم المأساة والكارثة الإنسانية في الرقة كبير، والخاسر الأكبر من كل ما يحصل هم الأطفال، فلا مستقبل ولا حاضر لهم، وطفولة مسروقة، حيث حلم جميع من التقينا بهم من الأطفال بتلقي التعليم، إلا أنه مطلب صعب وسط ظروف عملهم الصعبة، حيث يجب عليهم حمل الأكياس البيضاء التي تفوق حجم أجسادهم الصغيرة بأضعاف. 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات