أهم الأخبار

 

تركيا.. عندما تتعنّت القوة الصاعدة

مقال اليوم || عيسى المحمد 2022-12-01 10:45:41

الرئيس أردوغان ووزير دفاعه
الرئيس أردوغان ووزير دفاعه

لا يوجد حارس ليلي يمكنه إنقاذ دولة ما في حال تعرضها لهجوم من دولة أخرى، وعندما تتصل دولة ما طالبة خدمات الطوارئ لتطلب المساعدة، فلن يكون هنالك أحدٌ في النظام الدولي ليرد على المكالمة. الدول تخشى من بعضها، والثقة القليلة فيما بينها تشكل مصدراً للقلق بشأن النوايا فيما بينها. إن تركيا كقوة صاعدة تدرك تماماً أنها تعمل في عالم من المساعدة الذاتية، أي إن عليها أن تعتمد على ذاتها لتضمن البقاء لنفسها، فالدول الأخرى تشكّل خطراً محتملاً عليها، وليس هناك سلطة عليا يمكن اللجوء إليها في حال تعرضت لهجوم ما. 

لا يمكن إنكار أن تركيا ومنذ تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة تسعى في تقديم هويتها للدول الأخرى عبر آليات عدة؛ فطائرات "بيرقدار" مثلاً، لا تؤدي وظيفة أمنية بالنسبة لتركيا فحسب، بل تدعم خطط تركيا في كيف ترغب أن يتم التعرف إليها. وهكذا. وتدرك تركيا أيضاً أن القوة العالمية، أي الولايات المتحدة الأمريكية، عبارة عن حارس لنادي القوى الكبرى، وبالتالي، تتعامل تركيا معها بطريقة متوافقة مع صورتها الذاتية، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا وللقوى الكبرى الأخرى. 

لا تبرح تركيا أن تتصرف أو تبادر إلى الدعوة بما يوحي أنها تتحلى بصفات صوت القوة العظمى، كأن تعقد مؤتمرات لإيجاد حلول للأزمات العالقة، كما فعلت بصفقة الحبوب مع أوكرانيا. وقد كسبت تركيا احترام القوى الكبرى في العالم على ذلك، وعوملت باعتبارها عضواً متساوياً في نادي القوى الكبرى. إلا أنها ليست مثل القوى الكبرى التي "تؤدي دوراً محورياً في تحديد القضايا التي تؤثر في الأمن الدولي وسلامة النظام ككل، وتعمل على تحديد شروط الحفاظ على النظام الدولي، وليست قادرة أيضاً على التأثير فيه". فالقوى العظمى هي الجهات الرئيسية الفاعلة في السياسة العالمية، وتعمل ضمن منظومة فوضوية (anarchic system) وهذا لا يعني أن المنظومة تتسم باختلال النظام. فالفوضى سمة النظام الدولي، وتعني: لا توجد سلطة مركزية تقف فوق الدول. 

ولفوضوية النظام الدولي، ولغياب السلطة المركزية فيه، ولعدم تيقن تركيا من نوايا الآخرين؛ قطعت تركيا أشواطاً في تطوير قدراتها العسكرية الدفاعية والهجومية، وذلك في سبيل الوصول للمكانة التي تطمح إليها ونزع الاعتراف من القوى العالمية بقدراتها ومكانتها. فمن دون الاعتراف ينظر إلى سلوك تركيا في بعض الملفات ذات الحساسية العالية لها، والتي تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى؛ على أنه سلوك غير شرعي وعمل خارج القواعد، وتعامَل كلاعب ذي مرتبة أدنى، وليس لها كامل الصلاحيات في نادي القوى الكبرى. ومن هنا يمكن فهم السبب الذي تضطر فيه تركيا للحصول على موافقة القوى الفاعلة في الملف السوري (خاصة روسيا والولايات المتحدة) لتنفيذ العملية العسكرية في شمال سوريا.

التدخل التركي في الشأن السوري هو بمثابة مقاومة الخضوع للقوى الكبرى، حيث عملت تركيا على تصحيح الوضع وحاولت الطعن في عدم الاعتراف. أي إنها لم تتكيف مع حالة كانت فيها إيران ثم روسيا أسياداً للموقف في سوريا، ولم تتخلّ عن فهمها لذاتها، بل انتهجت التزاماً صارماً بمطالبها، بهدف إجبار القوى الأخرى على تقبل تحركاتها. ليس في سوريا فحسب، بل في مناطق عديدة تتداخل فيها مصالحها مع مصالح القوى الأخرى. ففي أوكرانيا (صفقة الحبوب)، كان هناك استجابة لمطالب الاعتراف بتركيا والتأكيد على دورها دون عوائق، بينما في سوريا، دائماً ما كان هناك إنكار للتحركات التركية، ما دفعها إلى تحويل كل تحركاتها إلى قضايا "أمنية". وبالتالي، اتخذت إجراءات استثنائية بدعوى الحفاظ على الأمن. أبرز تلك الإجراءات هي العمليات العسكرية في الداخل السوري. 

برأيي، إن العملية العسكرية التركية المحتملة -والعمليات السابقة- ما هي إلا تعنّت تركي لفرض الاعتراف بتركيا كدولة مركز في الشرق الأوسط، وفاعل له وزنه في السياسة الدولية. فالأمر أكبر من مجرد تحرك عسكري، وأكبر من مواجهة ميليشيات انفصالية. ومن كل ما سبق يمكن فهم المعارضة من قبل روسيا والولايات المتحدة للتحرك العسكري التركي المحتمل، كونهما قانعتين بالوضع الراهن. إلا أن تركيا يستحيل عليها أن تتأكد من نوايا روسيا والولايات والمتحدة المستقبلية، فقد تقرر إحداهما تغيير الوضع الراهن على حساب تركيا. ولا يمكن لدولة ما أن تعرف النوايا الحقيقية لدولة أخرى، فالنوايا لا تُعرف تجريبياً كما القدرات العسكرية. أي إن النوايا الحالية قد يتم التعرف إليها، ولكن المستقبلية ضرب من المحال. وهذا ما على المعارضة السورية إدراكه. 

أخيراً، يمكن القول إن وضع تركيا مصالحها قبل مصالح الدول الأخرى، وإدراكها أنها تعمل في عالم من الاعتماد على الذات، ويقينها بأن أفضل طريقة لها للبقاء هي أن تكون قوية على نحو استثنائي لمواجهة نظام لم تشارك في صنعه؛ يجعل من القضية السورية تحصيل حاصل بالنسبة لها. وذلك لغياب النموذج الوطني القادر على وضع إستراتيجية للتحرك في هذا النظام المعقد، والتعويل على الغير بإخراجنا من الحالة الراهنة. إننا لا نتقن التفكير كما الدول، وباعتقادي أن هذا هو أحد أبرز الأسباب بأننا تابع منفّذ، لا فاعل مؤسِّس. 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة